أبحاث ودراسات

حرب حزيران 1967: المقدمات والوقائع

بعد انتهاء معارك حرب حزيران 1967، ووقف إطلاق النار، انطلقت أبواق الدعاية الصهيونية والطابور الخامس، بالتنسيق مع الرجعية العربية، تشوّه الحقائق وتحاول دق إسفين بين الـ ج. ع. م، وسورية، وتعمل على تخريب العلاقات الودية بين القطرين، وكان كل ذلك معروفًا وواضحًا في أغراضه ومراميه، حتى لا يعـــود البلدان إلى التنسيق بينهما لإزالة آثار العدوان وتحرير الأرض المحتلة واستعادة الحقوق العربية المشروعة.

إن هزيمة 1967 قد أصبحت واقعًا تاريخيًا في المجرى العام للصراع العربي-الصهيوني، وأن الهدف من الكتابة بشأنها هو أن بعض السياسيين والكتّاب العرب الملتزمين سياسيًا درجوا، بكل سذاجة وقدرية، على إسقاط ما يحملونه من أفكار مسبقة في تصريحاتهم أو كتاباتهم على تحميل أسباب حرب حزيران إلى العمليات الفدائية، أو إلى تلك القيادة السياسية العربية أو غيرها، ولولا معرفتنا بهم، لقلنا إنهم بذلك يبرئون الصهيونية والولايات المتحدة الأميركية من مطامعهما وعدوانيتهما تجاه الوطن العربي، ولقد نُشرت الكثير من الوثائق التي تكشف أسرارها، إلا أن بعضهم ما زال يجترّ مواقفه على الرغم من اعتراف الزعماء الصهاينة علنًا بأن “إسرائيل” لم تكن تواجه أي تهديد مباشر لوجودها، وهي التي خططت ومهدت للعدوان بالتنسيق مع إدارة جونسون، وهي التي بدأت بالهجوم.

الوضع العربي

هدفت الحركات القومية العربية، وكافحت، لتحقيق تحرر وحرية ووحدة وطموحات الشعب العربي المشروعة وسيادته على أرضه وثرواته وترابه الوطني، ومن الطبيعي أن تتعارض هذه الأهداف مع مطامع القوى الاستعمارية، بكل أسمائها، وخاصة الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، في وطننا العربي، ومنذ أن وصلت بعض هذه الحركات في بعض الأقطار العربية إلى السلطة، بدأ التآمر للإطاحة بها بدءًا من سياسة الاحتواء إلى حياكة المؤامرات إلى العدوان العسكري المباشر. ومن الماضي القريب لا يغيب عن ذاكرتنا محاولات احتواء “ثورة تموز” في مصر، لمنعها من دعم ثورة الجزائر والوقوف إلى جانب القضايا القومية وحركات التحرر في العالم، ولما فشلت تلك السياسة قطعت الولايات المتحدة عنها المعونات الغذائية وتمويل مشروع السد العالي، وكان الرد الوطني للثورة هو إعادة قناة السويس إلى السيادة الوطنية، واتخذت قوى الاستعمار البريطاني-الفرنسي بالتحالف مع الكيان الصهيوني من ذلك ذريعة لعدوانهم الثلاثي في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1956، كما أن المؤامرات على سورية ازدادت بعد هذا العدوان وكان مآلها الفشل، على الرغم من دقة حياكتها وتنسيقها مع بعض الأحداث الدولية، ولا سيما الاعتداءات الصهيونية، وعلى الرغم من الأموال الباهظة -العربية والأجنبية- التي أُنفقت عليها.

كان أشهر هذه المؤامرات تلك التي عرفت باسم “ستون” رجل المخابرات في السفارة الأميركية في دمشق، واستُخدم فيها أديب الشيشكلي وإبراهيم الحسيني، ووضِع تحت تصرفهما مبالغ كبيرة من الدولارات؛ لشراء ذمم الضباط والسياسيين للقيام بانقلاب يطيح بحكومة التجمع الوطني ذات السياسة القومية والتحررية، المدعومة من حزب البعث ومن الجيش الذي يسيطر عليه الضباط التقدميون، وبعد فشل تلك المؤامرات، ظهرت فجأة، ودون مقدمات، أزمة على الحدود التركية-السورية؛ فكثرت التحرشات التركية بالرعايا السوريين، وقطعت تركيا مياه نهر جغجغ، وبدأت الدوريات التركية تتسلل إلى داخل سورية وتطلق النار على بعض القرى الحدودية، وأطلق بعض المسؤولين الأتراك تصريحات تدعي قلقهم من تفشي “الشيوعية” في سورية وخطر ذلك على أمن بلادهم، وأنهم لن يسمحوا “للشيوعيين” المسيطرين على سورية بأن يطعنوهم من الخلف، وحشدوا جيشهم على الحدود بالتوازي مع ظهور الأسطول السادس الأميركي في المياه الإقليمية السورية؛ وكان الفشل مصير هذا التهديد، أيضًا، بفضل تعبئة الشعب والموقف العربي الشعبي والإنذار السوفييتي لتركيا والكيان الصهيوني بتعرضهما لتدخل عسكري سوفييتي، في حال تعرض سورية لأي عدوان.

لقد توج المد القومي لثورة تموز وللشعب العربي في سورية بتحقيق الوحدة 1958، ولاقت صدًى كبيرًا لدى الشعب العربي على امتداد الوطن الكبير، وفي الوقت نفسه أرعبت بعض الحكام العرب؛ ما دفع الملك سعود للعمل بكل الوسائل للحيلولة دون تنفيذها، ووضع مبالغ مالية كبيرة مقابل قيام بعض الضباط في سورية بحركة عسكرية، تعرقل قيام الوحدة أو بإسقاط طائرة الرئيس ناصر وهو في طريقه إلى دمشق، أو بأي وسيلة أخرى لمنع الوحدة والتخلص من عبد الناصر.

كما أرعبت الوحدة الدوائر الاستعمارية والكيان الصهيوني، واستمر التآمر عليها حتى انتهى بالانقلاب الانفصالي، في 28 أيلول/ سبتمبر 1961.

لقد وضع الرئيس عبد الناصر المصلحة القومية فوق كل اعتبار -سواء أكان قطريًا أم قوميًا- وتحول في خضم الأحداث التي واجهها ومعه مصر والأمة العربية إلى النموذج الوطني والاستقلالي الحر بين حركات التحرر في العالم، وفي هذه الفترة 1957، قبل الملك سعود بمبدأ أيزنهاور، ونجحت الإدارة الأميركية في ظل الضغوط على الرياض، في إبعادها سياسيًا عن القاهرة، والتوصل لتقارب سعودي – هاشمي (العراق والأردن) وخروج المملكة السعودية عن الدائرة المصرية – السورية، وانقسام النظام العربي إلى معسكرين: أحدهما “ثوري” تقوده مصر، والآخر “محافظ” تقوده المملكة السعودية وتدعمه الولايات المتحدة.

ولا بد أن انتصار ثورة الجزائر وانتقالها بكل زخمها الثوري من المغرب إلى المشرق، وكذلك مجيء البعث إلى السلطة في سورية 1963؛ أدى إلى تعزيز المعسكر الثوري.

بدأ فيصل بن عبد العزيز، بعد وصوله إلى الحكم عام 1964 يعمل على الحد من النفوذ “الثوري” في الأوساط الشعبية، بعد أن أصبح يهدده حتى داخل النظام والأسرة المالكة، وظهور اضطرابات داخلية في أوساط العمال والجيش والموظفين.

أجرى الملك فيصل، في 21 حزيران/ يونيو 1966 مباحثات في واشنطن مع الرئيس الأميركي جونسون، وبعد أن أوضح له بأن هناك “تيارات ومبادئ تهددنا” طلب منه ضمانات للأنظمة العربية التي ترتبط بأميركا.

وفي مناسبة عيد العمال 1 أيار 1967، قال الرئيس ناصر في خطابه: “إن الأميركيين والإنكليز وجدوا في فيصل وحسين أحسن عميلين لهم”.

وفي 4 أيار/ مايو 1967 وصل الملك حسين بشكل مفاجئ إلى طهران، وقام بزيارة لقاعدة الحلف المركزي في الوقت الذي تشمل المنطقة العربية تحركات استعمارية مشبوهة.

كما قرر الملك حسين، والأزمة بين العرب و”إسرائيل” في ذروتها، قطع العلاقات الدبلوماسية مع سورية، وترحيل الرعايا السوريين من الأردن، وحشْد قسم من جيشه على الحدود السورية، متخذًا من الانفجار الذي حصل في الرمثا، يوم 21 أيار/ مايو، ذريعة لتصرفاته.

مشروعات التحويل

إن كل عربي على معرفة بالحلم الأسطوري للصهيونية، وهو دولة يهودية على كل أرض فلسطين، ولتحقيق ذلك، يجب توفر بعض الشروط، من بينها:

1- استقدام أكبر عدد ممكن من الملتزمين بالحلم الصهيوني، وتوفير الأراضي اللازمة لإقامتهم، وتأمين المياه اللازمة لريّها، وفي هذا السياق اعتبر وزير خارجية “إسرائيل” شاريت أن عدم إدراج نهر الليطاني في مشروعاتهم المائية، يعدّ خطيئة أساسية ارتكبتها حكومته، ويأتي حديث ليفي أشكول لسارتر، ليؤكد تلك المطامع، إذ قال: إن “إسرائيل” قُسّمت ثلاث مرات، وكانت المرة الأولى عندما وُضع نهرا الحاصباني وبانياس خارجها، ومن هنا كانت مطامعهم في مياه الهضبة.

ويربط المعلق الإسرائيلي أربين أفنيري بين تنفيذ المشروع العربي وبين احتلال الجولان فيقول: إن وجود الجولان بيد السوريين معناه ترك خيار مصادر المياه تحت رحمتهم… وإن بإمكاننا القول إننا سنضطر في النهاية لشن حرب ضد سورية لو نُفذ مشروع تحويل روافد الأردن حتى لو لم تنشب حرب الأيام الستة.

2- أن يبقى الكيان الصهيوني مخزن أسلحة يحتوي من البندقية إلى القنبلة الذرية.

3- أن تُضرب حركة القومية العربية، باستمرار، حتى يتم اجتثاثها من الجذور.

ومن هذا المنطلق كان الهدف الاستراتيجي الصهيوني هو إسقاط نظامي الحكم في الـ. ج.ع. م (ناصر) وفي سورية (البعث) بالاتفاق مع إدارة الرئيس الأميركي جونسون، وبمعرفة نظامَي الحكم في السعودية والأردن. وبذلك يربح جونسون في الشرق الأوسط (الصوت اليهودي في الانتخابات الأمريكية)، ما يخسره في الشرق الأقصى، أي في فيتنام.

طرحت حكومة الكيان الصهيوني عام 1953 فكرة تحويل مياه نهر الأردن وروافده إلى صحراء النقب؛ لريها بهدف إقامة مستوطنات جديدة فيها، ولكن الدول العربية عارضت ذلك بقوة، ما حدا بالرئيس الأميركي أيزنهاور إلى التدخل وإرسال المبعوث الخاص إيريك جونستون إلى المنطقة؛ ونتج عن تلك الزيارة ما عُرف بـ “مشروع جونستون” لاقتسام مياه النهر والروافد، إضافة إلى:

– إنشاء سد على نهر الحاصباني في الأراضي اللبنانية، لتخزين الفائض السنوي للنهر وتحوله إلى ترعة لري أراضي حوض الحولة وتلال الجليل في فلسطين المحتلة.

– إنشاء محطة لتوليد الكهرباء من مياه هذا النهر، تقام داخل فلسطين المحتلة.

قدمت الإدارة الأميركية عام 1954، هذا المشروع إلى الدول المعنية، ولاقى رفضًا حازمًا من الجانب العربي، في قرار موحّد اتُّخذ في شباط/ فبراير 1955، وكانت “إسرائيل” قد رفضته قبل ذلك، لأنه لا يتضمن نهر الليطاني.

ومنذ عام 1956 باشر الكيان الصهيوني بتنفيذ ما عُرف باسم مشروع المياه الوطني بهدف تحويل مياه نهر الأردن العلوي إلى المنطقة الساحلية ومنها إلى صحراء النقب، وقد تضمن المشروع عدة مراحل منها: تجفيف بحيرة الحولة، وتحويل نهر الأردن قبل دخوله بحيرة طبرية وضخ مياه البحيرة في قنوات عبر سهل بيسان، وكان هذا المشروع يعني الاستيلاء على ما يساوي 50 بالمئة من مياه النهر وروافده، ويجسد الأطماع الصهيونية في مياه هضبة الجولان.

وضع العرب، بالمقابل، مشروعًا عربيًا لاستغلال مياه الروافد يقضي بإنشاء سدود وخزانات على أنهار اليرموك والحاصباني والبانياسي، ولم ينفذ العرب شيئًا مما قرروه، بينما مضى الكيان الصهيوني، قُدمًا، في تنفيذ مشروعه الذي أوشك في نهاية عام 1963 على الانتهاء، وهذا دفع بالرئيس ناصر، في خطابه في بور سعيد يوم 23/ 12/ 1963، إلى دعوة ملوك ورؤساء العرب، على الرغم من التناقضات القائمة بينهم، إلى عقد اجتماع لهم في إطار الجامعة العربية في القاهرة؛ لتدارس أمر مشروع سرقة المياه، والتأم عقد المؤتمر “مؤتمر القمة العربي الأول” في الفترة ما بين 13 و16 كانون الثاني/ يناير 1964، ومما قرره:

– اعتبار أن قيام “إسرائيل” هو الخطر الأساسي الذي أجمعت الأمة العربية بأسرها على دفعه، وبما أن وجود “إسرائيل” يُعدّ خطرًا يهدد الأمة العربية، فإن تحويلها لمياه الأردن سيضاعف من أخطارها على الوجود العربي.

– إقرار مشروع تحويل روافد نهر الأردن في المنطقة العربية لقطع الطريق على المشروع الصهيوني.

– إنشاء قيادة عربية موحدة لجيوش الدول العربية فورًا، وتشكيل جيش عربي موحد مزود بأحدث الأسلحة والمعدات، تجعله قادرًا على حماية المنشآت التي ستقام على روافد نهر الأردن وردع أي عدوان صهيوني محتمل.

وكان الهدف من انعقاد المؤتمر الثاني للقمة 5 – 11 أيلول/ سبتمبر 1964 في الإسكندرية، هو البحث عمّا تم تحقيقه من مقررات المؤتمر الأول، وخاصة:

إعداد مشروع عربي لتحويل مياه روافد نهر الأردن وتنفيذه، بدءًا من شهر أيار/ مايو 1964، وخلال مدة لا تزيد عن 18 شهرًا.

ومما قرره هذا المؤتمر:

– البدء الفوري بتنفيذ مشروعات استغلال مياه روافد نهر الأردن، وإعطاء المقاولين الإذن بالمباشرة فورًا.

– قيام منظمة التحرير الفلسطينية واعتمادها ممثلة للشعب الفلسطيني.

وفي مؤتمر القمة الثالث الذي انعقد في الدار البيضاء في المغرب، ما بين 13-17 أيلول/ سبتمبر 1965، تابع المؤتمرون ما أُنجز في موضوع استثمار المياه، وقرروا:

– استمرار الدول المعنية (سورية، الأردن، لبنان) في أعمال المشروع العربي الموحد، لاستثمار مياه النهر وروافده وفقًا للخطة المرسومة، وطبقًا لما تقرر بشأن الحماية العسكرية للمشروع.

– الموافقة على خطة تحرير فلسطين المقدمة من قائد القيادة العربية الموحدة للجيوش العربية الفريق علي عامر.

وكان هذا القرار في غاية السرية، ولكنه وصل فور إقراره إلى الولايات المتحدة الأميركية من قبل ثلاث دول عربية، لا تخفى أسماؤها على القارئ المتتبع، (الأردن، السعودية، المغرب) كما وصل في الوقت نفسه إلى حكومة “الكيان الصهيوني”.

البعث والعمل الشعبي المسلح

ورد في مذكرة لقيادة الحزب القومية بتاريخ 31 كانون الأول/ ديسمبر 1961، وجهتها إلى مؤتمر وزراء الخارجية المنعقد في بغداد حول قضية فلسطين: (إن إبعاد جماهير الشعب عن قضاياها الأساسية يُفقد هذه القضايا الوعي والكفاءات والقوة الضرورية لانتصارها، ويحول دون بناء مجتمع ديمقراطي شعبي قوي قادر على مواجهة خطر “إسرائيل” وتحمل مسؤولية تحرير فلسطين وتصفية الاستعمار). وورد: (إن حزب البعث العربي الاشتراكي يطالب مؤتمركم باتخاذ قرارات تُلزم جميع الحكومات العربية بإطلاق الحريات لأبناء فلسطين المقيمين في جميع الأقطار العربية لتنظيم صفوفهم في جبهة تحرير فلسطين، وتقديم جميع المساعدات المادية والقانونية التي تكفل لهذه الجبهة ممارسة عملها النضالي، واعتبارها ذات اختصاص مباشر في جميع الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين).

إن حزب البعث في مؤتمره القومي التاسع الذي انعقد في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 1966، قد أقرّ تبني أسلوب الحرب الشعبية كبديل لسباق التسلح ورديف للحرب النظامية في الوقت الملائم.

من هذا المنطلق، استقبلت سورية منذ أواخر عام 1964 منظمات العمل الفدائي الفلسطينية وقدمت لها كل الإمكانيات المتاحة لتأهيل نفسها وممارسة نشاطها، وأعلنت حركة تحرير فلسطين (فتح) من دمشق، عن قيامها بأول عملية لها في فلسطين المحتلة في الأول من كانون الثاني/ يناير 1965، واعتبرت ذلك التاريخ يوم بدء العمل المسلح الفلسطيني (الثورة الفلسطينية).

كانت قيادة الحزب بعد حركة الثالث والعشرين من شباط/ فبراير 1966، في اجتماع لها في شهر نيسان/ أبريل من العام ذاته، استعرضت وضع الجيش، وأنه بعد انتهاء حرب 1948 وفشل استراتيجية الهجوم التي اتبعتها الدول العربية لإحباط مشروع التقسيم، تركزت الاستراتيجية ووُضعت الخطط العسكرية لدول المواجهة الجغرافية العربية، ضمن اتفاقات الهدنة التي وُقعت في رودس في العام 1949، تجاه الدولة الصهيونية في محاولة الحفاظ على “الوضع الراهن” الذي يهدف دون مزيد من التوسع “الإسرائيلي” في الأراضي العربية على فكرة الدفاع وامتصاص الضربة الأولى، ولذلك تمركزت القطع العسكرية في خنادق ومواقع على الحدود، تدعمها في العمق العملياتي قوات أخرى، وهذا ما أثر على مستوى تدريبها وبالتالي على كفاءتها.

وعلى ضوء ذلك الواقع قررت قيادة الحزب إعادة هيكلة القوات المسلحة وبناء جيش ميكانيكي بجميع أسلحته يتمتع بسرعة الحركة وكفاءة التدريب، ويعتمد على النقاط والمواقع الحاكمة -بدلًا من انتشار الجيش في خنادق على طول خطوط الهدنة- لتأخير أي عدوان ورده، تساندها في العمق الاستراتيجي قوات من المشاة والمدفعية والمدرعات وسلاح الجو، وأن ينطلق هذا الجيش في تنظيمه وتدريبه بما يتلاءم مع استراتيجية الحزب في حرب التحرير الشعبية، مع إدراكها التام بأن التسليح الحديث ليس وحده الذي يصنع الجيش الحديث، وكذلك لا يحل الانضباط العسكري محل وعي الجندي بمهمته، وأن الجندي العربي ما زال إلى حد ما ضعيف الحس المدني، وهو لم يصل بعد إلى انتزاع نفسه من سلسلة طويلة من أفاعيل التخلف الاجتماعي، ويفتقر إلى الإعداد التكنيكي والقدرة على المبادرة.

سافر في 19 نيسان/ أبريل 1966، إلى موسكو وفدٌ برئاسة رئيس الوزراء يوسف زعين، وفي عضويته وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد وعدد من الوزراء وكبار الضباط المختصين لإبرام العقود اللازمة، وإدراكًا بالمخاطر التي تواجهنا قال الدكتور يوسف زعين يوم 22 نيسان/ أبريل في حفل التوقيع على اتفاقية التعاون الاقتصادي بين سورية والاتحاد السوفييتي: “نحن نقاتل في منطقة مصالح الاستعمار الاستراتيجية والبترولية”.

وطلبت قيادة الحزب إلى قيادة الجيش العمل مع قوات المراقبة الدولية لإحياء لجنة الهدنة المشتركة التي كانت “إسرائيل” قد قاطعتها منذ زمن، وذلك لتفويت الفرصة عليها -وهي التي كانت تفتعل حوادث الحدود كتمهيد لعدوانها- قبل أن يتم تحديث الجيش تسليحًا وتشكيلًا وتدريبًا.

وكانت قيادة الحزب تسعى باستمرار لتصفية الأجواء مع الجمهورية العربية المتحدة وإقامة أمتن الروابط معها، ولقد تحقق ذلك بعد حركة 23 شباط/ فبراير 1966، لأن الرئيس عبد الناصر كان يرى أن الحساسيات التي كانت بينه وبين قيادة الحزب قبل الحركة، لم يعد لها وجود مع القيادة الجديدة.

الاعتداءات الإسرائيلية على الحدود

عزز وصول البعث إلى السلطة في سورية ما عُرف بـ “المرض السوري”، أي قصف المواقع العسكرية الصهيونية وتهديد المستوطنات، الذي أصاب الكثير من كبار ضباط الجيش “الإسرائيلي” الذين كانوا مصممين على العدوان.

وعندما دخل المشروع العربي للتحويل مراحله التنفيذية، لجأ الكيان الصهيوني في الأعوام 1964 – 1965 على التوالي إلى أعمال القصف الجوي لمنشآت المشروع وآلياته في الجولان بقصد تعطيله واستحالة تنفيذه.

بدأ التوتر الشديد وساد على الحدود السورية والأردنية مع فلسطين المحتلة مناخ ملتهب، ومنذ شهري تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 1966 كثرت الاعتداءات “الإسرائيلية” على سورية، وتعددت الاشتباكات المسلحة، ففي يوم 14 تموز/ يوليو 1966 قام سلاح الجو “الإسرائيلي” بهجوم كبير ضد منشآت ومعدات تحويل المياه، ودارت معركة جوية بين سلاح الجو السوري والسلاح الجوي الصهيوني فوق مواقع التحويل، وتجددت المعارك الجوية في 15 آب/ أغسطس، ورافقتها اشتباكات برية.

وفي 14 تشرين الأول/ أكتوبر ناقش مجلس الأمن الدولي شكوى تقدم بها الكيان الصهيوني ضد سورية، وكانت تلك الشكوى غطاء لعدوان جديد يخطط له الصهاينة.

وفي 13 تشرين الثاني/ نوفمبر تذرعت حكومة الكيان الصهيوني بمقتل ثلاثة من جنودهم في حادث انفجار لغم على خطوط الهدنة باتجاه وادي عربة، وقامت بهجوم كبير على قرية السموع الأردنية في منطقة الخليل، ارتكب فيه جيش الصهاينة، بما عرف عنه من وحشية، قتلًا للسكان وتدميرًا للمنازل، وعلى أثر ذلك عمّت المظاهرات في الضفة الغربية ضد حكومة الأردن التي لم تتخذ أي إجراء لحماية مواطنيها.

وفي التوازي مع هذه الاستفزازات، بدأ من كان يُطلق عليهم عرب أميركا، بتنفيذ دورهم في الخطة، وأورد محمد حسنين هيكل: (وقد كثّف خصوم مصر السياسيون في الأردن والسعودية حملاتهم ضد مصر لما اعتبروه تقاعسًا من جانبها عن مساعدة الأردن في السموع، وقد وصل هؤلاء الخصوم إلى حد اتهام مصر بالخوف والجبن والتواري خلف قوات الطوارئ الدولية في سيناء، كما وصلت بهم الحال إلى اتهام الرئيس ناصر بالتواطؤ مع الصهاينة بهدف القضاء على رصيده لدى الجماهير العربية، وأمام هذه الحملات فقد كان من المستحيل سياسيًا وإنسانيًا على القيادة المصرية أن تقف موقف المتفرج حيال ما يجري في سورية).

وبما أن منطقة التحويل وما يتطلبه التحويل من منشآت وآليات موجودة على الجبهة السورية، أدى ذلك إلى اشتباكات مستمرة على خطوط الهدنة، وفي فترة الاشتباكات المتكررة هذه، وجّه الرئيس نور الدين الأتاسي بتاريخ 27 أيلول/ سبتمبر 1966، رسالة إلى الرئيس عبد الناصر، ورد فيها:

(سيادة الرئيس، إن المسؤولية التاريخية تحتم عليّ أن أخطركم بأن المعلومات المتوافرة لدينا تجعلنا نتوقع هجومًا إسرائيليًا كبيرًا في الجو في الأيام القليلة القادمة. وطبقًا لما لدينا من معلومات فإن “الإسرائيليين” يريدون أن ينتهزوا فرصة إعلاننا عن استئناف خططنا لتحويل مياه الأردن كحجة لاستئناف الهجوم على مشروعات التحويل، على أن يتطور هذا الهجوم علينا إلى ضربة جوية شاملة لا تترك هدفًا داخل حدودنا إلا وقد دمرته.

وقد قررت القيادة ضرورة التوصل إلى تنسيق كامل مع الشقيقة الكبرى الجمهورية العربية المتحدة، ونحن نقترح فتح خط لاسلكي مباشر بين قيادة الجيش في سورية وفي الجمهورية العربية المتحدة، ونرى أيضًا، ضرورة تغيير الشفرات المستعملة الآن لتأمين الاتصالات وحتى يكون في وسعنا إخطاركم دقيقة بدقيقة عن تطورات الحوادث المحتملة، ونعتقد أنه لا بد للبلدين اللذين وَضَعت عليهما المقادير مسؤولية قيادة القوى التقدمية في الوطن العربي من حماية آمال الأمة وتجسيد قواها الفعالة والرادعة).

إن الموقف الجديد للرئيس عبد الناصر حيال قيادة الحزب بعد حركة 23 شباط، سهّل حدوث انفراج تدريجي ولكنه واضح، ولقد تُوج هذا الانفراج باتفاقية الدفاع المشترك بين القطرين والتي تم التوقيع عليها في القاهرة يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1966.

سافر إلى القاهرة في 30 تشرين الأول/ أكتوبر وفد من قيادة الحزب، تألف من رئيس الوزراء الدكتور يوسف زعين، رئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي، وزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس، ورئيس الأركان العامة اللواء أحمد سويداني، وجرت محادثات مع وفد الجمهورية العربية المتحدة برئاسة الرئيس عبد الناصر وعضوية نائبي رئيس الجمهورية المشير عبد الحكيم عامر وزكريا محي الدين، رئيس الوزراء صدقي سليمان، وزير الخارجية محمود رياض، والممثل الشخصي للرئيس حسن صبري الخولي.

طرح الوفد السوري موضوعَ الحرب الشعبية وضرورة تفجير طاقات الشعب العربي وتدريبه، وأبدى وفد الـ ج.ع.م رأيَه بأن الموضوع ضخم وحيوي ويجب أن يُدرس جيدًا ويوضع له تخطيط سليم تكون احتمالات نجاحه أكثر من احتمالات خسارته، وأن مسألتي الحرب مع “إسرائيل” دون حسابات دقيقة، والتعرض للبترول، معناه الاصطدام مع أميركا.

ونتج عن المحادثات اتفاقية للدفاع المشترك، وهي إعادة إحياء لميثاق الدفاع المشترك الذي كان قد عُقد بين البلدين سنة 1955، بصيغة تتلاءم مع التطورات التي حدثت، وورد في مقدمة الاتفاقية:

(إن حكومتي الـ ج. ع. س والـ ج. ع. م، استجابة منهما لرغبة الشعب العربي في كل من القطرين الشقيقين، وانطلاقًا من إيمانهما المطلق بالمصير المشترك وبوحدة الأمة العربية، وتوحيدًا لجهودهما في تأمين وحماية سلامتهما ومثلهما القومية، قد اتفقتا على عقد اتفاق دفاع مشترك تحقيقا لهذه الغايات).

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق