أدب وفنون

وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم

المغني والملحن وكاتب الأغاني والممثل والمسرحي والسياسي أيضًا، الفنان صاحب الأغنية الأكثر شهرة ووقعًا في النفس، وحفرًا في الذاكرة: “أناديكم” التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد.

الفنان الذي غنى للفقير والمحتاج، للاجئ والمظلوم، وغنى عن الظالم -أيضًا- عن فلسطين، وعن الأرض وبيروت ولبنان، غنى للعيد والأطفال، يبدو أنه كان يغني للحب فحسب. ابن بيروت المدينة، بيروت التي يحبها ويقيم فيها حتى الآن.

المغني أحمد قعبور ماذا عن البيت والذكريات.. عن الأمّ والأبّ؟

حين أرى أميّ أعود طفلًا صغيرًا، تمطر عليّ آيات الرضا.

أكتب لها الآن أغنية، أسميها “الحجة فطوم” غنيت كثيرًا للأم، هذه المرة، أغني لأمي بعينها، لبيت أمي الذي تعيش فيه منذ أن كنت أنا في العاشرة من عمري، في بيت أميّ يتلبسني الهدوء والسكينة.

البيوت هي أوطاننا الصغيرة.

وحين أغني أعود ذلك الصغير الذي يلعب أمام والدته، وهي تحضّر مربى السفرجل على مصطبة ذلك البيت في بيروت.

والد أحمد قعبور هو أول عازف كمان في لبنان، لكنه لم يشجعه أبدًا على الفن، كان يخاف الفكرة، من تبعاتها ونظرة المجتمع والناس.

عاش أحمد في بيتٍ، فيه أبٌ مريض وأمٌّ متعبة، وصوت وقع حوافر الخيل عند الفجر، الإيقاع كان هذا هو الإيقاع الأول في حياته، حين يقود سائس الخيل خيوله وقت الفجر، ويذهب بها لتمشي، كان صوت حوافرها المتناوب يخفف من حدة صوت سعال والده الذي يختنق كل مرة بنوبة من تلك النوبات، إذ كان الليل موعدًا دائمًا مع السعال.

يربط أحمد قعبور بين الفجر وصوت حوافر الخيل: الرابط كان (بروڤا) تدريبًا على الموت الذي يعلن نفسه بكل صفاقة من خلال السعال، وتدريبات الحياة التي يتشكل إيقاعها، من خلال صوت حوافر الخيل.

أحمد قعبور وبيروت:

بيروت مدينة أعطتني هويتي، بحرها، عمقها، أسواقها، وأناسها.

يقول: “بيروت مدينة كانت جميلة، ومع ذلك لم أتركها”.

لا يتخيّل أحمد مدينة بلا بحر، بلا شاطئ أو مراكب! المدن التي تسكن الصحراء ليست مدني. ويضيف عن بيروت بأنها ليست مدينة للتفاوض، هي مختبر ريادي، وطالما تحدث حرائق في هذا المختبر، ويدفع المنشغلون بالحداثة ثمنًا كبيرًا.

عن الغناء والموسيقا:

أحمد قعبور يحب أن يكونَ أحمد المغني؛ هو ساعي بريد، وثمة رسائل عليه إيصالها، ووقته قصير في مسيرته. أكثر من 400 لحن ومقطوعة موسيقية، غنى لحنين أو أكثر لصديقه الدكتور غازي مكداشي، منها أغنية “لا تنامي حبيبتي”.

وغنى 80 أغنية للأطفال. يقول: “تعبي يدفعني إلى الغناء”.

عمل في المسرح كثيرًا، كتابة ولحنًا وغناءً، كتب أعمالًا إذاعيّة، عمل في السينما، ولأنه قليل الكلام، لا يعرف كثيرون ذلك.

يكتب أحمد قعبور ليغني وهو ليس بشاعر.

الموسيقا:

يحب تلك الموسيقا التي تنهل من الشعوب وتحوّلها إلى لغة، كل موسيقا الشعوب هي نتاج جمعي، يحب موسيقاه ويحب أن يتمرد عليها.

أسأله: كيف تتمرد؟

يقول: كل مبدع يجب ألا يستكين. التمرد والتجاوز حافز أساس للإبداع. التمرد أولًا على الذات قبل الآخرين. كثير من الأغاني أستدعيها من الشباب الذي قضى عمره ينادي، أقول له بلغة متجددة: لا تنادي، اهمس.

سألته:

  • ماذا عن هوية أحمد قعبور الغنائية؟
  • مثل ما يوجد بصمة للعين وبصمة للأصابع، هناك بصمة للنغمة، تحمل فرديتنا، في عالم نفتقد فيه الفردية، بصمتي هي مجالي في التعبير، أنا هنا، أنا موجود.
  • تحب أن تكون موجودًا؟
  • طبعا التواجد من دون معنى سخيف، أحب أن أساهم في حفظ وصناعة معنى لوجودي، وأكون؛ حتى استمتع بكل ما هو متاح.
  • إذًا الغناء أبقى لروحك!؟
  • ابتدأت مغنيًا للجماهير، لكنني الآن منحاز للناس، أغنيهم قبل أن أغني لهم.
  • كيف ذلك؟
  • مفردة الجماهير مرتبطة بذاكرتي بالأيديولوجيا، مفردة الناس رديفة للحياة، أغني لأناس أعرفهم هكذا أشعر. الأيديولوجيا خرساء عمياء بفعل قاتل. الحياة أصوات وألوان.
  • خط الغناء الذي أخذته جعل لك عمرين؟
  • إنه استجابة لحاجة خاصة، حاجة ماسة لإطلاق صوت يصنع أساليب تعبيرية مختلفة، دون إهمال القيمة الجمالية بكل عناصرها.
  • المرأة في حياة أحمد قعبور؟
  • المرأة كانت الأكثر حضورًا، بداية من أميّ، زوجتي، وأمّ سعد في قصة غسان كنفاني، لقد سمّيت ابني سعدًا. في مجموعتي الغنائية الجديدة، المرأة حاضرة عن كل الحياة. لا أحب أن أغني لها، أحبّ أن أغني بما يليق بحضورها، وهي أجمل ما في حياتي.
  • تقول نوال السعداوي: “ليس للنساء وطن، للنساء مسقط رأس”، فماذا يقول أحمد قعبور؟
  • أعتقد أن الأمر ينطبق على الرجال، نحن نعاني من مجتمع ذكوري تافه أيضًا! نوال السعداوي بالضفة الثانية، داعية أنثويّة أكثر من كونها امرأة مثقفة.
  • ماذا عن الحلم؟
  • غصصت بأحلامي بعدد من الانكسارات، أحلامي الصغيرة قبل الكبيرة، أخاف أن أتوقف عن الحلم. لا زلت عند العتبة.
  • والأصدقاء؟
  • لديّ أصدقاء هناك عجين وخبز وطاولات وضحكات.
  • والطريق؟
  • أحب الطريق بقدر ما يفتح طرقًا ثانية.

أحمد قعبور فنان لبناني مواليد بيروت 1955، غنى للناس والمقاومة والأرض وفلسطين.

مقالات ذات صلة

إغلاق