مقالات الرأي

الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية

اتسمت الأزمنة الحديثة بالانتقال التدريجي من التشظي والتناثر إلى الوحدة، ومن الانتماءات والولاءات الحصرية، الطبيعية وشبه الطبيعية، إلى المواطنة، ومن التبعية المطلقة إلى الاستقلال النسبي والحرية النسبية، ومن نظام الامتيازات وتسلسل الولاءات الشخصية إلى حكم القانون، أي من ما قبل الدولة الوطنية، إلى الدولة الوطنية. الاستقلال والحرية والمساواة والعدالة وحكم القانون والتشارك الحر في الشؤون العامة وفي حياة الدولة.. هي مقومات الوطنية الفعلية، أو القومية الفعلية، ولا فرق، ومقومات السيادة والشرعية، وأهم معالم الحداثة، بكل ما لها وما عليها، لا مجرد “حب الوطن” والولاء للسلطة.

الأوضاع القائمة في سورية اليوم أقرب ما تكون إلى حالة اللادولة، أو ما قبل الدولة، وهذه الحال نتيجة لسيرورة تبعيث الدولة، حتى صارت “دولة البعث”، وتنسيب الوطن، حتى صارت سورية البلد والشعب، الجغرافيا والتاريخ والحضارة.. “سورية الأسد”. في سياق هذه السيرورة الانحدارية، سيرورة هدر الإنسان وهدر المواطنة وهدر المؤسسات وهدر الوطن، بعد هدر الموارد البشرية والمادية، اضطربت اللغة التي نعبر بها عن ذواتنا وأشكال وجودنا، واضطربت معها القيم والمعايير، وفقدت الكلمات معانيها ودلالاتها اللغوية والمعرفية؛ وحين تفقد الكلمات معانيها يفقد الشعب حريته.

اللغة منظومة معارف وأفكار وتصورات ورموز وعلامات، لا يختلف نسيجها المعرفي والأخلاقي عن نسيج الجماعة التي تتكلمها؛ اللغة التي نتكلمها منذ عقود، والتي نتكلمها اليوم، لم تعد تعبر عن العلاقات الاجتماعية والإنسانية الواقعية والقيم التي تحكمها والمؤسسات التي تنتج منها، فقد تولدت منها ثقافة تسلطية أو “جماهيرية” خاوية من أي معرفة ومن أي قيمة إنسانية، يمكن أن نسميها ثقافة العدم، لا فرق بين كونها بعثية أو شيوعية أو إسلاموية. للعدم هنا وجود عياني وكثافة مادية، يتجليان في مفهوم الهدر الذي بَسَطه مصطفى حجازي، على أحسن وجه، مثلما يتجلى في القتل والتدمير.

لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. نتحدث عن فكر البعث، لا عن البعثيين والبعثيات، عن فكر الشيوعيين، لا عن الشيوعيين والشيوعيات، عن فكر الجماعات الإسلامية، لا عن المسلمين والمسلمات، السنة أو الشيعة. الثورة، بوجه عام، والثورة الفكرية، بوجه خاص، ثورة على العلاقات والبنى الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية، وقواعد إنتاج السلطة ومنظومات القيم، لا على الأفراد والجماعات، ثورة على شروط الحياة اللاإنسانية، لا ثورة على الحياة. “ثورة البعث” كانت ثورة على الأفراد والجماعات، كانت حربًا على الأفراد والجماعات، حربًا مفتوحة على المجتمع، وعلى الحياة الإنسانية، باسم البعث والإحياء، مورست فيها جميع أشكال التسلط والهيمنة والقمع والإذلال والقتل على الهوية، ولا يزال الأمر كذلك، ولعلنا موعودون باستمرارها.

قد يرجع عدم توافق السوريات والسوريين على رؤية وطنية مشتركة إلى انفصالهم عن اللغة التي يتكلمونها وانفصالها عنهم، منذ تشكلت اللغة منظومات ثابتة ومغلقة، وأيديولوجيات تمامية وخلاصية، غدت هويات نشطة لأفراد هامدين، ليسوا أكثر من أجسام ناقلة لثقافة السلطة وأدوات لغاياتها. انفصال اللغة عمن يتكلمونها، هنا، هو المغزى الأعمق لانفصال الهوية عن الذات، انفصالًا يصير معه المتكلمون والمتكلمات “هويات بلا ذوات”، بتعبير ضارب لفتحي المسكيني. الذات الذائبة في هويتها، أو الغارقة في رؤيتها المرآتية، ليست “أنا أفكر”، ليست “أنا أريد”، ليست “أنا أختار”… ليست أنا حرة ومستقلة، ومن ثم، ليست “أنا” تواصلية تنتج من تواصلها “نحن” إنسانية ووطنية، والأولى، أي الإنسانية شرط الثانية وقوامها وعمادها وأساسها ورافعتها.

تتأسس رؤيتنا للمسألة الوطنية على جدل الانتماء والتواصل، على اعتبار الانتماء حاجة بشرية نوعية مغروزة في الطبيعة البشرية، لا تقل جذريةً عن الحاجات الطبيعية الأخرى، ولا سبيل إلى تلبيتها إلا بالتواصل الاجتماعي والإنساني. وهذا، أي التواصل، يحيل إلى الممكنات الأخلاقية للكائن البشري، بصفته كائنًا عاقلًا وأخلاقيًا، وعلى الممكنات الأخلاقية للأسرة أو العائلة، باعتبارها مؤسسة طبيعية من جهة، ونواةَ الاجتماع البشري، من الجهة المقابلة. ولذلك ينعقد رهاننا على هذه الممكنات.

المجالات التواصلية والتداولية هي التي تحدد أشكال الانتماء أكثر مما تحددها المجالات التبادلية التي تغلب فيها المنافع المادية على القيم الأخلاقية، مما تعده كل جماعة قيمها العليا. وأن تضارب المصالح المادية، بوجه خاص، عامل رئيس من عوامل التفاصل والتنابذ و”التدافع”. وقلما يكون هذا التضارب صريحًا، إذ غالبًا ما يحتجب أو يتقنَّع بأقنعة أيديولوجية. لذلك يمكن أن تُلاحَظ علاقة طردية بين تلبية المصالح وكثافة الأيديولوجيات التي تحجبها وتقنِّعها؛ ما يضعنا إزاء شبكة من العوامل المتداخلة والمتضافرة، تعيق الانتقال من الانتماءات ما قبل الوطنية إلى الانتماء الوطني، بالمعنى الحديث للكلمة، شبكة تتألف من انتماءات طبيعية وشبه طبيعية مختلفة، ومصالح متضاربة، وأيديولوجيات متنافرة، تشكل النوى الصلبة للعصبيات.

ولكن هذا لا يجوز أن يحجب عن النظر العقلي والرؤية الأخلاقية جدلية التفاصل/ التواصل، أو التجاذب/ التنابذ، وآلياتها الظاهرة والخافية التي هي الأساس الموضوعي لحيوية المجتمع وعمليات التشكل الاجتماعي الاقتصادي والثقافي والسياسي والأخلاقي التي لا تني ولا تتوقف ولا تكتمل، حتى في ظل الاستبداد الكلي الذي ينهك الجسد الاجتماعي، ويقفِّر الحياة الإنسانية، كما في سورية، وإلا لكان الخروج من سجن الاستبداد مستحيلًا.

وما زلنا نعتقد أن الانتماءات الدينية والمذهبية تابعة للانتماءات الأولية، الطبيعية وشبه الطبيعية، التي نعتبرها انتماءات أصلية، (مما يحيل على البنية المركَّبة للعصبية)، إذ بوسع الأفراد والجماعات أن يتحولوا عن معتقد ديني إلى معتقد آخر، اختيارًا أو اضطرارًا، ولكنهم لا يتحولون عن انتماءاتهم العرقية أو الإثنية أو القومية. حتى المهاجرون الذين يكتسبون جنسية الدول التي هاجروا إليها، يظلون متشبثين بأصولهم جيلًا بعد جيل، ما داموا على تواصل مع ذويهم أو أقربائهم في البلدان التي هاجروا منها، وعلى علاقة ما بأوطانهم.

وإلى ذلك، نرى أن التواصل هو العامل الرئيس من عوامل تطور أشكال الانتماء ومضامينه، أو العامل الرئيس من عوامل تطور الهوية/ الهويات. ومن البديهي أن التواصل يضع نقيضه، التفاصل، المؤسس على الأَثَرة والطمع والتنافس والتدافع .. التي تنبثق من حب التملك والنرجسية والرغبة في إثبات الذات. ثمة علاقة لا تخفى بين اتساع المجال التواصلي والتداولي وانفتاحه، بموازاة المجال التبادلي، وبين انتشار قيم التسامح والاعتدال؛ فكلما اتسع المجال التواصلي، متجاوزًا حدود الجماعات الطبيعية وشبه الطبيعية خفّت الكثافة الأيديولوجية، وتراجع منسوب التعصب، وانتشرت قيم التسامح والاعتدال. يلاحظ هذا بوضوح على صعيد القرى والبلدات والحواضر والمدن، ويلاحظ بوضوح أكثر في البيئات التعليمية والعلمية وتنظيمات المجتمع المدني، والمؤسسات العامة، في أوقات السلم والاستقرار السياسي.

هنا تبرز القيمة الأخلاقية لمفهوم “التعارف” الديني، والتاريخي في الوقت نفسه: }يا أيها الذين آمنوا، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل، لتعارفوا ..{، إذًا التعارف غاية أخلاقية. هذا التعارف الذي قوامه المعرفة، بدلالاتها اللغوية والمفهومية، لا يكون إلا بالاعتراف المتبادل بحرية الضمير، ويقابله مفهوم التجاهل أو الإنكار والتنكر السائد بين العصبيات، وجذره تنكر لإنسانية الآخر المختلف وكرامته وجدارته واستحقاقه، وتنكر لإنسانية المرأة وكرامتها وجدارتها وأهليتها واستحقاقها، بالتلازم الضروري بين هذين الشكلين من أشكال التنكر والإنكار. هذا مما يجعل الاعتراف بإنسانية المرأة وكرامتها وجدارتها وأهليتها واستحقاقها ومساواتها بالرجل في الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المدخل الضروري للاعتراف بالآخر المختلف، وإلا كان الاعتراف هشًا والتعارف ملغَّمًا، وقد يكون مدخلًا إلى المكر والكيد للآخر أو وسيلة لاتقاء شره (من عرف لغة قوم أمن مكرهم).

الوطنية منظومة حريات فردية وخاصة وعامة، وحقوق مدنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، تقابلها التزامات قانونية، أو لا تكون. هي انتماء إلى دولة تصون الحرية بالقانون، وتحقق المساواة والعدالة، وتوفر الشروط المناسبة لحياة إنسانية لائقة، قوامها التواصل والثقة والتعاون والتشارك الحر. ومن ثم فإن انتهاك الحريات والتجاوز على الحقوق هدر لإنسانية المواطنات والمواطنين، وهدر للإنسانية، وهدر للوطنية والمواطنة وهدر للوطن، عاقبته ما نشهده من نمو العدم، وانبعاث النزعات العدمية، كالتطرف والإرهاب.

في ضوء ما تقدم، يمكن القول: إن الانتماء الجذري إلى الجماعة الإنسانية، أو إلى النوع الإنساني، حاكم، ويجب أن يكون حاكمًا على سائر الانتماءات الأخرى، بما فيها الانتماء الوطني أو القومي، وإلا كانت الوطنية أو القومية -ولا فرق- مجرد نزعة عنصرية. الإنسية أو الإنسانية جذر الوطنية ورافعتها. الهوية الوطنية أو القومية المنفتحة على المستقبل هي هوية إنسانية مبدأً ومآلًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق