سورية الآن

روحاني الرئيس الإيراني “المعتدل جدًا”

شهدت المنطقة العربية، خلال رئاسة محمد خاتمي، أوسع تدخل مفضوح وعلني ووقح لإيران، في أغلب الدول العربية شرق المتوسط، وطالت بعض تدخلاتها الخفية جنوبَ المتوسط وشمال إفريقيا، بل امتدّ هذا التدخل إلى دولة جنوب إفريقيا، حيث تعيش هناك طائفة تدين بالولاء لحكومة الملالي في طهران؛ مما جعل جنوب إفريقيا -الدولة التي عانت الكثير من الظلم والاستبداد- تقف إلى جانب نظام الطاغية في دمشق.

بطبيعة الحال، لا وزنَ لمنصب الرئاسة في إيران، بوجود الولي الفقيه الآمر الناهي باسم الله، في كل شؤون إيران الداخلية والخارجية، وهو الذي يتلقى تعليماته من المهدي المنتظر الذي التقاه ثلاثة عشر مرة، حسب شخصية إيرانية مقربة من الولي الفقيه.

ليس كافيًا أن نُطلق كلمة جمهورية حتى يصبح هذا البلد يعتمد النظام الجمهوري، ومن المضحك إطلاق لقب رئيس جمهورية على شخص ما حتى تكون البلاد تتخذ من النظام الجمهوري نظامًا لها، ففي دول مثل إيران والجزائر ولبنان وسورية لا نجد من النظام الجمهوري سوى الاسم -رئاسةً ومؤسسةً ونظامًا عامًا- لكن تبقى إيران المثال الأسوأ لما يُسمى بالجمهوريات في المنطقة.

الرئيس الإيراني حسن روحاني، بحلته الجديدة وحامل لواء الاعتدال، وبعد أن أصبح دعمه المالي والسياسي والميليشيوي علنيًا لعصابات الحوثي في اليمن وبعض المرتزقة في البحرين ونظام الإجرام في دمشق، ومحاولاته المفضوحة في كل من السعودية والكويت بإحداث الفتن الأهلية وضرب البنية الاجتماعية لكل البلدان العربية التي استطاع الوصول إليها، يقول في خطابه: إن عنوان المرحلة القادمة عدم التدخل في شؤون الجوار، ولكن بعد مضي دقيقة واحدة من هذه العبارة، عاد لينتقد نظام الحكم في السعودية مطالبًا بإجراء انتخابات، وكأن قاسم سليماني وميليشياته المجرمة نجحت بانتخابات عامة في جمهورية الملالي.

لست في معرض الدفاع عن نظام الحكم في السعودية أو أي نظام في المنطقة، ولكن قبل أن يتكلم الرئيس الإيراني في أنظمة الحكم، عليه أولًا أن يغيّر الدستور الإيراني الذي يدعو لتصدير ثورة الخميني. في مقدمة الدستور ما يلي:

– الـجـيـش الـعـقـائــدي: “يتركز الاهتمام في بناء القوات المسلحة للبلاد وتجهيزها، على جعل الإيمان والعقيدة أساسًا وقاعدة لذلك”. وهكذا يُصار إلى جعل بنية جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة، تقوم على أساس الهدف المذكور، ولا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أيضًا أعباء رسالتها الإلهية، وهي الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوكم وآخرين من دونهم”. إنه نص صريح واضح لا يقبل التأويل أو وجهات النظر، حيث يقع من صلب عمل الدولة الإيرانية الرسمية التدخل الخارجي والجهاد في سبيل (حاكمية القانون الإلهي في العالم) وليس في إيران فقط.
ومن أقوال الخميني في هذا الشأن:

– في بيان بمناسبة بدء السنة الإيرانية الجديدة، في نهاية مارس عام 1980، يقول الخميني: “علينا أن نسعى إلى تصدير ثورتنا إلى العالم، وأن نتخلى عن فكرة الامتناع عن تصدير الثورة… ينبغي أن نصفّي حساباتنا مع القوى العظمى والكبرى، وأن نبرهن لهم على أننا نتعامل مع المجتمع الدولي تعاملًا رساليا على الرغم من كل المعضلات التي نعاني منها”.

– في بيان صادر في 30 تموز/ يوليو 1988 نقرأ: “سـنعمل بكـلّ وجودنـا علـى الحدّ مـن ظاهرة الإتاوة وحصـانة المسـؤولین الأمیـركیین، وإن تطلّـب ذلـك نضـالًا مستمیتًا، ولا نسمح بترديد معزوفة الاستسلام والمساومة لأمیركا وروسـیا والكفـر والشـرك في الكعبة والحجّ، هذا المنبر العظیم الـذي ينبغـي لـه أن يوصـل نـداء المظلـومین للعـالم أجمـع، وأن يصـدح بنـداء التوحید. نسـأل الله أن يمـنّ علینـا بمثـل هذه القـدرة، لنـدقّ نـاقوس مـوت أمیركـا وروسـیا، لـیس مـن كعبـة المسلمین فحسب، بل من كنائس العالم”.

– في بيان صادر باسم الخميني، في 23 آذار/ مارس 1989 نقرأ أيضًا: “إن حكومـة الجمهورية الإسـلامیة مطالبـة ببـذل كـلّ مـا بوسعها لتلبیـة احتیاجات الجماهير على أحسن وجه؛ إلا أن ذلك لا يعني تخليها عن أهداف الثـورة العظیمـة المتمثلة فـي إقامـة حكومة الإسلام العالمية”.

– في تصريحات الجنرال قاسم سليماني الذي قال العام الماضي، في أثناء الاحتفال بذكرى الثورة الإيرانية: إن “مؤشرات تصدير الثورة الإسلامية باتت مشهودة في كل المنطقة؛ من البحرين إلى سورية واليمن وحتى شمال أفريقيا”.

وتنص المادة 60 من الدستور:

– يتولى رئيس الجمهورية والوزراء ممارسة السلطة التنفيذية، باستثناء الصلاحيات المخصصة للإمام القائد مباشرة بموجب الدستور. ومن خلال محاولة فهم الصلاحيات المخصصة للإمام القائد نجد أن هذه المهام تلغي كامل الدولة الإيرانية الرسمية، من رئيس وبرلمان وجيش ودستور حيث يتبع للقائد العام (الولي الفقيه) قوات “الباسيج” وهي جهاز أمن داخلي يعمل ضمن إيران، ومهمته مراقبة كل مفاصل الدولة وكل أفراد الشعب، ومرتبط ارتباطًا مباشرًا بمكتب الولي الفقيه؛ قوات الحرس الثوري وهي ذراع إيران الخارجية والمسؤولة عن إنشاء وتدريب وتمويل ميليشيات مسلحة خارج إيران، يكون ولاؤها المطلق للولي الفقيه حصريًا، وليس للدولة الإيرانية أو الرئيس الإيراني؛ فيلق القدس وهو ميليشيات مسلحة ومدربة يرأسها قاسم سليماني، تتولى التدخل المباشر في العمل العسكري خارج إيران، وغالبًا ما يكون لهذا الفيلق ممثلين مندبين في سفارات طهران في الخارج وتشرف على العمليات الإرهابية وإنشاء شبكات التجسس.

ومن خلال دراسة مواد الدستور الإيراني بدقه نجد أنفسنا أمام دولتين: الدولة الرسمية التي يرأسها الرئيس (المعتدل) روحاني والبرلمان شبه المُعين من المؤسسة الدينية كونه لا يُقبل ترشح أي مواطن من دون موافقه مجلس تشخيص مصلحة النظام، وهو بدوره أداة من أدوات الولي الفقيه، والثانية هي دولة الولي الفقيه التي يحميها الدستور الذي لا يطال الولي الفقيه بل يعتبره حاكمًا بأمر الله وباسم الإمام المُغيب. الدولة الفاعلة هي دولة الولي الفقيه، وتأخذ على عاتقها تصدير الثورة والسعي لإقامة (الحكومة العالمية العادلة).

بعد كل ما سبق، من أدلة دامغة لا تقبل الشك أو التأويل، لم يعد مهمًا إن كان الرئيس الإيراني معتدلًا أو متطرفًا، أما عن الاعتدال فقد قال أحد الظرفاء: في عهد الرئيس المعتدل يتباهى قادة إيران بالسيطرة على أربع عواصم عربية، فكيف سيكون الحال لو كان الرئيس متطرفًا؟.

مقالات ذات صلة

إغلاق