أبحاث ودراسات

حزب الله أو “داعش” الشيعي.. لماذا تفشل الدولة العربية؟

(المقال الحائز على المرتبة السابعة بـ “جائزة حسين العودات للصحافة العربية” لعام 2017).

“ومشروعنا، الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره، كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام”.

في بداية الأمر، ستظن أن هذه الكلمة منقولة عن أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الإسلامية”، المعروف أيضا باسم “داعش”، أو مقتبسة من إحدى الكلمات الحماسية لـ “منجنيق” التنظيم، والناطق الرسمي باسمه، أبي محمد العدناني، قبل مقتله العام الماضي.

وحتى لو شاهدت المقطع المصور الذي قطعت منه هذه الكلمة، لن يبتعد بك الظن كثيرًا، ذلك أن المقطع المصور باللونين الأبيض والأسود، يظهر شابا متحمسًا يشبه بمظهره وهيئته مظهر البغدادي في خطبته الشهيرة التي ألقاها بالموصل، بالعباءة والعمامة السوداء واللحية الطويلة، حتى تستمع لبقية الكلمة، وتميز اللكنة اللبنانية واللثغة، لتعلم أن صاحب هذه الكلمة ليس مدعي تمثيل السنة ومشرعهم في المنطقة؛ بل على النقيض تمامًا، إنه أحد أبرز الأعداء لهذا المشروع، ونقيضه تمامًا، فكرًا ومشروعًا، فهو الشاب حسن نصر الله، قبل أن يصبح الأمين العام لحزب الله، في ما يبدو أنه مؤتمر صحفي نهاية الثمانينيات.

يوضح نصر الله في كلمته نفسها معالم مشروع الحزب الذي كان قد تأسس حديثًا حينها، مؤكدًا أن هدفه ليس “جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية التي يحكمها الولي الفقيه الإمام الخميني”، الذي تمتد ولايته بامتداد المسلمين من دون حدود جغرافية، مؤكدًا بعبارات حماسية وقطعية ودينية أن هذا أمر “مقطعوع ومطمأن به”، ولو لم تعلن بالفم الملئ، لأنه “ليس من الطبيعي أن يقف آية الله مهدي كروبي

]أحد رجال الثورة الإيرانية [، ويقول إن حزب الله هم جماعتنا في لبنان، فهذا سياسيًا غير صحيح وإعلاميًا غير صحيح”، وقد خالفة، خلال الفترة نفسها، الناطق الرسمي باسم الحزب إبراهيم الأمين، في الخامس من آذار/ تموز 1987، بعبارته: “نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران”.

 

وبطبيعة الحال، ولأن الوعي السياسي والحكم السياسي يعتمد على الظاهرة والواقع، قبل التنظير والأفكار؛ فلا يمكن البناء بهذه العبارات والمواقف، وحدها، على طبيعة وبنية مشروع حزب الله، وإن كانت مؤشرًا قويًا ومختصرًا لطبيعته وبنيته. في المقابل؛ فإن الدراسة العملية الراهنة لمشروع حزب الله وبنيته تظهر بعدين اثنين أساسيين: التشابه والتناظر مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، ودور/ امتداد كل من الداعشين، السني والشيعي، في فشل الدولة العربية.

داعش الشيعي

لا يظهر التقاطع بين كل من حزب الله وتنظيم الدولة بالسعي لتأسيس دولة إسلامية فحسب، بل يتجاوزه إلى أكثر من ذلك بكثير.

فالبدء من “الكلمة”، من البعد النظري والرمزي؛ يظهر حجم الأيديولوجيا والبعد الديني في المشروع، حيث يحمل اسم “حزب الله” ما يحمل من تكثيف ديني وحضور عقائدي أيديولوجي، يتجاوز مجرد الدعاية والخطاب، إلى العقيدة والأفكار لدى المقاتلين، مدعومًا بهوية دينية عالية، تظهر في الهيئة المتمثلة بالعباءة واللباس، والمفردات المستخدمة، و”الأناشيد” العقائدية، التي لا تخلف كثيرًا عن اللطميات الشيعية، وإن كانت أكثر توجيها وحماسية سياسيًا وعسكريًا، أبرزها: اكتب نصرك في يبرود، يبدو شبيهًا لدى نظيره السني.

أما الامتدادات السياسة للمشروع الديني، والتي تؤسس وتعتمد على الطائفة والطائفة (كون الطائفة جماعة دينية بأهداف سياسية كما يسميها برهان غليون)؛ فهي امتدادات إمبراطورية لا تعترف بالحدود ولا بالدول الحديثة، تذكر بإصدار “كسر الحدود” ]بين سورية والعراق[ الشهير لتنظيم الدولة، وتنظر إلى الدول الموجودة فيها على أنها مجرد أدوات راهنه وخطوات مبدئية ضمن المشروع الكبير، وهو ما ظهر جليًا حين أتيح لحزب الله الخطوة الأولى لكسر هذه الحدود  ]بين سورية ولبنان[ وتدخل في سورية بكل ما يملكه، سياسيًا وعسكريًا، على الرغم من الكلفة الكبيرة التي يتحملها، كامتداد لمشروعه، وبالتالي لمشروع إيران، التي تسعى لخلق نماذج مشابهه على هيئة حزب الله نفسها، بأشكال مختلفة وبلدان مختلفة، في مشروع المليشيات الذي يسميه الباحث الأمريكي، المختص بشؤون المليشيات وحزب الله، فيليب سميث بـ “موكب حزب الله” [Hezbollah Calvcade].

ترك هذان البعدان المؤسسان (الدولة الإسلامية، والإمبراطورية)، في أفكار حزب الله ومشروعه أثرهما على الواقع، فلم يعد حزب الله، كما تنظيم الدولة، يعترفان بالدولة القائمة، وصاروا دويلات داخل هذه الدول، تقوم على حوكمة المجتمعات المحلية التي توجد فيها؛ فعلى الصعيد الاجتماعي؛ يتبني حزب الله الشيعة منذ طفولتهم، عبر “المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم”، و”مؤسسة الشهيد”، والتي تؤسس المدارس الشيعية التابعة للحزب، ويدعمهم اقتصاديًا وإغاثيًا عبر مؤسسات “هيئة دعم المقاومة الإسلامية”، وجمعية الإمداد الخيرية”، “جمعية القرض الحسن”، ويعالجهم ضمن مؤسسات “الهيئة الصحية الإسلامية”، إلى جانب المؤسسات الرياضية والإعلامية والثقافية التابعة للحزب في أماكن وجود الحزب، ضمن ما يسميه الباحث اللبناني” لبنان مجتمعًا إسلاميًا”، في كتابة الذي يحلل مشروع حزب الله في لبنان تمامًا كما يتبنى تنظيم الدولة أطفال المهاجرين والمجتمعات المحلية الذين يأخذهم بـ “أشبال الخلافة”، ويدعم هذه المجتمعات عبر دواوينه و ولايته، دون أي اعتبار للدول القائمة والموجودة.

ولأن هذا المشروع ينازع الدول القائمة على الوضع الراهن، وينتزع منها شرعيتها، فإن الأداة الأكبر والأوضح، والتي مثلت شرعية الحزب كما كانت قوة تنظيم الدولة، هي السلاح؛ حيث يفرض الحزب نفسه بالقوة، ويسعى لتثبيت وتأسيس مشروعه عسكريًا قبل أي وسيلة أخرى، اللهم إلا أنه اعترف بالدولة اللبنانية وقدم كتلة نيابية تشارك في البرلمان، بعكس التنظيم الذي لا يعترف بكل هذه البنى، ما يجعل وجوده أطول أمدًا وأشد خطورة وأكثر تأثيرًا في الحياة السياسية والدولة.

لماذا تفشل الدول العربية؟

تعرّف “الدولة” بحسب أكثر التعريفات تداولًا، وهو تعريف عالم السياسة الألماني ماكس فیبر، بأنها “تنظيم سياسي إجباري بحكومة مركزية تستطيع الحفاظ على احتكار العنف ضمن مساحة جغرافية محددة”، من خلال مؤسساتها البيروقراطية والقانونية والعسكرية والاقتصادية، في حين  يرى المنظر الإيطالي أنطونيو غراشي أن مساحة الفعل السياسي هي المجتمع المدني، حيث يتم تشكيل الهوية والنقاش الفكري والأيديولوجي والنشاط السياسي وبناء السيادة، مقابل مساحة مقارنة/ مقاربة أخرى حددها الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني یوجین ھابرماس وھي “المجال العام”، حیث یتم النقاش السیاسي وتشكيله وصوغه، تحت ظل الدولة القانوني والبيروقراطي، في حین استقرت فكرة الدولة الحديثة على أساس وجودها كمظلة جامعة لكل ما دونها، من الأحزاب والعائلات والطوائف والعشائر، باسم “المواطنة”، حیث يقف الجميع تحت دستور واحد یتم الاتفاق عليه.

في حالة كل من حزب لله، وتنظیم الدولة، انتقلت هذه الشرعيات والوظائف والبنى من الدولة المركزية إلى الدويلات ذات المشروع الإمبراطوري، بكسر احتكار الدولة للعنف، وتبني فئات محددة من المجتمع ضمن صفوفها، ما أفقد الدولة شرعيتها ومركزتيها، وحولها إلى طرف آخر ضمن مجموعة من الأطراف الأخرى. هذه الدويلات الصغيرة، والتي أصبحت أقوى وأكثر تأثيرًا من الدول الأساسية في بعض الأحيان، كانت في الوقت نفسه سببًا ونتيجة لتثبتت سياسات الاستبداد والطائفية والارتهان للخارج وعدم الاعتراف بالسياسة، واستندت عليها لتؤسس مشروعاتها وتثبت أنفسها وتحشد مقاتليها، حیث خرجت هذه الدويلات من رحم دول فاشلة لم تكن قادرة على القيام بدورها وحوكمتها، بل كانت اجتماعًا لمافيات وعصابات ومحسوبيات وطائفيات أخرى، فخلقت “فرانكنشتایناتھا” التي أكلتها.

البعد الآخر الذي ولد هذه المشاريع يكمن في سياسة الغرب تجاه المنطقة، فكما كان كل من احتياج بيروت، واحتلال العراق، هو الذي أنتج هذه المشاريع بالدرجة الأولى؛ فإن التعامل الذي تلا هذا الإنتاج كان سببا في تثبتها وحفظھا والتطبیع معھا، حیث لم يعد العالم یر اليوم سكاكين حزب لله واسلحته ومدرعاته الأمريكية في سورية، في حربه الكونية على “الإرهاب”، رغم أنه يعترف به “منظمة إرهابية” ، إذ يبدو اليوم متفرغا متفرغ لھویة واحدة من الإرهاب، هو “الإرهاب السني” ، ما یزید دوامة العنف وبتسبب باستمرارها داخل ھذه الدول الفاشلة الفاسدة، وأحيانًا يثبت خطابها وأیدیولجیتھا ويساعدها على التجنيد، حتى إشعار آخر.

مقالات ذات صلة

إغلاق