سورية الآن

جمهورية إسطنبول السورية

تجوب بنا السفينة التي من خشب، والتي هي مطعم رائق، في بحر إسطنبول، نحن السوريين، وأنا المندسّ بينهم، للاستمتاع بتناول العشاء في أجواء شامية، وإنْ من لزوم الجذب السياحي، تُرمى التحيات، وبلهجة القبضايات السورية، إلى كل الحاضرين، العراقيين والفلسطينيين والخليجيين وغيرهم. أنت هنا لست في إسطنبول تماما، وإنْ تنشغل عيناك أحيانا بالتفرّج على قصور ومآثر وعمائر، تزيّنها الأضواء فتظهر عتاقتها وحداثتها. أنت في مطعم شامي في سوق شعبي، دمشقي أو حلبي مثلا. الشباب في المطعم، المغنون الطربيون، والراقصون، والحكواتيون، يأخذونك إلى هناك، إلى شامهم، شامنا، الجريحة، النائية عن ناسها هؤلاء، عن مضيفينا، عن أصدقائنا الذين معنا، ومنهم نجم الدراما، عبد الحكيم قطيفان، الذي فرح الحضور بوجوده، فطوّقوه بكل الحب فيهم له وللشام، والتقطوا معه الصور، وابتهجوا به، فسُعدنا به. وفي الأثناء، كانت دعوات الجميع للجميع أن يكون اللقاء قريبا في الشام.
هذا المطعم السفينة، الشاميّ المذاق والإيقاع، المأهول بالحنين إلى البلد القريب، واحدٌ من تفاصيل مثيرة، متنوّعة، غنية، في ما صار في الوسع تسميتها “جمهورية إسطنبول السورية”، والتي صنعها النزوح واللجوء السوريّان إلى هنا. وأن تزور هذه المدينة الأوفر إدهاشا في الشرق، فيما يحيطك أصدقاؤك ومعارفك السوريون فيها بكل الرعاية، فذلك يعني أن الوقت لن يُسعفك لمعرفتها أكثر، والتجوّل في ساحاتها وميادينها وحواضرها ومآثرها التي بلا عدد. وكثيرا ما أمازح الأصدقاء هؤلاء بأن لي مصلحة شخصية في سقوط نظام بشار الأسد، فذلك يعيدهم إلى بلدهم، فلا أراهم هنا إذا زرت إسطنبول في الأثناء، ولا ألتقيهم، فيكون ميسورا أن أتعرّف على هذه المدينة التي اشتهاها العالم، على ما قال بيزنطيٌّ قديم عنها، على “جنّة المتعة” كما قال آخر عنها، على روحها الفريدة، وهي التي تزاوج بين الأنفاس السلطانية والنزوع إلى حداثةٍ خاصة، لا تقطع مع مشرقيتها التقليدية، ولا مع طابعها الإسلامي الذي يبدو خافيا وظاهرا في آن، وهي التي صار غير مشهورٍ عند سائحين مغرمين بها أنها القسطنطينية التي كانت يوما عاصمة العالم.
يحدث هنا، في جمهورية إسطنبول السورية، أن تمر في أحياء وشوارع، ولا تسمع فيها غير اللهجة السورية، بتنويعاتها. وفي الأسواق الشعبية الكثيرة، تصادف شبانا بائعين، في متاجر صغيرة، بارعين في تسويق البضائع، أيا كانت، حلوى تركية، أم زعفرانا، أم أقمشةً، أم أي شيء. تدهشك هذه “الشطارة” الشامية التي تدلّ على ولع بالحياة، وعلى إبداعٍ في التغلب على أيّ صعوبات فيها. أما عن محلات الحلويات الشامية، الحلبية والدمشقية، وكذا نظيرتها مطاعم الشاورما، فأنت قد تغشاها فضولا، أو لوازع سياحيّ ما، ولكن معرفةً ستطرأ لديك بشأن تغريبة السوري في مهاجره ومنافيه التي توزّعت في الأرض، بفضل النكبة التي أحدثها في بلده نظام الحكم الغاشم في دمشق، وكذا خفافيش الإرهاب التي نجمت جرّاء قيادته الحكيمة إياها.
يحدّثونك عن أكثر من 330 ألف سوري في إسطنبول، وقد لا يكون هذا العدد دقيقا، أنشأ 45000 منهم شركاتٍ ومصالح صغرى وكبرى، ومصانع نسيج وألبسة، عدا عن المطاعم، والعمل في التجارة والعقار. أما العموم، فيتوزعون في مهن عديدة، بين الأعمال الحرة، وفي قطاعات الخدمات، وفي الصحافة ووسائل الإعلام والفضائيات. ومعلوم أن إسطنبول موئلٌ، مريح كما يبدو، للسوريين ممن يزاولون النشاط المعارض في تشكيلاتٍ غير قليلة، وإذا كانت مطابخ المدينة تتوفّر على طبّاخين سوريين عديدين، يتقنون الطهي وفنونه، وكذا في صناعة السندويشات التي لا عدد لأنواعها، فإن مطابخ العمل السياسي السوري هنا تتوفّر على من هم أقلّ كفاءة و”شطارة” من أولئك في الأداء والفاعلية والتأثير، وفي مغالبة السياسة ومنازعاتها ومناوراتها.
كنا هناك، زملاء من “العربي الجديد”، لإشهار طبعتها في إسطنبول وتوزيعها في عموم تركيا. شَمَلنا مسؤولون وإعلاميون أتراك باهتمامٍ طيب بمشروع صحيفتنا ومنطوقها. ومن العرب هناك، احتفى بنا مثقفون مصريون. أما السوريون، فقد وجدنا أنفسنا جوّالين في جمهوريتهم الشاسعة، المحبّة لنا، وجدناهم يناصرونا باعتزازٍ كبير، فأفرحونا، وابتهجنا بهم، فردا فردا، في فضاءٍ متعدّد، متنوع، كانت سهرة العشاء تلك في المطعم السفينة الشامي واحدةً من مباهجه البديعة.
(*) كاتب أردني

مقالات ذات صلة

إغلاق