سورية الآن

ترامب في قمم الرياض

وفرت زيارة ترامب التاريخية للمملكة العربية السعودية، يومي العشرين والحادي والعشرين من شهر مايو الجاري، فترة انقطاع مرحباً بها عن قضايا وجدالات الداخل الأميركي، كما غيرت في الآن ذاته من رسالة ترامب إلى المجتمع الإسلامي بشأن الإرهاب.
ومن المؤكد أن العديد من التصريحات التي أدلى بها ترامب أمام التجمع الاستثنائي للقادة المسلمين في الرياض، كانت متسقة ومعتدلة بالقياس إلى تصريحات أخرى إبان حملة الانتخابات الرئاسية، تصريحات تحدثت في حينها عن تخاذل العالم الإسلامي في التصدي لظاهرة الإرهاب والتطرف.
وخلافاً لسلفيه المباشرين في الحكم؛ باراك أوباما وجورج دبليو بوش، لم يلقِ ترامب بتبعة تفاقم الأعمال الإرهابية الأخيرة، على السياسات الأميركية السابقة في التعامل مع قضايا المنطقة، أو على الافتقار إلى المؤسسات الديمقراطية في بعض الدول. خلال القمم الثلاث التي حضرها ترامب في الرياض، لم يقدم إجابات عن سُبل مواجهة الحركات المتطرفة في العالم الإسلامي، سوى استخدام القوة العسكرية. لكنه ركز على الحاجة للتعاون مع الحكومات لمحاربة تنظيم «داعش»، واعتبرها حرباً بين الخير والشر.
ومع ذلك، فقد وجّه ترامب انتقادات شديدة إلى إيران، الدولة التي قال إنها «تؤجج نيران الصراع الطائفي والإرهاب». لكن هذا التصريح يأتي في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة وإيران شريكتين في الحرب التي تخوضانها ضد «داعش» في العراق.
كما لوحظ أن ترامب لم يذكر أي شيء عن الدور الروسي في مساعدة نظام بشار الأسد في سوريا على قمع المواطنين السوريين، واستخدام الأسلحة الكيماوية، وأساليب القتل الجماعي ضد غير المقاتلين.
ومع ذلك، يمكن القول إن الزيارة كانت ناجحة لعدد من الأسباب؛ أولها أنها كانت للسعودية، على الرغم من أن الرؤساء الأميركيين الجدد اعتادوا غالباً القيام بزياراتهم الأولى إلى المكسيك أو كندا أو أوروبا. والسبب الثاني أن ترامب، وأعضاء الوفد المرافق له، لم يتطرقوا إلى أي شيء يتعلق بمسائل السياسة الداخلية، خلال الزيارة. والسبب الثالث أن الزيارة تضمنت الاتفاق رسمياً على عقد صفقات اقتصادية وتسليحية ضخمة، وهو ما يعكس ثقة إدارة ترامب في المؤسسات العسكرية في دول الخليج العربية.
وحتى الآن، فقد أبدت السياسة الخارجية لترامب اهتماماً خاصاً بالنقطة المتعلقة بعدم التشديد على وجهات النظر والمعايير الدولية بشأن قضايا السياسات الداخلية، وهو ما ظهر بوضوح في اجتماعات الرئيس الأميركي مع عدد من القادة.
وفي هذا الصدد، يتعين القول إن وجهة نظر ترامب في الشؤون الدولية، تختلف اختلافاً بيناً عن تلك الخاصة بمعظم الرؤساء الأميركيين السابقين. فمن المؤكد أنه ليس من المعجبين بالرئيس الأميركي وودرو ويلسون (1921-1931) الذي كان مصدر الإلهام وراء تأسيس عصبة الأمم، كما كان الرئيس الأكثر نيلاً للإعجاب في السنوات التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى مباشرة.
كما أن الرئيسين الأميركيين اللذين جاءا بعد ويلسون وهما «وارين هاردينج» (1923-19211)، و«كالفين كوليدج» (1929-1923) لم يكونا من أصحاب التوجه الدولي؛ وإن كان الرئيس «فرانكلين روزفلت» (1945-1923) حارب ما كان يعرف بـ«حركة أميركا الأولى»، وانحاز لجانب طرف من طرفي الحرب العالمية الثانية التي اندلعت عام 1939، حيث وقف إلى جانب فرنسا وبريطانيا. وعندما تدخلت الولايات المتحدة، في نهاية المطاف، في الحرب العالمية الثانية عام 1941، فإنها سرعان ما أصبحت «زعيمة التوجه الدولي» و«ترسانة الديمقراطية».
لا أحد يعرف كيف سيكون رد فعل ترامب، إذا ما أصبحت الصراعات في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط أكثر خطورة، وتنامت الدعوات للتدخل الأميركي من أجل حل تلك الصراعات. وكل من راقب ترامب خلال حملته الانتخابية، تفاجأ عندما رآه وهو يأمر بتنفيذ ضربة بصواريخ كروز ضد قاعدة الشعيرات الجوية السورية، في السابع من أبريل الماضي، بعد اتهامه لبشار الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد النساء والأطفال.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار القائمة الطويلة للفظائع التي ارتكبها النظام السوري، خلال السنوات الخمس الماضية، فسيتولد لدينا انطباع بأن ضربة صواريخ كروز كانت تستهدف توجيه إشارة لكل من روسيا وإدارة أوباما السابقة بعدم الاستهانة برغبة الإدارة الجديدة في استخدام القوة العسكرية الأميركية.
ومن الملاحظ أن سياسة ترامب الشرق أوسطية، من حيث الجوهر، تنطوي على إيمان عميق بأهمية استخدام القوة العسكرية، وهي تتبنى وجهة نظر متفائلة بشأن مدى السهولة التي يمكن بها حل الأزمات الإقليمية، بالاستناد إلى براعة مفاوض قوي ألّف كتاباً عنوانه «فن عقد الصفقات».

(*) كاتب أميركي

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق