مقالات الرأي

سورية ليست على طاولة البحث

إنّ تعقّد المصالح الإقليميّة، وغياب توافق أميركي روسي، وانعدام أيّ شكل للتواصل بين النظام والمعارضة، يُؤجل الحل السياسي. القمة الخليجيّة والعربية مع ترامب وارتفاع الكتلة المالية السعودية للاتفاقيات مع أميركا ربما ستُقدم مسألتين على المسألة السوريّة؛ وهما تجريد حزب الله من سلاحه عبر معركة إسرائيلية ضدّه، وإنهاء الحرب في اليمن، أي تقليص الوجود الإيراني في هذين البلدين، وبعدهما سيأتي دور سورية؛ وحينئذ تكون إيران قد أُضعفت كثيرًا، وحزب الله قد سحب ميليشياته من سورية.

الوضع السوريُّ حاليًّا أصبح مستقرًا، وفقًا لمذكرة للقوّة الروسية ومذكرة “خفض التوتر” والضمانة الروسية التركية بشكلٍ رئيس لها، وبالتالي العاصمة مُحميّة، وإدلب مُقيّدة، ودرعا بين كرٍّ وفرٍّ، وسيطرة أميركية وأردنيّة في حال خرجت عن سيطرة النظام. الحرب المتبقيّة في حلب وأريافها هامشيّة، وهي لتدوير الزوايا بين الدول الداعمة لأطراف النزاع. الرقة والبوكمال ودير الزور ستُحسم المسائل فيها قريبًا. ضمن هذا الإطار هناك جمود كبير في الوضع السوري، والنظام لم يعد في خطرٍ قط، ولم يعد للمعارضة أي دور ميداني. هذا يعني حينما تنتهي الملفات الإقليميّة المذكورة سيتم التوافق على الوضع السوري، وستُشكّل لاحقًا حكومة تخدم الأطراف الخارجيّة الفاعلة، وضمن صفقةٍ أميركيّة روسيّة، وبما يرضي الأطراف الإقليميّة.

السؤال هنا: هل ستقبل إيران بما ذكرنا أعلاه. طبعًا سيتقلص وجودها في العراق كذلك، ومشكلة إيران أنّه لم يعد أمامها خيارات إضافية للعب السياسي، ومحاولاتها الهيمنيّة من خلال الحشد الشعبي أو حزب الله أو الحوثيين كانت فاعلة في إطار سياسات أوباما الانكفائية، بينما الآن، بعد الصفقة المذكورة، وحضور المصالح الإسرائيليّة في إطار السياسات الروسية والأميركية، فإن دورها سيتقلص لا محالة. اللعب من خلال دولة الإمارات أو قطر مثلًا، وكونهما يُدوّرانِ الزوايا دائمًا ويفتحانِ خطوطًا للتواصل بين السعودية وإيران، فإن هذا بدوره سيتقلص إلى حدودٍ كبيرةٍ؛ إذًا إيران الآن معنيّة بأن تغيّر سياساتها الهيمنيّة على البلاد العربية، وربما تُساعدها الانتخابات الأخيرة وفوز روحاني مجدّدًا، على التعامل الواقعي مع الرفض العربي والإقليمي لمشروعاتها الطائفيّة والهيمنيّة. أقول ربما، فالمشكلة التي ستواجه إيران -وهي تعلم ذلك- أن قضاياها الداخليّة ستُطرح على طاولة النقاش المحلي، وسيكون السؤال: ماذا حقّقت إيران من جراء سياساتها الإقليميّة، والحصار الذي تتعرص له وبعثها للكراهية والصراعات الدينية في المنطقة؟!

غياب التوافق الأميركي الروسي، وتقدم المسائل المذكورة أعلاه، سيعني تبني روسيا منفردة لمشروع “خفض التوتر”، ومحاربتها مع الأميركان لـ (داعش) وستتمدد أميركا لحماية المناطق الكردية وحشر تركيا في مناطق معينة، وآخرها ستكون مدينة إدلب. المهمة الأخيرة، ربما ستؤدي إلى معارك مع “جبهة النصرة”، ولكنها بالتأكيد ستفكك النصرة، وتخفف الخطاب الجهادي لحركة أحرار الشام، وإنهاء السلطة الجهادية عن تلك المدينة؛ وبالتالي ستكون مرحلة جديدة، ربما تساهم في تأمين الاستقرار للمدن التي تسيطر عليها تركيا، ولكنها لن تكون مناطق “ديمقراطية”، أو توظف لمهمات ثوريّة لاحقة؛ فهي كانتونات تحت السيطرة التركية، بتوافق روسي وأميركي بشكل رئيسيٍّ.

النظام وإيران أمّنا محيط العاصمة، وسيُسوَّى وضع المنطقة الجنوبية ومخيم اليرموك والحجر الأسود قريبًا، وعلى الأغلب سيُسوّى وضع بقية المناطق في القلمون. المشكلة أن هذه الوقائع تساعد على الدفع نحو الحل السياسي، التعقيد هنا بغياب التوافق الأميركي الروسي بشكل رئيسي، وبالتالي لا حلّ قريب ممكن.

إدلب ودرعا، وكذلك مناطق السيطرة الكردية والغوطة الشرقية كلها معرضة للاقتتال الداخلي، فهناك حروب داخلية ستتم بين النصرة والفصائل؛ طبعًا ستكون الغلبة لبقية الفصائل وللدول التي ستدعمها كتركيا والأردن وسواها، هنا سنقول إن (النصرة) كما (داعش) ليس لها مكان في سورية. ووظيفتها بتخريب الثورة وتمكين الأطراف الإقليميّة وإنقاذ النظام السوري انتهت؛ فالثورة بالكاد هناك تمثيلات سياسية لها، وبقية الأطراف أنقذت وأُضعِفت وستخضع لأي شروط خارجيّة.

فشلت المعارضة -بكل تشكيلاتها- في التصدي للتدخل الإقليمي أو للرؤية الطائفية، وتلوّث كثير من الفاعليات الثورية بالتطييف، وكثير من قواها المستقلة هامشية بامتياز، وكثيرٌ منها أصبح في دول الجوار وأوروبا، وبالتالي هناك فراغ سياسي سوري كبير في المناطق الخارجة عن النظام أو في مناطق النظام. السؤال هل يمكن أن تنشأ معارضة جديدة؟ لن نناقش الأمر، على الرغم من الحسم بأن وجودها أكثر من ضرورة، وبغض النظر عن إمكانية ذلك في الوقت الراهن نظرًا للتعقد الموضوعي المانع لهذه الإمكانية.

هل هناك إمكانية لوقائع جديدة مخالفة لما ذكرناه أعلاه؟ هل يمكن أن نتفاجأ بوقائع جديدة؟ إن توضيحنا للوحة الوقائع يقول إن أي تغيير ممكن في إطارها لن يُغيّرها تغييرًا كبيرًا، وأيضًا لن تتغير وقائع المعارضة، وهناك صعوبات مانعة لإيجاد معارضة جديدة بديلة.

الوضع السوري إذًا في أسوأ حالاته؛ وعلى الرغم من ذلك هناك وقائع شبه ثابتة وستظهر لاحقًا مع الحل السياسي وهي:

  • تصفية أو خروج عدد كبير من قيادات النظام ومن المعارضة من المشهد السياسي.
  • تصفية عدد كبير من قيادات الفصائل العسكرية.
  • تبعية عدد كبير من السياسيين المعارضين للدول الخارجية، والأخطر أن تكون هناك كتل معارضة تابعة للخارج.
  • تشوشٌ كبيرٌ يتعلق بالهوية الوطنيّة، والعلاقات بين القوميات والطوائف والأديان.
  • انهيار اقتصادي كبير وبطالة واسعة، سيترافق ذلك مع مشروع اقتصادي يمكن الاستثمارات الخارجية والمشروعات الخدمية، وهذا يعني تهميش الزراعة والمزارعين وكذلك الصناعة، وهذه مشكلة كبرى.
  • التخوف من غياب كتلة سياسية وطنية، وبالتالي رهن سورية لاتفاقيات دولية وإقليمية، تُحكّمُ هذه الدول بالداخل السوري بكل مستوياته.

ما ذكرته أعلاه، يفرض على القوى الوطنية -مهما كان برنامجها- البحثَ عن مشتركات مع تياراتها، وعلى الرغم من معرفتنا لتعقّد تشكلها، وممكنات عملها في حال وجودها؛ فسورية في وضع خطر، وكل مشتركاتها التاريخية مفككة حاليًا، وتواجه طغاة محليين صغارًا، واحتلالات خارجيّة لدول عظمى ومحليّة، ولأنّ الأمر كذلك فإنّ أيّ وصفةٍ أو برنامجٍ بمفرده لن يحقق حلًا لأيّ مشكلة.

التاريخ لا يغلق أبدًا على وقائع بعينها، وهو قابل للتغيّر والتحوّل الدائم، والوقائع التي أصبحت مُكرّسة في سورية ليست نهاية المطاف، وهي متعلقة بوجود الصراع العسكري بالتحديد، وبالتالي هناك إمكانية للتغيّر حالما ينتهي هذا الصراع.

مقالات ذات صلة

إغلاق