ترجمات

نيو يورك تايمز: داخل الحرب الجوية على سورية: “لعبة البوكر” من ارتفاع عال

بالقرب من سد الطبقة على نهر الفرات، بعد أن استولى عليه المقاتلون السوريون، بمساعدة الدعم الجوي الأميركي، من مقاتلي “الدولة الإسلامية” هذا الشهر. رودي سعيد/ رويترز

كان الهدف من إطلاق صواريخ كروز الأميركية على قاعدةٍ جوية سورية، في الشهر الماضي، رسالةً فريدةً لثني الرئيس السوري بشار الأسد عن شنِّ هجومٍ كيماوي آخر.  ولكن في مركز القيادة عالي التقنية هنا، كانت التحديات التي يواجهها الفريق جيفري هاريجيان الذي يشرف على العمليات الجوية في الشرق الأوسط، قد بدأت للتو.

كان على الجنرال هاريجيان أنْ يحمي القوات الأميركية، والقوات المتحالفة معها من انتقامٍ محتمل من جانب الطائرات الحربية السورية، فضلًا عن استمرار الضربات الجوية على الرقة -معقل (داعش) في سورية- وحولها. وفي الوقت نفسه، كانت الدفاعات الجوية السورية، والروسية في حالة تأهبٍ قصوى؛ الأمر الذي يزيد من الخطر على طواقم الطائرات الأميركية، والمتحالفة معها في حملتهم ضد مقاتلي (داعش).

قال الجنرال هاريجيان، في مقابلةٍ مع الصحافيين: “إذا كان السوريون سيباغتون رجالنا، فإننا سنكون في وضعٍ يسمح لنا بالدفاع عن أنفسنا، كان القصد هو أن نكون في وضعٍ يسمح لنا بدعم رجالنا، والعودة إلى قتال (داعش)”.

بعض العمليات العسكرية الأكثر أهميةً وقعت على ارتفاع آلاف الأقدام فوق سورية، وكلها غير مرئية للجمهور الأميركي. أُتيح لمراسل صحيفة (نيويورك تايمز) إمكانية الوصول إلى مركز القيادة، وهو يقدم لمحةً نادرة عن الكيفية التي يخطط بها الجيش، وينفذ ضرباته تنفيذًا منظمًا، وعن المراقبة، والتزود بالوقود جوًا الذي يحافظ على استمرار الحرب على مدار الساعة.

قاعدة في الصحراء

لتوضح المبدأ “إذا جهزتها، فإنهم سيأتون”، فقد بنيت قاعدة (العيديد)، في منطقةٍ حارة جدًا في الصحراء، وتبعد نحو 20 ميلًا إلى الجنوب من الدوحة، عندما كان لدى قطر قوة جوية صغيرة لنفسها، ولكنها على استعدادٍ لإنفاق مليارات لبناء قاعدةٍ جوية يمكن أن تستخدمها قوةٌ عظمى صديقة في حالة نشوب أزمة. وبعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، بدأت إدارة بوش في وضع الطائرات الحربية الأميركية هنا لتنفيذ الضربات الجوية على أفغانستان، على الرغم من أنّ نشرها كان سريًا في البداية.

وواصلت قاعدة (العيديد) نموها من حيث الأهمية بفضلٍ جزئي للمملكة العربية السعودية التي أصبحت قلقةً بشأن استضافة الجيش الأميركي، بما في ذلك مركز العمليات الجوية الإقليمي. حيث نُقل إلى هنا عام 2003 من قاعدة الأمير سلطان الجوية، جنوب الرياض، بعد وقتٍ قصير من الغزو الأميركي للعراق.

 

جيفري هاريجيان -حين كان لواء- في مؤتمر صحفي في البنتاغون عام 2014. ساول لوب/ وكالة الصحافة الفرنسية –صور جيتي

واليوم، يشرف مركز القيادة بقيادة الولايات المتحدة في هذه القاعدة المؤّمنة بشدةٍ على العمليات الجوية في أفغانستان، والعراق، وسورية وغيرها من الأماكن الساخنة المحتملة في الشرق الأوسط. ويكتظ مركز العمليات الكهفي بضباط اتصالٍ من دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والاستخبارات العسكرية الأميركية، وخبراء الاستخبارات، والضباط الذين يخططون للمهمات، ويوجهونها.

التحدي في العمل في المجال الجوي المزدحم في سورية واضحٌ من نظرةٍ أولى على شاشة الفيديو الكبيرة داخل المركز الذي يتتبع الطائرات في جميع أنحاء المنطقة. حيث تتميز الطائرات الروسية، والسورية بأيقونات صفراء، وبرتقالية. بينما تُحدّد الطائرات الأميركية والحلفاء باللون الأخضر، والطائرات المدنية بالأزرق. وتستخدم المكالمات الهاتفية المنتظمة بين قاعدة (العيديد) والقاعدة الروسية في اللاذقية؛ لتجنب تضارب العمليات. (يتم استخدام حساب Gmail غير مصنف كنسخةٍ احتياطية).

ولكن في الوقت الذي كانت فيه المدمرات الأميركية في البحر الأبيض المتوسط ​​مستعدةً لإطلاق العشرات من صواريخ كروز، يوم 7 نيسان/ أبريل، على القاعدة الجوية السورية التي استُخدمت في هجوم غاز الأعصاب، كان من الواضح أنَّ مهمة الجنرال هاريجيان على وشك أنْ تصبح أكثر تعقيدًا.

الاختبار والتقييم

كان أحد الشواغل الكبيرة هو أنَّ يوفر سرب الطائرات الحربية الأميركية دعمًا جويًا وثيقًا للمقاتلين السوريين الذين يشتبكون مع مقاتلي “الدولة الإسلامية” قرب الرقة، عاصمتها بحكم الأمر الواقع، وسد الطبقة على مسافة 30 ميلًا. كانت الطائرة معرضةً لصواريخ أرض-جو السورية التي لم تعد الولايات المتحدة قادرةً على تجاهلها.

وقال الجنرال هاريجيان الذي يحب أنْ يصعد إلى قُمرة القيادة لطائرة من طراز F-22 وأن يلقي نظرةً مباشرة على العمليات في سورية، وعلى الهجوم العراقي على الموصل المدعوم من الأميركيين: “في الرقة، أنت تمامًا في قلب الدفاع الجوي المتكامل”.

وهناك خطرٌ آخر، وهو أنَّ القوات الجوية السورية قد تحاول الانتقام من خلال شنِّ غارةٍ جوية ضد القوات الأميركية أو المتحالفة معها، أو المقاتلين السوريين الذين يساعدونهم. وللتعامل مع التداعيات المحتملة، وضع الجنرال هاريجيان خطةً تدريجية تهدف إلى “اختبار وتقييم” ردات الفعل السورية والروسية. في حالة تمّ فيها تقليص حجم الثقة بين القوات المتنافسة، ستعود الطائرات الأميركية إلى الوراء، ثم تبدأ بالتدريج في اقتحام المجال الجوي السوري.

ما قلته للرجال: “أريد طريقةً متعمدةً لاستعادة قدرتنا على العمل هنا، علينا أن نفعل ذلك مع مرور الوقت”. ولمواصلة الضغط على “الدولة الإسلامية” (داعش) تمركزت الطائرات المسلحة بدون طيار في الرقة، وحولها. ولمنح الولايات المتحدة وسيلةً لاعتراض أيّ طائرةٍ سورية، تحاول ضرب القوات الأميركية، والقوات المتحالفة معها، أُمرت طائرات F-22 بالتحليق على مدار الساعة في شمال شرق سورية. على الرغم من أن F-22 هي، في المقام الأول، مقاتلةٌ جوية، ويمكن أنْ تحمل أيضًا قنابل من وزن 250 رطلًا، مما أعطاها القدرة على شنِّ ضرباتٍ جوية ضد (داعش) وهي تغامر نحو الجنوب، فقد تم تجهيز F-22 أيضًا بنظامٍ إلكتروني متقدم، للكشف عن الإشارات المنبعثة من رادارات العدو، والصواريخ أرض جو.

نزح المدنيون من الرقة من جراء الحرب الأهلية، إلى مخيم للاجئين في عين عيسى هذا الشهر. رودي سعيد /رويترز

إضافةً إلى قدرة الولايات المتحدة على مراقبة المجال الجوي السوري، تمركزت طائرة مراقبة أميركية “أواكس” على الحدود العراقية السورية، خارج نطاق نظام الدفاع الجوي سا-23 الذي نشره الروس.

لم يتحدّ السوريون ولا الروس طائرات  F-22أرسل الجنرال هاريجيان بعد ذلك طائرات F-15E إلى سورية، على الرغم من أنّه أشار إلى أنَّه كان حريصًا على وضعها “أبعد قليلًا إلى الشرق”. على الرغم من أنَّ الطائرات F-15E لم تكن مخفية، ويمكن أنْ تحمل قنابل أكبر مع صواريخ جو-جو، ويمكنها المناورة بسرعة شرقًا، إذا أصبحت مهددةً من قبل صواريخ أرض-جو السورية.

وقال الجنرال هاريجيان: “أردتُ التأكد من أنَّ لديّ طائراتٍ قادرة على الدفاع عن نفسها ضد صاروخ دفاع جوي متكامل يطلق عليها، وهو من نوع سام  SAMوفي كلّ الوقت، يجتمع الجنرال هاريجيان يوميًا مع مساعدين رئيسين، لاستعراض المعلومات الاستخبارية، وردات الفعل من الطواقم الجوية التي كانت قد قامت بمهماتٍ قبل أن تقرر مكان إدراج طائراتٍ أخرى.

وقال: “إنّها لعبة بوكر، أنا أخفيت ورقة، وهم أخفوا ورقة؛ وأجلس على رأس الطاولة، أقرر كل يوم عندما أذهب لأكلف الكابتن التالي بالذهاب أعمق قليلًا في رحلته”.

معركة على مدار الساعة

لكن بعض الخطط تبقى على اتصالٍ مع العدو، وهو في هذه الحالة “الدولة الإسلامية”. وكإجراءٍ وقائي ضد الانتقام السوري أو الروسي، سحبت الولايات المتحدة وحلفاؤها قوات العمليات الخاصة التي كانت تقوم بتدريب المقاتلين السوريين المحليين، وتقديم المشورة لهم قرب التنف، وهي بلدةٌ سورية قريبة من تقاطع الحدود السورية، والعراقية، والأردنية.

وزير الدفاع، جيم ماتيس (في الوسط) وصل الشهر الماضي إلى قاعدة العيديد الجوية بالقرب من الدوحة، قطر. تصوير جوناثان ارنست

وفي اليوم التالي للهجوم بصواريخ كروز، أكثر من عشرين مسلحًا من تنظيم “الدولة الإسلامية”، يرتدون بزّاتٍ عسكرية مماثلة لتلك التي يرتديها المقاتلون السوريون، هاجموا الثكنة مستخدمين الانتحاريين لخرق دفاعاتها.

كون مقاتلي “الدولة الإسلامية” ضمن الحدود، يُوضع الحذر جانبًا. بينما تتسابق الطائرات من طراز إف -18، وإف -15 أي إس، والقاذفة ب -52 إلى مكان الحادث.

وقال الجنرال هاريجيان: “نصبح خلال دقائق فوقهم”. بعد اشتباكاتٍ استمرت ساعات، تم توجيه المسلحين، وأصيب عدة مقاتلين سوريين، ولكن لم تقع أي إصابات أميركية أو بين الحلفاء.

 

إسكات العدو

في الأسابيع التي تلت ذلك، حافظ السوريون، والروس، والأميركيون على مراقبة قلقة لبعضهم البعض. وقال الجنرال هاريجيان عن الجيش السوري: “تقييمي هو أنّهم قلقون من وقوع ضربةٍ أخرى “لقد استخدموا راداراتهم أساسًا لمعرفة المكان الذي كنا فيه”. ومع عدم قيام السوريين، ولا الروس بتحركاتٍ تهديدية واضحة، أمر الجنرال هاريجيان بخطوةٍ إلى الأمام لإدخال طائرات أخرى إلى سورية، بما في ذلك الطائرات الهجومية من طراز  A-  10  وB-52، لكن القائد كان ما يزال محترسًا. وقال “إننا لن نعود إلى الوضع الطبيعي، ما زلت أراقبه كل يوم.”

تحوّلت تلك الكلمات إلى أنْ تكون تنبؤية، وفي يوم الخميس، توجه المقاتلون المدعومون من إيران الذين يدعمون الأسد إلى التنف، فأطلقت طائرات التحالف طلقاتٍ تحذيرية على قافلتهم، ولكنها فشلت في ثنيهم عن مهمتهم، وأخيرًا ضربتهم الطائرة، ودمرت عدة دبابات. وفي اليوم نفسه، تم طرد طائرة سورية من طراز سو-22 كانت تحلق في المنطقة، من قبل قادة الطائرات الأميركية من طراز F-22، لكنهم لم يطلقوا النار عليها. بقي الوضع قرب التنف هادئًا منذ ذلك الحين، ولكن لا أحد متأكدٌ كم سيدوم ذلك الهدوء.

 

اسم المقالة الأصلي Inside the Air War Over Syria: A High Altitude ‘Poker Game’
الكاتب مايكل غوردون، Michael Gordon
مكان وتاريخ النشر نيو يورك تايمز، The New York Times، 23/05/2017
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2017/05/23/us/politics/air-war-syria.html?_r=0
المترجم أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق