أبحاث ودراسات

حزب الله وغياب الدولة

(المقال الحائز على المرتبة الخامسة بـ “جائزة حسين العودات للصحافة العربية” لعام 2017).

لا شك في أن للموضوع علاقةٌ وثيقةٌ بأمرين: هما أحوال النشأة وملابساتها أولًا، والأهداف والغايات التي من أجلها كان تأسيس “المقاومة الإسلامية في لبنان” المعروفة باسم: حزب الله، ثانيًا.

في الحديث عن النشأة، ناقش كثيرون الطريقة التي أنشئ بها الحزب عام 1982، بانشقاق مجموعة من الأطر (الكادرات) والمقاتلين من صفوف أفواج المقاومة اللبنانية (حركة أمل)، بعد خلافات داخلية على خلفية حدوث تمايز سياسي في الحركة الشيعية بين خطين: أحدهما مرتبط أكثر بالنظام السوري، يقوده نبيه بري، والآخر يحمل رؤى سياسية وأيديولوجية أكثر تشددًا، مدعوم دعمًا أكبرٍ من النظام الإيراني، تقوده مجموعة من رجال الدين الشباب الذين تلقوا تعليمهم في حوزات النجف وقم، وعلى رأسهم عباس الموسوي وراغب حرب وحسن نصر الله.

على أن ما يفوق في أهميته طريقة التأسيس هي الأوضاع التي رافقته، ذلك أن حزب الله ظهر إلى الوجود في وقتٍ كانت فيه الدولة مفككةً ومنعدمةً، وكان الوجود الأول والاستمرارية التالية بالسلاح والعنف؛ لذلك، سيكون هناك تلازمٌ دائمٌ بين وجود الحزب واعتماده السلاح والعنف نهجًا أساسًا لشن الحروب، والاعتداءات المحلية والإقليمية، وبين انعدام وجود الدولة في لبنان.

أما غايات التأسيس، فكانت نقيض معظم البيانات والتصريحات الرسمية، فالحزب لم يُنشأ ليكون حركةً محليةً عاديةً، تشارك في الحياة السياسية والعامة في لبنان، وذلك راجع إلى العاملين السابقين، أي: كون الحزب قد أنشئ بدفعٍ خارجيٍ من النظامين: الإيراني والسوري، (مع ملاحظة أنهما نظامان سياسيان طائفيان أقلويان؛ ما جعله امتدادًا سياسيًا وطائفيًا لهما)، وكون الوسيلة التي أنشئ بها ومن أجلها الحزب هي العنف.

يُعرف عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” الدولة بأنها “كيانٌ سياسيٌ يستطيع أن يتحكم في الاستخدام المشروع للعنف، في إطارٍ جغرافيٍ معينٍ، على مجموعةٍ معينةٍ من الأفراد”.

و”العنف المشروع” هو استخدام القوة من الدولة ومؤسساتها الرسمية حصرًا، شرط أن يكون استخدامها محكومًا بالقانون، هذا يعني أن أي عنفٍ أو استخدام للسلاح يُمارس وطنيًا من أي جهةٍ أخرى غير الدولة، هو عنفٌ غير مشروعٍ، وأكثر من ذلك؛ فالدولة التي توجد فيها جهاتٌ غيرها تحوز السلاح، وتستخدمه، هي دولة منعدمة، أو إنها في الحد الأدنى في طريقها إلى الانهيار، على حد تعبير “ماكس فيبر”؛ ووصف الدولة المنعدمة، أو الـ “لا دولة”، هو ما ينطبق على لبنان خصوصًا، منذ استثناء حزب الله من قرار نزع السلاح الذي فُرض على جميع المليشيات اللبنانية بعد انتهاء الحرب الأهلية، وغض الطرف عن بقائه محتفظًا بترسانات السلاح غير الشرعي، وهذا بالضبط ما قاد لبنان إلى تلك النتيجة المتمثلة بمصادرة وجود الدولة لمصلحة وجود حزب الله، وبقائه.

والواقع أن حزب الله، بحسب طبيعته والغاية من وجوده، لا يستطيع الاستمرار في أداء مهماته، إلا في ظل غياب الدولة، أو انهيارها، فالمهمات السياسية والأمنية الموكولة إليه سيكون من شبه المستحيل تنفيذها في ظل وجود الدولة؛ فوجود دولة القانون عائقٌ أمام وجود المليشيات المسلحة، ولعل من المفيد أن نُذَكِّر -هنا- أن سلوك الحزب تجاه الدولة في لبنان ليس جديدًا، فالأمين العام الأول لحزب الله، صبحي الطفيلي، عُزل من منصبه عام 1991؛ بسبب إعلانه التمرد “المدني” على الدولة اللبنانية، وإن كنا نرى -أيضًا- أن لسلوك الحزب علاقة -ربما- بموروثٍ اجتماعيٍ  سياسيٍ قديمٍ لدى قسمٍ من الشيعة اللبنانيين، ويرتبط بموقفٍ سلبيٍ من الدولة في لبنان، فلا شك في أن كثيرين منهم، ولا سيما في المرحلة السابقة على الحرب الأهلية عام 1975، كانت لهم اعتراضات “مشروعة”، و”محقة” على الصيغة الثنائية المارونيةــ السنية المنبثقة من وثيقة الوفاق الوطني عام 1943؛ ذلك أن ما عُرف بـ “الجمهورية الأولى” “أجحفت” في الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لـ ‘‘الشيعة’’، وأهملت إنماء مناطقهم وبلداتهم، ولا سيما في الجنوب والبقاع، وهو ما عُدَّ سببًا من أسباب اندلاع الحرب الأهلية، كما كان دافعًا لتأسيس حركة “أمل المحرومين”، وانشقاق الحزب -لاحقًا- عنها.

لكن حزب الله سارع بعد انتهاء الحرب الأهلية إلى استغلال الإجحاف الرسمي، في مواجهة “الجمهورية الثانية”، وعمل لتكريسه وتحقيق أجنداته؛ ما سيساعده في تقديم نفسه، بصفته “أم الصبي”، والحزب “السياسي” المُعَارِض للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة، في الوقت الذي توزع فيه مؤسسات “الحزب” الخدمية والاجتماعية المساعدات المادية، والعينية، وتقديم بعض الخدمات إلى أهل القرى والمناطق الشيعية المحرومة، أي: عمليات شراء الذمم والولاءات؛ ما يكفل للحزب حشد الدعم، وزيادة الأنصار المستعدين لتأييد سياساته، والانخراط في مشروعاته؛ وهذا ما يقودنا إلى استنتاجٍ ضروري، مفاده أن حزب الله ليست له مصلحة فعلية في معارضة السياسات الحكومية، وإنما كان يعتمد الخداع والإيهام، في حين أنه كان يستهدف في الواقع معارضة الدولة ذاتها، ولعل من المفيد في هذا السياق -أيضًا- التذكير بأن “حزب الله” لم يتخذ مواقف جدية تجاه السياسيات والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية الحكومية، وقد كان يستطيع ذلك إن أراد، فلطالما امتنع من المشاركة في الحكومات المتعاقبة حتى عام 2005، والأهم أنه لطالما غض الطرف عن عمليات الهدر والفساد الهائلين اللذين استشريا في كلٍ من مجلسي “الإنماء والإعمار”، و”الجنوب” الحكوميين اللذين تولى إدارتهما شركاؤه في حركة أمل.

تأسيسًا على كل ما سبق، نجد أن لا مجال للاستغراب من مشاركة حزب الله في القتال ضد الشعب السوري، طالما أنه ينفذ عملًا يندرج ضمن الأهداف والغايات التي أُنشئ لتنفيذها أساسًا، في حين أن ما يجب أن يكون مستهجنًا جدًا، ومثيرًا للسخرية، التصريحات التي صدرت -مثلًا- عن الرئيس اللبناني ميشال عون: “إن أي محاولة إسرائيلية للنيل من السيادة اللبنانية ستجد الرد المناسب”.

فكلام الرئيس الذي جاء به الحزب، بعد سنواتٍ من فرضه الفراغ الدستوري على لبنان، يتضمن إشارتين متناقضتين: الأولى أن الدولة المنعدمة ليست لها سيادة، والثانية: أن الرد الذي توعد به عون لن يكون من الجيش اللبناني، بالتأكيد؛ لأنه لا يستطيع ذلك، وإنما سيكون إن تحقق ردًا من الحزب، وهذا ما يجعل تصريح الرئيس عون، يمثل أكبر خرقٍ للسيادة الوطنية، إن كانت موجودة أصلًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق