هموم ثقافية

حين يكون الإرهاب سؤالًا

منذ الحادي عشر من أيلول عام 2001، يوم تفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك، والعالم الغربي يشير إلى ثقافة الإرهاب بوصفها إسلامية محضة. لكنه، قبل هذا الحدث الاستثنائي، كان قد سار على طريق شيطنة الإسلام ثقافة وحضارة، بعد انهيار جدار برلين، ومن ورائه ما كان يسمى الكتلة الاشتراكية، الذي أدى إلى انتهاء الحرب الباردة بين العالمين، الرأسمالي والاشتراكي، لكي تبدأ حربٌ جديدة نَظَّرَ لها منذ عام 1993 صموئيل هنتنغتون في مقالته التي نشرها وحملت آنئذ عنوان كتابه القادم صراع الحضارات الذي صدر عام 1996.

كتب هذا التنظير في لحظة كان الغرب خلالها يعيش نشوة الانتصار التاريخي، في نهاية حربه الباردة مع الاتحاد السوفياتي التي بدأت غداة الحرب العالمية الثانية. وما كان لأحد أن يتوقع أن الخصم/ العدو القادم للغرب سوف يكون “الإسلام” ثقافة وحضارة، في حين أن من كانوا ينتمون إليه هم أنفسهم من جنّدتهم وسلحتهم ثم استخدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية ضد قوات الاتحاد السوفياتي في أفغانستان.

وكأنما جاء حدث 11 أيلول كي يثبت نظرية الصراع هذه. أو هذا ما بدا على الأقل لكثير من الكتاب والمفكرين والمحللين الذين كانوا يتناوبون على منصات الندوات في الجامعات ومراكز البحث، وعلى صفحات الصحف أو في برامج الوسائل السمعية البصرية، ولا سيّما منهم من بات بين ليلة وضحاها خبيرًا بالإسلام أو بالإرهاب أو باستراتيجيات الجماعات الإرهابية الإسلامية. وكان هؤلاء من التأثير بحيث أقبل عامة الناس في الغرب على قراءة كل ما يمت إلى الإسلام بصلة. لا بل إن الترجمات الإنكليزية والفرنسية للقرآن سجلت في السنة التي تلت ذلك اليوم أكبر رقم مبيعات في البلدان الغربية!

هكذا أعلنت الحرب رسميًا على الإرهاب في أفغانستان ثم في العراق، أما اعتماد الإسلام توصيفًا له، فقد ترك أمر القيام به إلى وسائل الإعلام التي لم تكن على اختلافها بحاجة إلى تكليف رسمي من أجل ذلك.

وحين خرج -بطبيعة الحال- عددٌ من كبار المفكرين الأوروبيين في تحليلاتهم وكتاباتهم عن الخط العام للخطاب الرسمي، السياسي والإعلامي، بما في ذلك خط بعض زملائهم الأمريكيين، سرعان ما اتهموا لا بتجاهل الوقائع، أو “بحجب الطبيعة الدينية للإرهاب بصورة شبه كاملة” فحسب، بل بلغ الأمر بأحدهم أن يتحدث عما سمّاه “عمى الفلاسفة”! وكان من انصبَّ عليهم النقد على هذا النحو من جهة، جاك دريدا ويورغن هابرماس، في حوارهما بنيويورك خلال شهري تشرين الأول وكانون الأول 2001 الذي أدارته جيوفانا بورّادوري، والذي نشر عام 2004 تحت عنوان: “مفهوم” 11 أيلول”، ومن جهة أخرى، جان بودريار الذي كان قد كتب سلسلة من المقالات بين 2002 و2004 حول حدث 11 أيلول، نشرت في الصحافة أولًا، ثم ضمن كتيّبات، تُرجمت جميعها إلى العربية، تحت العنوان الذي حمله أول مقال في هذه السلسلة: “روح الإرهاب”، ونُشرت بالقاهرة في كتاب جامع عام 2005.

وشأن كل ذي بصيرة، لم يكتف جميعهم، في تحليلهم للحدث، بما تستدعيه الأوصاف الخارجية من إحالات سريعة تعتمد جنسية الإرهابيين، أو دينهم، أو خطاباتهم؛ بل قدم كل منهم، على طريقته، وجهة نظره ورؤيته للحدث، متجاوزًا فرقعات الصحافيين الإعلامية وخطابات السياسيين الشعبوية، عبر تحليل جاد، متماسك مفهوميًا ومنطقيًا. وربما كان القاسم المشترك في خطاباتهم أن أحدًا منهم لم يكن يرى أيَّ ارتباط عضوي بين الإرهاب والإسلام. لا بل إن جان بودريار يقول صراحة: “وحقيقة أن نكون قد حلمنا بهذا الحدث، وأن يكون كل الناس دون استثناء قد حلم به، لأنه لا يمكن لأحد ألا يحلم بتدمير أيّ قوة صارت على هذه الدرجة من الهيمنة، ذلك أمر غير مقبول في نظر الضمير الأخلاقي الغربي، لكنه مع ذلك أمر واقع يتساوى على وجه الدقة، مع عنف كل الخطابات المثيرة للشفقة التي تريد أن تمحوه. وبمعنى ما، هُمُ الذين فعلوه، لكننا نحن الذين أردناه”. ذلك أن المشكلة في تحليله تتجسد في هذا الواقع الماثل أمام الجميع: هذا التضخم الهائل للقوة الذي كان البرجان يمثلانه، ومن ثم فإنه “بصورة منطقية جدًا وبصورة حتمية يستثير الإرادة لتحطيمها”، ولا سيما أن “الطاقة التي يغذيها الإرهاب لا يمكن لأي قضية، حتى لو كانت إسلامية، أن تفسرها”. ومن ثم، لم يكن الحدث “صدمة حضارات ولا صدمة أديان، كما أنه يتجاوز الإسلام وأميركا اللذين نحاول تركيز الصراع بينهما، كي ما نمنح أنفسنا وهمَ صراعٍ مرئي وحلٍّ يتم بالقوة. إنها فعلًا خصومة أساسية، لكنها تشير عبر شبح أميركا (التي ربما هي المركز الأساس لكنها ليست تجسيد العولمة وحدها) وعبر شبح الإسلام (الذي هو الآخر ليس تجسيد الإرهاب)، إلى العولمة المنتصرة في صراعها مع ذاتها. بهذا المعنى، يسعنا الحديث عن حرب عالمية، ليست هي الثالثة بل الرابعة والوحيدة التي تستحق فعلًا صفة العالمية”. هذه الحرب “تلازم كل نظام عالمي، كلَّ سيطرة مهيمنة. ولو كان الإسلام يسيطر على العالم لوقف الإرهاب ضد الإسلام”!

وحتى على صعيد مختلف في التحليل، وفي تحديد الأسباب الرئيسة فيه، يستبعد هابرماس الدّين بوصفه مصدرًا للإرهاب، حين يقول: “إذا كانت الأصولية الجهادية تلجأ في طرق تعبيرها إلى رمز ديني، فإنها ليست دينًا في شيء؛ إذ بوسعها اللجوء بدلًا عن اللغة الدينية التي تستخدمها إلى أيّ لغة دينية أخرى، بل إلى أيّ أيديولوجية تَعِدُ بعدالة الخلاص”.

لكن استبعاد العامل الديني، وبالتالي “الإسلام”، في تحليل الإرهاب من قبل الفلاسفة الأوروبيين لا يجد صدًى له لدى فيلسوف أميركي، مايكل وولزر، مؤلف كتاب الحروب العادلة والظالمة الذي يرى، على العكس منهم، أن سبب هذه “الحرب” التي يخوضها الإرهابيون ديني أساسًا، (وبالتالي الإسلام بطبيعة الحال!)، ومن ثمَّ فإن من “الحماقة الأيديولوجية لوم الغرب على فظائع الحرب الدينية. (…) ففي كل بلد غزوناه كانت هناك قوى اجتماعية يسعها الانضمام إلى الديمقراطيين والليبراليين العلمانيين، وكان بوسعها النجاح لولا هذه العودة (غير المتوقعة) للدين”.

الدين؟ ولكن، هل هي عودة للدين فعلًا؟ أم أننا إزاء استخدام للدين سببًا وأداة؟ وهل هي حرب دينية فعلًا بين “السنة” و “الشيعة” تلك الجارية الآن، ويُراد لنا أن نراها اليوم على أنها كذلك، أم هي حرب ظاهرها الدين وباطنها السياسة والاقتصاد والمطامح القومية؟ وفيما وراء الجماعات التي تمارس الإرهاب في أشكاله المختلفة، من هم الذين يوظفونها والذين يستخدمون ما تنجزه على هذا الصعيد، في مواعيد وأماكن حافلة بالدلالات لكل من يحاول القراءة المتأنية؟

تحمل التطورات التي شهدها تصنيع “الإرهاب” منذ عام 2011، أي منذ انطلاق الحركات الثورية في العالم العربي، على طرح هذه الأسئلة الملحّة الأخيرة. قد تفتح إجابات جان بودريار ويورغن هابرماس إمكانات إجابات تتجاوز، بكل تأكيد، الصراخَ الإعلامي في الغرب ومراميه، ولا تقلّ إلحاحًا عن الأسئلة التي تستدعيها..

 

مقالات ذات صلة

إغلاق