أدب وفنون

جمال الأدب، وحكمة الفكر

يدخل ريبر هبون، في مغامرته الثانية المسماة “أطياف ورؤى”، غمار الحياة: فلسفة وأدبًا وسياسة ومجتمعًا.. بتأمل أكثر عمقًا وحساسية، على الرغم من أن مواد كتابه الجديد ليست حديثة العهد؛ إذ تعود إلى سنيِّ شبابه الأول، أيْ إلى حيث مجاهدة الفتى لاستشفاف كنه العالم من حوله، عبر وعي يتكوَّن مبكرًا، وبمسبار يغوص في المدى البعيد، ليكتشف أنَّ هذه الدنيا تسيِّرها مصالح الأقوياء ظلمًا واستعبادًا! بعد أن يكون قد نزع عن وجه الحياة قناعًا أسدله عليه “ذكاء” شرير، وخبث بشري تطعّم بألوان الأيديولوجيا، تسويغًا لابتلاع القهر، وإغماضًا للعين عن إسالة الدماء!

يخوض ريبر، برهافة الشباب وانفعالاته، عالم الطبيعة بتنوعها وغرابتها ودهشتها، بأشيائها وأرواحها، بإنسانها الذي يأتلف ويختلف، ببحثه الدؤوب، لا عن فهم طبائع النفس البشرية فحسب، بل عن إيجاد مكان له في هذا الكون المترامي إلى ما لانهاية، والمضطرب إلى درجة الرعب، والمتشكك حدَّ فقدان الثقة بحقيقة ما يتغنى به الإنسان من قيم وجمال! يتطلع ريبر إلى مكان يريحه مما يعتري خافقه المرتجف من قلق ومعاناة، قلق يأتي من الإنسان لا من غيره! يتولَّد من تناقض القول والفعل، من براعم خير وجمال، تسحقها أنا الفرد القاتلة؛ فتنسحق معها روح الكاتب الذاهبة -في براءتها- إلى ترسيخ قيم إنسانية أصيلة.. ومواطن للجمال، يأتي بهما فن الأدب الراقي، وعبر امرأة “هي الدنيا”: “أبحث عن ذاتي فيك في عينيك أبحث فيهما عن وطن..!

 كل الخرائط وهمية! والجغرافيا أكثر رعبًا وسرابًا. عيناك كوكبي الذي لا يزول من بين الكواكب، ولا تصطدم به المجرات”.

المرأة هي الأكثر حضورًا في نصوص الفتى ريبر، وهذا الأمر طبيعي، فمن لديه القدرة على إعطاء تصور جميل، وأحلام مريحة عن الحياة غير المرأة:

 “لمن يدرك لوعة الشجن ساعة مغيب الشمس، أكتب له هذا المساء، لمن يدرك آهة الحب في لحظات متأخرة، أدعوه إلى فنجان من الندم الخفيف، لمن تدرك أنها في المكان غير المناسب والزمان غير المتفائل، لترقص وحدها قليلًا في قاعة الانتظار ببيتها، ولتحتفظ ببكارة قلبها قدر الإمكان حتى آتي بلباس فكرة خلاصٍ بذهنها!”

وإذا كان حضور المرأة طاغيًا ومتساوقًا مع سني الشباب الأول، فإن الوطن غير غائب أبدًا وكيف يغيب وهو الغارق منذ ست سنوات بالدم والخراب، الوطن الذي ما غادره إلا مكرهًا غارقًا بالأوجاع والأحزان:

“العالم شتاء طويل.. شتاء روسي الصنع.. يدكُّ شوارع مخيم اليرموك من جذوره، وحتى نهاية أطرافه.. وطائر الحنين مسلوخ، منذ أن انتعل قفاز حنينه المثقوب، وخرج في جنازة السوريين، ممزقًا معطفه الرمادي غضبًا حتى الجنون وسط برد وثلج معتوهَيْن، العالم درب مليء بحواجز لأمراء الحرب، والرجوع إلى الوطن هو اللغز غير المعلن..”

نصوص ريبر هي هذه الكيمياء العجيبة التي تمزج بين الإنسان وعلاقاته، سواء في تجلياتها الجمالية حبًا وتآلفًا، أو في تنافرها كراهية واقتتالًا مرعبًا.. بين جمال الإنسان وجمال الطبيعة.. بين الذكر والأنثى -حدَّي الحياة-، إنها كيمياء الحياة.. مزيجها الطبيعي الساحر الذي يأتي بأدب عفوي على غير مثال.. أدب لا يشاغل المشاعر أو يثير العواطف فحسب؛ بل إنه أدب يدعو العقل إلى اتخاذ موقف ما.. أدب يذكر بأعلام المدرسة الرومنتيكية.

وإذا كان الكاتب، في نصوصه الطويلة نسبيًا، قد كان متدفقًا على نحو عفوي، معبرًا عن صخب ذهنه الفكري، وجيشان روحه العاطفي، فإن بعض نصوصه التي جاءت تحت عنوان “نصوص قصيرة جدًا” تكثِّف فكرة واحدة على نحو تأملي هادئ:

“قالت له:

وحدهم الصغار وأشباه الرجال يعتقدون أن البحر بحاجة إلى قطرة ماء. لم يجب، أكمل طريقه، وهو يضحك، وقفت خلفه، وهي صامتة كتمثال!”

أما النصف الثاني من الكتاب فقد خصصه الكاتب لقراءاته النقدية، بدءًا بكتاب الأمير لميكيافلي، وانتهاء بحفنة من الشعراء والكتاب المعاصرين، محاولًا الدخول إلى عوالمهم الفكرية وأساليبهم الفنية، ربما في ضوء نظريته في الوجود والمعرفة. وكما في كتابه الأول، فإنَّ القضية الكردية، لا تغيب عن عالمه الفكري، فهي جزء رئيس من هواجسه المقلقة! إذ لا يكتفي هذه المرة بالإشارة إلى كوباني أو قامشلو، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فتراه يخوض في الفكر النقدي البناء على صعيدي السياسة والمجتمع، للقائد المعرفي (كما يسميه) الملا مصطفى البارزاني. وإذا كان الكتاب قد جمع نثرات من هنا وهناك في عصرٍ، يميل إلى التخصص، فقد كتب في مرحلة الشباب الأول -كما أسلفت- إذ يكون ميل المرء إلى رؤية كلية للأشياء.

لا أريد الاستشهاد أكثر بما ورد في “أطياف ورؤى” من أفكار مرمَّزة صيغت بعفوية، ربما احتاجت إلى نوع من السلاسة الأسلوبية، لكنَّ الازدحام والسرعة قد فوتا على الكاتب ذلك الأمر. ازدحام الذهن، وسرعة التخفيف عنه مما يثقله، ويلح عليه بالإعلان عن رؤيته المعرفية التي يلهج بمفهومها دائمًا، مقرنًا إياها بالوجود والحب، وسيلته إلى ذلك عقل مفكر وحساسية مفرطة، ورغبة عارمة في الوصول إلى كل ما هو جميل لائق بحياة الإنسان.

وأخيرًا أقول:

إنَّ ما يهم القارئ هو متعة المعرفة وتذوق الأدب، وهما متوفران، لكنهما يحتاجان إلى قليل من الجهد للدخول إلى عالم ريبر، واكتشاف ألوان الجمال، وحكمة الفكر.

مقالات ذات صلة

إغلاق