تحقيقات وتقارير سياسية

مصير المناطق التي يُسيطر عليها تنظيم (داعش)

تتواتر الأنباء عن اقتراب “حرب تحرير” الرقة والمنطقة الشرقية من (داعش)، وتفيد المعلومات أن التجهيزات متواصلة للبدء بالعملية التي يُفترض أن تستمر حتى إنهاء الوجود الداعشي نهائيًا، والقضاء على الإرهاب هناك، كما يصرّح الرئيس الأميركي ترامب. وأيضًا عدد من الدول التي أعلنت أنها ستسهم في الجهد الحربي، بينما ما يزال حجم الدور التركي غير واضح، وقابل لمفاوضات مع الإدارة الأميركية بسبب الموقف التركي من (البي ـ واي ـ دي) ورفض مشاركته ومعه “قوات سورية الديمقراطية”، باعتباره خطًا أحمر، لا يمكن لتركيا أن تسمح به بكل مستتبعات ذلك على مستقبل المنطقة، والمشروعات الخاصة والإقليمية.

السؤال الكبير: أين هو دور المعارضة في العملية؟ ومن سيسهم فيها من السوريين؟ وما مصير مستقبل المنطقة من حيث تبعيتها وتحمل مسؤولية المرحلة اللاحقة؟

إلى الآن لا تبدو الصورة واضحة، بل هي عرضة لكثير من الأقوال والتحركات. فقوى المعارضة السورية -السياسية منها والعسكرية- كأنها في موقف المتفرج، أو المنتظر، في أحسن الأحوال، بينما من غير المعروف ما سيكون عليه حجم ودور قوات “درع الفرات” وهل ستبقى بالاسم نفسه، أم ستتخذ اسمًا آخر جديدًا بعد الإعلان التركي عن انتهاء مهام درع الفرات؟ بينما جميع الأخبار تشير إلى إمكانية إشراك “قوات سورية الديمقراطية” في العملية، بكل ما سيترتب على ذلك من وجود ونفوذ لهذه القوات في المنطقة، وما يستتبع ذلك من صراعات مع السوريين، وتركيا.

حين قام “التحالف الدولي ضد الإرهاب” طُرح الأمر على الائتلاف للمشاركة فيه، ورفض الائتلاف حينئذ، انطلاقًا من موقف ينادي بمحاربة النظام أولًا، باعتباره مفرّخ الإرهاب وراعيه، والتصدي للإرهاب بالتوازي أو وفق خطة جامعة، وكانت الآراء متعددة حول الأولويات بما اقتضى من أطراف التحالف، خاصة الإدارة الأميركة، اتخاذ موقف سلبي من الائتلاف، والتوجه نحو تقوية (البي ـ واي ـ دي) وإنشاء قوات سورية الديمقراطية وتقديم مزيد من الدعم لها حتى باتت قوة عسكرية ضاربة، ورقمًا في المعادلة السورية، يجب أخذه بالاعتبار، وبما أسفر عن مشروعات خاصة تشكل أطروحات الفيدرالية إحداها، ومحاولات التمدد باتجاهات مختلفة، بما فيها المناطق العربية التي لا وجود للأكراد فيها، أو بنسب لا تُذكر.

في هذا الجانب، لكيلا تكون نظرتنا حولاء، فنربط ذلك الدعم بهذا الموقف وحسب، يجب أن نؤكد أن الأمر يتجاوز الاستعداد للمشاركة في الحرب على الإرهاب إلى النظرة الأميركية والغربية إلى المسألة الكردية، وإمكانية توظيفها في الاستراتيجيات المطروحة، واستخدامها كأحد الأوراق المهمة وصولًا إلى ما يطرح عن مناطق النفوذ المتعددة التي يراد إيجادها في بلادنا، وما يشبه الكيانات شبه المستقلة، وهذا يحتاج إلى مبحث خاص.

اليوم، وقد أصبحت “قوات سورية الديمقراطية” موجودة فعليًا، ولها قيادة موحدة، وقرار مركزي، ووجود برنامج يجري العمل على تطبيقه ميدانيًا، بقوة تفوق قدرات الفصائل العسكرية المحسوبة على المعارضة التي ما زالت تعاني التشرذم، وتأثير المتغيرات، والمواقف الإقليمية. ولهذا فإن مشاركة هذه القوات في معارك تحرير الرقة ودير الزور، وعموم المناطق الشرقية سيخلق مشكلات متعددة، يمكن أن تفجر صراعات كبيرة، خصوصًا أن هذه المناطق هي عربية أصلًا، والوجود الكردي في بعضها هزيل جدًا، وتحتوي على أهم ثروات البلاد من النفط والغاز وسدّ الفرات.

إن مستقبل المناطق الشرقية لا بدّ أن يكون تحت تصرف قوى المعارضة، وهذا يستلزم وجود أشكال وأدوات ومؤسسات جاهزة، وقدرات بمستويات معينة لتسلّم هذه المناطق، وتوفير المتطلبات القادرة على إدارتها في جميع المجالات.

المعارضة بصورتها الحالية غير مهيّأة لتكون البديل المباشر، وهناك من منع ويمنع وحدة العمل العسكري، وبناء جيش وطني حرفي، وتشكيل أجهزة الشرطة، والأمن، فضلًا عن الإطارات القادرة على بناء وتسيير المؤسسات اللازمة، وتوفير الخدمات الضرورية، وإعادة الإعمار، والخوف كبير من استغلال أوضاع المعارضة ونقص جهوزيتها لإحلال قوى أجنبية مكانها، أو الارتكاز على “قوات سورية الديمقراطية”، والخوف أكبر من تحويل هذه المناطق إلى كيان تابع لنفوذ أميركا، تحت ذريعة الفراغ، وعجز المعارضة عن القيام بالدور المطلوب منها.

إن العمل على إيجاد مناطق نفوذ متعددة في بلادنا ليس من بنات الخيال، أو يقتصر على الاحتمالات وما جاء في بعض مراكز الأبحاث، والمشروعات النظرية، كتقرير “راند” قبل عامين مثلًا، وإنما هناك مرتسمات على الأرض في الشمال والشرق والجنوب، وحتى في الوسط، تشير إلى قيام عدد من مناطق النفوذ: أربعة، أو ربما خمسة مع تلاوين صيغ تتحدث عن أشكال من الإدارة الذاتية، والصيغ الفيدرالية، أو ما يشبه الإمارات، أو الكيانات. وما يجري في حوران مؤخرًا يشكل إضافة أخرى إلى بقية ما يحدث في عدد من المناطق.

التحدي الكبير اليوم مطروح على المعارضة وهيئاتها التمثيلية، فالبكائيات، ولطم الصدور، وبيانات الاستنكار، واتهام الآخرين وتحميلهم المسؤولية لا تجدي نفعًا ولا تُخرج الرؤوس من الرمال، لأن جميع المعطيات، من أشهر طويلة كانت واضحة السمت، والمداليل، وتستدعي حركة ممنهجة من قوى المعارضة استعدادًا للاستحقاقات التي تتحدث عن نفسها.

على سبيل المثال، أوضاع إدلب تثير الخوف حيث إن المعطيات المتوفرة، بتجميع آلاف المقاتلين فيها، ومئات آلاف المهجّرين قسريًا، وتواجد (النصرة) بقوة في بعض مناطقها.. كلها تؤكد احتمالية تعرّض إدلب إلى عملية كبيرة تدميرية، ستكون لها مفاعيلها الكبيرة التي تضاف إلى النتائج الكارثية لحلب.

ومع ذلك، نتساءل: ماذا فعلت المعارضة السياسية والعسكرية استعدادًا للاحتمالات؟

اليوم أيضًا، وقد تزايدت أنشطة بعض التيارات والتشكيلات السياسية، في مسعى لإثبات وجودها، وإعلان حضورها، واستعدادها للإسهام في الاستحقاقات التي تلوح، وإن السؤال يبقى مطروحًا عن تحركات وقدرات الهيئات الممثلة للثورة، ومعها الفصائل العسكرية، والحكومة المؤقتة.

إن أمورًا كثيرة، وضرورية يمكن إنجازها في هذه الفترة القصيرة، والتقدّم بمشروعات نظرية وعملية ومهام برنامجية، أولها وحدة العمل العسكري بقيادة سياسية، والتقدّم بمشروع سياسي لا يتوخى تجميع أكبر الفاعليات والقوى السورية وحسب، بل يكون مشروع سورية القادمة، بكل التفاصيل الواجبة، بما فيها إنشاء المؤسسات اللازمة من جيش وأمن وشرطة ووزارات قادرة على العمل، وخطط لتأمين الخدمات، وإعادة الإعمار، وتأهيل المؤسسات الاقتصادية المدمرة، وغير ذلك من شؤون ضرورية توفر الأمن والاستقرار للمناطق التي ستحرر من (داعش)، ولبقية المناطق التي تقع تحت حيز المعارضة، والعمل على تأمين أوسع توافق عليه يمكن أن يتوّج في مؤتمر وطني عام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق