تحقيقات وتقارير سياسية

الخارطة العسكرية ترسمها الأهداف السياسية

تغيّرت خارطةُ السَّيطرةِ الجغرافية عدّة مراتٍ؛ فحصلت تبدلات وانزياحات كثيرة على هذه الجغرافية، وارتَبط ذلك التغيّر بالحسابات السياسية للدول الإقليمية والدوليّة معًا. وتميل الخارطة بعد أكثر من ست سنوات للوضوح، وما يشبه الاستقرار. وإن لم تأخُذ شكلها النهائي بعد.

 انطلق الموقف التركي من ثابتين اثنين: تمثل الأوّل بنصرة الثّورة السّورية، وأخذت هذه النّصرة تتطور مع تطور أحداث الثّورة؛ إذ لم تأخذ، في البداية، موقفًا عدائيًا من الأسد ونظامه لكنّ الدَّعمَ اليوم أخذ صفةَ التّدخل العسكري المباشر، كما هو حاصل في عملية “درع الفرات”، أمّا الثّابت الثّاني الذي تنطلق منه السياسة التركية فتمثل بخشية تركيا من كيان كردي في الشمال السوري على امتداد الشريط الحدودي بينها وبين سورية. فغدا تدخل تركيا لا يتعلق بمصالح سياسية لتركية داخل حدود دولة جارة وحسب، وإنما تجاوزه إلى الأمن القومي التّركي الدّاخلي، ويرى كثيرون أنّ تركيا، في هذا المنعطف، فضّلت أمنها القومي على الثّورة السّورية، وإن لم تتخلَ عن دعمِ الثّورة السّورية، إذ أسهمت بشكل غير مباشر في سقوط حلب الشّرقية، لكنّها ساعدت الثّوار باستعادة المناطق الواقعة بين جرابلس وإعزاز من تنظيم الدولة (داعش)، ومنعت الميليشيات الكردية في الوقت عينه من وصل عين العرب بعفرين، وجعلت المنطقة مقتصرة على ما اصطلح بتسميته “المعارضة المعتدلة”؛ فوازنت بين هدفي دعم الثورة، ومنع كيان كردي على امتداد الحدود من دون أن تحقق مطلبها لتعارض ذلك مع الأهداف الأميركيّة والرّوسيّة.

 أمّا الولايات المتحدة فلم تأخذ في البداية موقفًا واضحًا من الأحداث الجارية في سورية، بل أسهمت في استطالة الصراع وتشعبه، من خلال منع سقوط النظام السوري، بشكل غير مباشر، ومنع النظام من سحق المعارضة عبر السماح للحلفاء الإقليميين بتقديم دعم محدود، وبدا أن هدف الولايات المتحدة هو خلق سورية ضعيفة جدًا، تحقق أمن “إسرائيل” تمامًا كما حدث في العراق، وأخذ الموقف الأميركي يتبلور في بداية 2014 عبر دعم الميليشيات الكردية ضد تنظيم الدولة (داعش) وأخذ الدعم يأخذ طابع الدّعم العسكري المباشر في معركة عين العرب وما بعدها، وبدا واضحًا أنّ الهدف الأميركي منصبٌ على إزالة (داعش) من الخارطة الجغرافية، ولا بأس في إقامة إقليم كردي تحت الهيمنة الأميركية من دون الانفصال عن سورية، وفي ظل غياب الأكراد جنوب سورية، تعاونت مع بريطانيا والأردن في دعم الفصائل المسلحة ضدّ تنظيم الدولة (داعش) من دون الأسد، فلا تريد الولايات المتحدة أن يقتربَ من حدود إسرائيل أيّ طرف غير منضبط، كحال ميليشيات “حزب الله” المرتبطة بإيران، أو تنظيم الدولة الذي لا تضمن تصرفاته.

ومن يتتبع نُقاط التدخل الروسي يجدها تنطلق من نقطتين اثنتين أيضًا، ليس لهما علاقة بالشرعية أو السيادة الوطنية اللتين يتحدث عنهما الروس. النقطة الأولى تتمثّلُ بالمصالح الرّوسيّة السّياسيّة والعسكريّة، إذ وسّعت روسيا من قاعدتها في طرطوس حيث المياه الدافئة، وباتت تلعب دورًا سياسيًّا في الشّرق الأوسط، وتريد بذلك أن تكونَ شريكًا في السّاحة السّياسيّة الدّولية من خلال ادّعاء مكافحة الإرهاب، والنّقطة الثّانية تتمثّل بالعامل الاقتصادي المُمَثَّل بالغاز عصب الاقتصاد الروسي، وورقة الضغط الروسية على تركيا وأوروبا، إذ يعلم الروسُ أنّ خروجَ سورية المرشحة بأن تكون من الدول المتقدمة على مستوى العالم بإنتاج الغاز من تحت المعطف الروسي سيكون له تَبِعات سياسيّة واقتصاديّة على الدّاخل الروسي. ولا يخفى هنا أنّ علاقاتٍ سورية طيبة مع الخليج وتركيا سيسهل عبور الغاز القطري لتركيا وأوروبا معًا، ومن هنا نفهم حرص الروس على الساحل وتدمر دون سواهما لتركز الغاز السوري فيهما.

وتميّزَ دورُ إيران من دور غيرها، بوضوح المعالم والأهداف والرُّؤى. إذ كانت إيران واضحةً بدعمها الكامل لنظام الأسد حريصةً على بقاء الجغرافيا السورية كلها تحت سلطة الأسد، فانتشرت الميليشيات الطّائفية على امتداد الجغرافية السورية، من دير الزور إلى حلب ودمشق ودرعا، فضلًا عن المنطقة الوسطى في حمص وريفها حتى تدمر وما بعدها بعمق البادية؛ والهدف تحقيق الحلم الفارسي القديم المطعّم ببُعدٍ عقائدي طائفي بالسّيطرة على المنطقة المُمتَدّة من بلاد فارس حتى البحر المتوسط. وتخوض إيران صراعها العسكري وفقًا لهذا الهدف، لذلك تُعَد إيران خاسرة إذا لم تحقق هدفها كاملًا.

ومما يُؤسف له أنَّ العرب كانوا أضعفَ اللاعبين، واتَّصفَ دورهم بالتابع، وإن وقفت معظمُ الحكومات العربية متفرجةً تجاه ما يحصل في سورية، وغابت الرؤية الواضحة لمستقبل سورية حتى من قبل الدول الدّاعمة للثورة فبدا هدفها محصورًا بإزالة رأس النظام، وتحجيم إيران، وانعكست تلك الرّؤية على الوضع الجغرافي.

ومن يتتبع خارطة الصّراع العسكري يجد جمودًا وربما انحسارًا في الدورين الإيراني والروسي، فروسيا توقفت عند تأمين السّاحل وتدمر، والعاصمة. وطرحُها لمناطق خفض التوتر دليلٌ على عدم نيّتها التّوسع. أما إيران فقد كبّلها تصاعدُ الدور الروسي إضافة إلى مجيء ترامب الذي وضع تحجيم إيران في سُلّم أولوياته مدعومًا ومؤيدًا من الخليج العربي، ويأتي القصف الأميركي على منطقة الشحمة على طريق (دمشق-بغداد) الدولي، وتبعد أقل من 40 كم عن معبر التنف على الحدود السورية العراقية ضمن هذا الهدف.

تنبئ الخارطة العسكرية بوجود اللاعبَين الأميركي والروسي، واضمحلال الدور الإيراني، ومحدودية الدّور التّركي في الشمال السّوري مع مفاجآتٍ قد تقوم بها تركيا، إذا شعرت أنّ أمنها القومي مهدد، ويبقى الدور التركي -مهما تصاعد- مقتصرًا على جزء من الشمال السوري.

إنَّ طبيعةَ السَّيطرة العسكرية توضح أنّ الاستقرار والحل في سورية قائمان على توافق الأميركان والرّوس، وعدم اتفاقهما يعني -حكمًا- استمرارَ الصّراع على الجغرافيا السّورية، وقد يطول بما يشبه الحرب الباردة على الجغرافية السّورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق