مقالات الرأي

الإعلام… المعركة التي ربحها النظام مبكرًا

من منّا لم يسخر من الخطاب الإعلامي للنظام السوري؟ من منّا لم يتناول هذا الإعلام بالضحك والاستخفاف مركزًا على تناقضاته ولا منطقيته، بعيدًا عن أيّ تحليل علمي ودراسة بحثية متأنية لتفكيك استراتيجياته؟ قلّة قليلة جدًا فعلت ذلك. وربمّا يقول أحدكم، باستخفاف مرّة أخرى: دراسة علمية واستراتيجيات لإعلامٍ، يُصرّح بأن المتظاهرين خرجوا يشكرون الله على نعمة المطر؟!

نعم، إن إعلام النظام مثير للسخرية، لكنه انتصر وحقق أهدافه، نعم، إنه إعلام لا عقلاني، في جزء منه، ومن دون أي قيم ومعايير أخلاقية، ولكنه استطاع استمالة جمهور، لا يُستهان به من الرأي العام في الداخل والخارج. السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم على أنفسنا هو: لماذا ربح هذا الإعلام معركته في وجه معارضيه؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي جلد الذات، والقول إنه لا توجد هيئات إعلاميّة حقيقية تمثّل المعارضة، وحتى إن وجدت هذه الهيئات، فقد فشلت في الدعاية المضادة للنظام، لعدّة أسباب أهمها -على سبيل المثال لا الحصر- أنها مشتتة ولم تكن يومًا موحدّة، وذلك على غرار الهيئات السياسية الممثلة للمعارضة السورية بشكل عام. أضف إلى ذلك أن إعلام المعارضة، ومن مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” نافس، للأسف، في بعض الأحيان إعلامَ النظام في الكذب والمبالغات من أجل شيطنته، على الرغم من أن هذه النظام لا يحتاج إلى شيطنة.

لن تكفينا مقالة رأي، للإجابة عن هذا السؤال الذي يحتاج -كما أشرنا أعلاه- إلى دراسة متأنية من أجل فهم استراتيجياته ومواجهته وتفنيده بطريقة فعّالة، بدلًا من الأحكام المعيارية القيمية والأخلاقية للنظام الذي يقف وراءه. إذًا، لا يمكننا في هذه العجالة إلا أن نشير، باختصار، إلى عدة نقاط مهمة، يجب أخذها بالحسبان، في أيّ محاولة جادة للإجابة عن هذا السؤال: لماذا ربح النظام معركته الإعلامية مبكرًا.

أولًا: منذ اليوم الأول للثورة، عدّ نظام الأسد نفسَه في حرب، وقد قالها للعلن، من دون أيّ مواربة، قال إنه يواجه حربًا كونيّة. ولأنه لا يتصرف عن عبث -كما أثبتت الأحداث حتى الآن- فهو يعرف أن الحرب، أيّا كانت، تحتاج إلى أربعة عناصر: أولًا، إعلاميين من أجل خطاب ترويجي، ثانيًا، سياسيين، من أجل إدارة وتوجيه هذا الخطاب الترويجي، ثالثًا، مثقفين، من أجل إعطاء صبغة علمية وأدبية لخطابه، وأخيرًا إلى عسكر وسلاح يكونون وقودًا للحرب.

ثانيًا: الماكينة الإعلامية للنظام تعمل على عدة أصعدة، انقسمت انقسامًا واضحًا بين داخل وخارج، وتوجه رسائل مبطنة وأحيانًا صريحة، إلى أربعة شرائح من الناس: على صعيد الداخل هناك رسائل تستهدف جمهور الموالين له، وأخرى موجهة لجمهور المعارضة، أما على الصعيد الخارجي، وخاصة الغرب، فهو يوجه رسائل لجمهور اليمين من جهة ولجمهور اليسار من جهة ثانية، ويستخدم من أجل ذلك استراتيجيات إعلامية، تختلف في ما بينها بحسب الجمهور المستهدف.

من منا لا يذكر -على سبيل المثال لا الحصر- إشاعات الخبز المسموم وحبوب الهلوسة في بداية الثورة؟ من يتذكر قصص الملثمين الذين يتجولون في المدن، ويخطفون ويقتلون ويغتصبون النساء؟ من منا لم يرَ مشاهد الإهانات والتعذيب المروعة التي انتشرت على (اليوتيوب) في البيضا واللاذقية وبانياس ودرعا في بداية الثورة؟ من يتذكّر الهمجية والبربرية في جريمة تعذيب وقتل حمزة الخطيب؟ من منا ينسى مشهد “بدكن حرييي.. وهَي مشان الحرية”؟ مشهد قتل الحمير؟ مشاهد الأشلاء البشرية على التلفزيون الرسمي السوري؟ وغيرها الكثير من الفيديوهات التي قيل إنها مسرّبة. جميع هذه الحوادث لم تكن أبدًا اعتباطية وانفعالية، ولم تكن تلك الفيديوهات أبدًا مسربة، بالعكس لقد تمّ إخراجها إلى العلن عن قصد، وبشكل ممنهج، والهدف منها مدروس بإحكام: يجب استثارة الانفعالات العاطفية من خوف ورعب وغضب وهلع جماعي وقلق، سواء عند المؤيدين أو عند المعارضين؛ وهذا ما سيؤدي إلى تعطيل التفكير والتحليل المنطقي، وبالتالي الحس النقدي للأفراد من الطرفين. فاستثارة العواطف تؤدي بالشخص إلى الانتقال من الوعي إلى اللاوعي، ومن العقل إلى الغريزة، وبالتالي يزداد الموالون تمسكًا وتماهيًا بالقائد المخلّص وتذللًا له وكما يزداد حقدهم الطائفي – الطبقي، وانعدام روحهم النقدية. أما عند المعارضين؛ فتزداد مشاعر الانتقام والانتماءات الطائفية والمظلومية والتعميم وغياب الروح النقدية أيضًا. إنها استراتيجية الهلع الجماعي الذي يؤدي إلى إنتاج العنف.

لقد سعى النظام، منذ الشرارة الأولى للثورة، إلى تصوير ما يحصل على أنه عدوان خارجي (مؤامرة) تستهدف تقسيم البلاد والعباد من خلال أدوات داخلية (خونة، مرتزقة، مدسوسين، إرهابيين سلفيين)، ولذلك ركّزت دعايته الإعلامية على خطر الانقسام والفتنة والطائفية والفوضى، وهذه العبارات كان يستخدمها على مدار اليوم، في خطابه الإعلامي. لقد رسم “العدو” في سياق مخاوف جمعية موجودة في الأصل، فتارةً كان الثائرون عليه مجموعة من سلفيين إسلاميين ملتحين لا يريدون شيئًا سوى تطبيق الشريعة الإسلامية (خطاب طائفي موجه للأقليات)، وتارةً أُخرى كانوا أبناء أرياف فقراء، يفتقدون للتحضّر والمدنية (خطاب طبقي موجه لأبناء المدن).

وبالطبع قدم النظام نفسه حاميًا وحيدًا للوطن وللوحدة الوطنية، لذلك زاد في تمجيد نفسه والتغني بمنجزاته مقارنةً بالفوضى الحاصلة، وركّز خطابه على رأس النظام (بشار الأسد) كرمز للاستقرار والتعايش، وربط اسمه بالحداثة والتحديث للتأكيد، ولو بشكل ضمني، أن الوطن من دونه سيعود إلى عصر الظلمات (كل ظهور لبشار الأسد وزوجته وانتشار صورهما يقع ضمن هذه الاستراتيجية).

أمّا على الصعيد الخارجي، فمرّة يخاطب اليمين المحافظ، ومرّة اليسار المناهض لأميركا. ورسائله لجمهور اليمين كانت مليئة بمفاهيم تتناسب مع عقليته المحافظة، كحماية الأقليات بشكل عام والمسيحيين بشكل خاص، والتركيز على محاربته الإسلاميين الذين لا يشكلون خطرًا على سورية فحسب، وإنما على أوروبا أيضًا، ولم يتردد باستخدام الرموز المسيحية لتوصيل هذه الرسائل (رجال الدين المسيحي والتركيز على معلولا ورمزيتها المسيحية يقع ضمن هذه الاستراتيجية). وبخصوص جمهور اليسار في الغرب، فقد قدّم النظام نفسه كمناهض للقوى الإمبريالية والرأسمالية الغربية، وعلى رأسها أميركا ومشروعاتها التي تستهدف السيطرة على العالم واستغلاله لمصالحها. لم تكن مهمّة النظام عسيرة مع هذا الجمهور المُجَهّز نفسيًا لمناصرة -بشكل أتوماتيكي- أي معادٍ لأميركا، وعقليته المؤدلجة بمفاهيم الحرب الباردة لم تسمح له برؤية نقدية وتحليل معمّق لما يحصل في سورية، ولا حتى بالذهاب إلى أبعد من شعارات أُممية فارغة.

يعلم نظام الأسد أنه ربح معركته الإعلامية على صعيد الخارج، فهو يتصرف بأريحيّة وبحريّة أكبر من ذي قبل، ويعلم أيضًا أنه ربحها على صعيد الداخل، مع الموالين له على الأقل، وهو يعرف حق المعرفة أن تصديق خطابه والتماهي معه أصبح معيارًا للولاء والوطنية، وهو ليس مهتمًا أبدًا بأن يصدّق الناس فعلًا ادعاءاته المضحكة أحيانًا (كقصة خروج أهل الميدان لشكر الله على نعمة المطر، أو قصة أبو نظير…) ما هو مهم بالنسبة إليه هو أن يتظاهر الناس بتصديقها. ولو قُيّض لنا وصف خطابه الإعلامي الموجه لمؤيديه لوصفناه “بإعلام الإذلال”، والإذلال هنا ليس نتيجة اعتباطيّة لعوامل متفرقة وثانويّة، إنما هدف ومنهج يسعى هذا النظام لتطبيقه، يوميًا، وبدّقة على الصعيد النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

سيبقى سؤال كيف ولماذا استطاع إعلام نظام الأسد استمالة شرائح لا بأس بها، في الداخل والخارج، مفتوحًا وقائمًا حتى تتناوله بالبحث دراسات، تتبنى المنهج العلمي، وتبتعد عن الخطاب العاطفي.

مقالات ذات صلة

إغلاق