قضايا المجتمع

دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر أثناء النزاعات المسلحة

تُلحق النزاعات المسلحة معاناة شديدة بالمجتمعات والأشخاص؛ ومن هنا يقع على الدول والأطراف المشاركين في النزاعات المسلحة -الدولية وغير الدولية (الداخلية)- احترام أحكام القانون الدولي الإنساني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتطبيقها من أجل حماية الضحايا والتخفيف من الآلام التي قد تلحق بهم من جرّاء الحروب. ولهذا السبب، وضع القانون الدولي الإنساني لتنظيم الأعمال القتالية، والتقليل من المعاناة التي قد تلحق بضحايا النزاعات المسلحة من العسكريين العاجزين عن القتال، والأشخاص الذين لا يشتركون في العمليات العدائية، والذين يقعون تحت رحمة العدو سواء كانوا مدنيين أو جرحى حرب أو مرضى أو غرقى أو أسرى حرب.

 لا تقتصر مسألة حماية ضحايا النزاعات المسلحة على الدول أطراف النزاع، بل تتعداها لتدخل أيضًا في صلب اهتمام المنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر المشهود لها بدورها الإنساني الرائد والمميز في إبان الحرب وأثناء الاحتلال. واللجنة الدولية للصليب الأحمر هي منظمة مستقلة ومحايدة تضمن الحماية والمساعدة في المجال الإنساني لضحايا النـزاعات المسلحة، وفي أوقات الكوارث، ويرتكز نشاطها، بالدرجة الأولى، على اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية، ونظامها الأساسي. وتتخذ اللجنة الدولية إجراءات لمواجهة حالات الطوارئ، وتبادر دائمًا إلى تطوير القانون الدولي الإنساني وتعزيز احترام مبادئه وأحكامه، وحث الدول على إدراجه في قوانينها الوطنية. وتقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتأدية دورها الإنساني بحياد واستقلال، وعلى قاعدة توجيه الجهود للتخفيف من المعاناة التي تلحق بضحايا النزاعات المسلحة، سواء المشاركون في العمليات الحربية (المقاتلون) أو المدنيون غير المشاركين في الأعمال العدائية، ولا سيّما النساء والمسنين والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن. ويتميز نشاط وعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر بروح المبادرة، فهي التي اقترحت اتفاقية جنيف الأولى عام 1864 بشأن تحسين أحوال الجرحى والمرضى بالجيوش في الميدان. ومنذ ذلك التاريخ، انصبت جهود اللجنة الدولية على تطوير القانون الدولي الإنساني، وهي المكلفة بتأمين المساعدة والحماية لضحايا النزاعات المسلحة العسكريين والمدنيين.

بذلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، خلال الحرب العالمية الأولى، جهودًا واسعة في مجال تقديم الخدمات لأسرى الحرب وللمدنيين على الرغم من هدم توفر أساس قانوني، ينظم هذه الأنشطة، وقد قامت اللجنة الدولية، خلال فترة الحرب العالمية الأولى، بإنشاء الوكالة الدولية لأسرى الحرب، وقام مندوبون عنها بتقديم مختلف الخدمات لأسرى الحرب، وتنظيم الزيارات المستمرة للمعسكرات التي أنشئت خصيصًا من أجل احتجازهم فيها. وعلى إثر ذلك، نالت اللجنة الدولية عام 1929 اعترافًا دوليًا واسعًا عندما تبنى المؤتمر الدبلوماسي المنعقد آنذاك الاتفاقية الخاصة بمعاملة أسرى الحرب عام 1929، ونصّت بشكل واضح على دور اللجنة الدولية في جمع المعلومات المتعلقة بأسرى الحرب، واقتصار هذه المهمة على الطابع الإنساني الذي يميز عملها.

بقيت مسألة وضع الأسس القانونية لحماية المدنيين، في إبان النزاعات المسلحة، غير مكتملة حتى عام 1949، حين أُقرّت اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب. وقد بادرت اللجنة الدولية، قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، بعدة سنوات إلى اقتراح اتفاقية دولية تتعلق بحماية مواطني دولة العدو في أثناء النزاعات المسلحة، وحماية السكان المدنيين في الأقاليم المحتلة، لكن هذا الجهد تعثر بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية.

واعترفت اتفاقيات جنيف الأربعة عام 1949 بدور المنظمات الإنسانية، للمنظمات المحايدة وذات الطابع الإنساني، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة الهلال الأحمر وغيرها، ومنحتها مهامًا موسعة تتعلق بتقديم الخدمات والمساعدات اللازمة للمدنيين ضحايا النزاعات المسلحة، إذ طالبت الدولَ الأطراف بتوفير كافة التسهيلات الكفيلة بتمكين هذه المنظمات من القيام بدورها وأداء مهامها على أكمل وجه.

وتأتي اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مقدمة المنظمات القادرة على أداء المهام ذات الصفة الإنسانية، وذلك بحكم أقدميتها وتراكم الخبرات لديها والتجربة الغنية التي اكتسبتها، طوال فترة عملها، إضافة إلى تجسيدها مثالًا حيًا على كونها “منظمة إنسانية محايدة”. ولا يكفي أن تكون المنظمة التي تقدم خدماتها إنسانية ومحايدة، بل يفترض بها أن تقدم هذه الخدمات لجميع الأشخاص الذين يجدون أنفسهم ضحايا النزاعات المسلحة، من دون أي تمييز ولأي سبب كان، بصفتهم كائنات بشرية، ومن دون أي اعتبار لآرائهم وتبعيتهم السياسية أو لكونهم عسكريين أو مدنيين.

تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بممارسة المهام والنشاطات الرئيسية التالية:

1 – التمثيل والتدخل وما يترتب عليها من اقتراحات وإجراءات عملية، تساهم في تفعيل الحماية طبقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني وأحكامه.

2 – إرسال وتوزيع مواد الإغاثة كالغذاء والألبسة والأدوية ذات الطابع الإنساني.

3 – إرسال طواقم طبية وطواقم الإغاثة.

يفترض بالمنظمات الإنسانية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تأدية خدماتها ومساعداتها على أساس الحياد وبصفتها وسيطًا لا يميّز بين أطراف النزاع التي تُعدّ موافقتها شرطًا أساسًا وضروريًا لتمكين هذه المنظمات من القيام بدورها الإنساني. فبمقدور الدولة الطرف أن ترفض السماح لمنظمات أجنبية بالعمل وممارسة نشاطها في الأقاليم التابعة لها أو التي تسيطر عليها من دون إبداء الأسباب، لكن مجرد قبولها الالتزام بالاتفاقيات الإنسانية، يوجب عليها تحمل تبعات التنصل من التزاماتها، وعرقلة نشاط المنظمات الإنسانية ومنعها من التدخل وتقديم الخدمات لضحايا النزاعات المسلحة من مدنيين وعسكريين على حد سواء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق