تحقيقات وتقارير سياسية

جواد ظريف… عن “هلاك النسل والحرث”

أطلّ محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران، على قراء صحيفة “العربي الجديد” في 20 أيار/ مايو 2017 بمقال “مستعدون لإهداء السلام إلى المنطقة​”، يستعرض فيه حال المسلمين وأوضاعهم ومعاناتهم. يمكن أن يكون العرض والتوصيف والتحليل في سياقه الطبيعي لمن يتتبع مجريات الأحداث في المنطقة، لا أن يكون صادرًا عن وزير خارجية دولة، سعت في السنوات الأخيرة لممارسة عكس التمنيات التي يطرحها للقارئ العربي والمواطن الذي لمس أثر سياسات طهران التدميرية في سورية والعراق واليمن، وولّدت التوتر الذي يحذّر منه ظريف، وقال إنه يخدم أعداء “الأمة العربية والإسلامية، ويعمل على هلاك الحرث والنسل”.

في الوقت الذي كانت فيه ضحايا الاعتداءات الإيرانية الصارخة تزداد بفعل سياسات بلاده العدوانية في المنطقة، كان ظريف يعمل على تسويق التبريرات والذرائع للعدوان والتدخل، ويضع الشروط لمنع تحقيق تطلعات السوريين.

فضلًا عن الدور السياسي الذي لعبته طهران، لحماية نظام بشار الأسد، وملفات التدخل الفج في العراق واليمن، يحاول الوزير الظريف، من خلال التسلل المكشوف عبر باب التقية السياسية و”محاربة الإرهاب”، أن يقدّم خطابًا مفضوحًا منذ عام 2003. منذ اندلاع الثورة السورية، كانت خطابات السياسيين والعسكريين، في طهران وقُم، تعبّر عن مصالح التوسع والهيمنة، بعكس الرغبات المزيفة التي يحذر منها ساستها، والمتعلقة بالإرهاب الذي ترعاه وتشرف عليه هي؛ وكانت نتائجه مئات آلاف الضحايا. دعوة ظريف، لتقديم “هدية” السلام، إقرارٌ بمسؤولية بلاده في توتير المنطقة، وعرضه هذا ينطوي على سياسة ابتزاز واضح، بعد نشر فِرق الإرهاب المختلفة في سورية ولبنان والعراق واليمن.

الاستعداد لمنح السعودية سلامًا أو العمل على تحقيقه في سورية يتطلب خطوات، حذّر منها الشارع العربي منذ زمن، بأن تتخلى طهران عن سياسات الهيمنة والسيطرة بأحلام الإمبراطورية “الفارسية” والكف عن نشر الإرهاب، ودعم الميليشيات التي تمارس التطهير العرقي في العراق وسورية، وأن يعلن رسميًا، باسم الحكومة الإيرانية، خطأ بلاده، بدعم ومساعدة سفاح الشعب السوري، أمّا أن تأتي الدعوة، في سياق التضليل المكشوف أيضًا، فهذا لا يخدم ولا يجدي.

الهدايا الفارغة في علب شعارات الخوف على الإسلام والعروبة، إنما تهدف إلى تخفيف الضغط عن انحدار السياسة الإيرانية وارتباطها، في أذهان الشارعَين العربي والإسلامي، بالإرهاب. وفي أي حال من الأحوال لا يمكن للعقل قبول “هدايا” ظريف الإعلامية وميليشياته تشرف على أكبر عمليات التغيير الديموغرافي في سورية، إضافة إلى إشرافها على حصار مناطق، يحتجز فيها آلاف السوريين، وإلى انخراطها بعمليات الإعدام والقتل فوق الأراضي السورية.

يعتقد الجواد الظريف أن هداياه محمولة إلى منطقة لا ذاكرة لها، وبخطوته هذه يذكرنا بخطابات وكيلهم في دمشق، بأن عمليات قتله وتهجيره لملايين السوريين تهدف إلى زرع السلام في المنطقة وحمايتها من الإرهاب. يقول وزير خارجية إيران: إن بعض الحكومات عملت على جرّ “المنطقة إلى حالة عدم الاستقرار”. يأتي هذا في عملية إنكار ممجوجة للدور الأساسي والمركزي الذي اضطلعت به سياسات الولي الفقيه في المنطقة، وتحديدًا في العراق وسورية، والقائمة بشكل مبدئي على ترسيخ عدم الاستقرار، ونشر الفوضى تحقيقًا لأمنيات مذهبية وطائفية، يُعبّر عنها من على منابر طهران ووكلائهم صباح مساء.

ما يخص سلام طهران مع المنطقة هو التمييز بين مفهوم السلام الذي تعمل وفقه عقلية ولاية الفقيه ومصالحها، وبين واقع وخصوصيات الاقتراب من الشؤون الداخلية لشعوب المنطقة، في ما يتعلق بقضاياها المصيرية، والإهداء يكون بلغة التعميم والتخصيص في آن معًا، لا بحجب الأشياء بلغة التعميم والتجهيل التي تنطلق منها، والقائمة على هلاك الحرث والنسل بأيدي “مؤمنة” بحشد مزيد من الجثث على جانبي سرداب “المهدي المنتظر”.

أخيرًا يبقى المعيار الأهم، في عرض الوزير الإيراني للقارئ العربي، مدى التأثير في تغيير واقع السياسة الإيرانية في المنطقة، بعد بلوغ طهران “نصرها” في أربع عواصم عربية، حسب ادعائها، وكيف ستترجم هدايا طهران على أرض الواقع من دون التخلي عن الأطماع، ولا تعكس ظرافة الحديث عن “هلاك الحرث والنسل” ومنح السلام، من دون إدراك ارتدادات مغاطس الدم التي غرقت فيها طهران، بما هو أبعد من طرح ظريف “لحرية رأي”، يقتل ويهجر ملايين العرب بسببها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق