أدب وفنون

نموت أو نحيا إلى حين لقاء

لم يتسنّ لأم زاهرٍ أن تجري في المطارات، وتقفز من طائرة إلى طائرة، لتلحق بأمها قبل موتها، كما فعل ماجد عبد الهادي، في ليلة أمه الأخيرة كما كتب..
لم تستطع السيدة الجري إلى بيت أمها الذي كان يبعد عن بيتها مدة عشر دقائق، لأنها -اليومَ- منفية في بلاد باردة، بعيدة عن المخبز الذي اعتادت أن تحضر خبزها الساخن منه، ممنوعة من العودة إلى شوارع المهاجرين في دمشق.
ماتت أمها، فلم تجد من يواسيها سوى مطار النرويج، حيث ذهبت إلى أبوابه، بكت عند بوابة المغادرين، لعلّ إحدى الطائرات الذاهبة تستطيع إيصال الدموع، أو سورة ياسين وبعض القبلات التي من الممكن أن تطبع على جبين أمها ويدها.

كان حالها كحال محمد الذي لم يستطع أن يتنازل عن بطاقة لجوئه في كندا، كما فعل محمد ياسين صالح من برنامج فصاحة، ليودع أباه قبل موته، أو يطعمه ملعقة من العسل، ويسأله عن عصافيره كما كان يفعل، عندما يعود من أسفاره.
لم تفد بطاقة اللجوء محمد ليلجأ إليها حين بكى، فلجأ إلى صورة قبر والده التي أُرسلت إليه، ساعدته ليهديها ختمةً من القرآن، ودموعًا من كندا إلى الحي المحاصر في درعا، حيث دُفن والده.

قصة أم عدنان مختلفة، فهي صاحبة حظ كبير، لأنها استطاعت أن تأخذ الطائرة لتذهب من إسطنبول إلى قونيا حيث ماتت والدتها، فوصلت عند صلاة العصر لتتجلد أمام باب مسجد، وهي تسمع التكبيرات الأربع، قبّلتها على عجل قبل أن يدفنوها قبيل الغروب، ورأت قبر أمها، واحتفظت بحفنة من ترابه لتضعها في مقبرة حمص، المكان الذي تمنت أمها أن تدفن فيه، لتستطيع الابنة الحزينة زيارةَ حفنة التراب، كلما اشتاقت لذكرى أمها، إن تحقق حلمها بالعودة طبعًا.

لم تمنع المأساة السورية أمَّ زاهر ومحمد فقط من توديع أحبابهم، بل هناك كثير ممن فقدوا آباءهم وأمهاتهم، وهم بعيدون في بلاد اللجوء، لم يستطيعوا أن يشاركوا أحبابهم ساعاتهم الأخيرة، ليكون دعاؤهم جميعًا أن: “ليتنا نموت جميعًا او نحيا جميعًا إلى حين اللقاء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق