قضايا المجتمع

كيف حصّن الأسد حزب البعث؟

منذ أن استولى عسكر البعث على السلطة، في صبيحة الثامن من آذار/ مارس عام 1963، لم يكفّ العسكر عن استخدام أي وسيلة أو طريقة من أجل الاستحواذ على السلطة في سورية، ولا سيما بعد انقلاب وزير الدفاع  الفريق حافظ الأسد على رفاقه، وسيطرته على السلطة عام 1970، حيث تحول أمر تثبيت سلطته إلى هاجس حقيقي يقض مضجعه ليل نهار، وأخذ لأجل ذلك  يستعين بما كان مطبقًا أيام الاتحاد السوفييتي ودول الكتلة الشرقية وحتى كوريا الشمالية، ولا سيما في استحداث أجهزة أمنية جوية وسياسية وعسكرية، وإنشاء تنظيمات مدنية ملحقة بالأمن كالاتحاد الوطني لطلبة سورية واتحاد شبيبة الثورة وطلائع البعث واتحاد الفلاحين وحتى الحرفيين ..إلخ، ولم يوفر أي شيء يمكن أن يساعده في مجال السيطرة والتحكم بكافة جوانب الحياة في المجتمع السوري، ومع ذلك بقي الأسد الأب دائمَ القلق على كرسّي الحكم على الرغم من كل الآليات القانونية الهائلة التي شرّعها، وأتاحت له تشكيل شبكة محكمة من التشريعات والقوانين والأوامر والقرارات؛ استطاع بواسطتها تقييد أي نشاط مدني وسياسي وأهلي في المجتمع السوري، ووضعه تحت وصايته الكاملة وهيمنته المباشرة من خلال أذرعه الأمنية الضاربة في كافة أنحاء ومفاصل المجتمع السوري، وسيطرته على كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، واستمالة التجار ورجال الأعمال وجمهرة من المثقفين المصفقين، والمؤسسات الدينية الرسمية التي حظيت بدعم كبير وعناية خاصة من الأسد الأب، يُضاف إليها دعم بعض الأحزاب السياسية التي ارتضت لنفسها أن تكون تحت قيادة البعث في ما سُمّي بالجبهة الوطنية التقدمية؛ ما أتاح له التحكم الكامل بجميع مؤسسات المجتمع المدني بدءًا من التنظيمات النسوية والشبابية والطلابية إلى النقابات العمالية والنقابات المهنية والمؤسسات الخيرية والأهلية التي تقدم بعض الخدمات البسيطة للمواطنين، وحتى الأطفال لم يسلموا من هيمنته؛ إذ إنه ابتدع لهم تنظيمًا خاصًا، استورده خصيصًا لهم من كوريا الشمالية أطلق عليه “طلائع البعث”.

وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ سورية -وربما في العالم كله- أصدر الأسد في 8 نيسان/ أبريل 1979 قانونًا خاصًا بأمن حزب البعث حمل الرقم 53 خصّ فيه الحزب بميزات عديدة، وأضفى عليه الحماية دون غيره من الأحزاب المنضوية تحت قيادته، وحصّنه بمجموعة من النصوص القانونية تجعل من الاعتداء على أعضائه وممتلكاته جريمة كبيرة، تصل عقوبتها إلى حد الإعدام، وقد تضمن القانون خمس عشرة مادة.

نصت المادة الأولى منه على أن “حزب البعث” هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، أي لا ولاية لغير البعثي على سورية، وفي المادة الرابعة منه، حصّن أموال وممتلكات حزب البعث من الحجز عليها، واعتبرها أموالًا عامة.

ونص القانون على عقوبات غريبة عجيبة، فمثلًا عاقب، في المادة السادسة منه، بالحبس من خمس سنوات حتى عشر سنوات “كل بعثي ينتمي إلى تنظيم سياسي آخر أو يندسّ في صفوف البعث بقصد العمل لصالح جهة سياسية أو حزبية”.

كما عاقب في المادة 6 منه “كل من دخل أو حاول الدخول إلى مقرات الحزب، بقصد الحصول على وثائق مصنفة سرية بالعقوبة من سنة إلى ثلاث سنوات”. وعاقبت المادة السابعة منه “بالحبس مع الأشغال الشاقة المؤقتة كل من سرق وثائق أو مقررات الحزب. وفي المادة الثامنة منه “عاقب مَن يفشي ما بحوزته من وثائق بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات”.

أما عقوبة من يحاول منع الحزب من ممارسة مهامه فتصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة (المادة 9)، أما من يعتدي على مقارّ الحزب فنصت المادة (10) على عقوبته من 3 سنوات إلى عشر سنوات، وتكون العقوبة الإعدام إذا نجم عن الاعتداء قتل أحد الناس. وإذا علم أحدٌ أنّ جناية سوف ترتكب بحق الحزب، ولم يخبر القيادة الحزبية أو السلطات العامة عوقب بالحبس من سنة إلى سنتين (المادة 11). وعاقب على التآمر على الحزب بالحبس حتى ستة أشهر (المادة 12).

ولم يكتف نظام الأسد بتشريع قانون خاص لحماية “حزب البعث” في سورية وممتلكاته، بل أخذ يغدق المزايا تلوَ المزايا على البعثيين باعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى، وغير البعثيين من الدرجة الثانية أو العاشرة، وباتت جميع الأبواب مشرعة أمام البعثيين باستثناء باب الرئاسة الذي كان يَعدُّ العدة لحصره في أبنائه، وهكذا لا يمكن للسوري أن يصبح ضابطًا في الجيش أو حتى عنصرًا في المخابرات مالم يكن بعثيًا، فضلًا عن الوزراء ومديري المؤسسات والإدارات والشركات العامة والمحافظين حتى على مستوى المخاتير يجب أن يكونوا بعثيين. وكم من المدرسين والمعلمين في الجامعات والمدارس سُرّحوا من التدريس لأنهم غير بعثيين!

وعلى الرغم من كل تلك الحمايات والمزايا التفضيلية، اضطر البعثيون إلى التواري عن الأنظار، بعد اندلاع التظاهرات ضد نظام الأسد في مختلف المدن والمناطق السورية، لشعورهم بالخوف مما هو قادم، إلا قلة قليلة منهم، ممن كانوا مرتبطين وظيفيًا بأجهزة الأمن، حتى بدا الأمر وكأنه لم يعد هناك بعثيون في سورية، بعد أن كان النظام يتباهى بملايين السوريين المنتسبين إلى حزب البعث، في مشهد يذكرنا بانهيار الحزب الشيوعي السوفييتي على الرغم من ملايينه العشرين. واستمر تواري البعثيين عن المشهد العام في سورية طوال عام 2011 وحتى أوائل 2013 عندما بدأنا نشهد عودة البعثيين، ولكن هذه المرة على شكل مجموعات مسلحة حملت اسم كتائب البعث. ثم يأتي من يقول لك: “كنّا عايشين”!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق