أبحاث ودراسات

حزب الله نشأة إشكالية ومآلات دامية

(المقال الحائز على المرتبة الثالثة بـ “جائزة حسين العودات للصحافة العربية” لعام 2017).

مع اندلاع الثورات في عدد من بلدان العالم العربي، انضم حزب الله اللبناني إلى قائمة الأطراف المؤيّدة للثورات الشعبية، فأبدى أمينه العام، حسن نصر الله، تأييده لثورة الشعبين: التونسي والمصري1، بعد أن نظر  إلى تلك التحركات الشعبية على أنها ثورات ضد أنظمة متحالفة مع الغرب، ولا سيّما أميركا التي يطلق عليها الحزب في أدبياته اسم الشيطان الأكبر. والظاهر أنّ تحالفات الحزب الإقليمية والبعد الطائفي كانا المعيار الناظم لجملة مواقفه من ثورات شعوب المنطقة؛ فلقد أيّد ثورتي اليمن والبحرين لأسباب طائفية محض، ووقف مع الشعب الليبيي في ثورته ضد “طاغوته”2، على الرغم من أنّ القذافي لم يكن محسوبًا على المحور الأميركي في يوم من الأيام، إلا أنّه كان متهمًا، ضمن أوساط الشيعة اللبنانيين، بضلوعه في اختطاف وتغييب الإمام الشيعي موسى الصدر عام 1978.

وجد حزب الله في الثورات الشعبية فرصةً ذهبيةً لتدعيم موقفه الإقليمي، من خلال إطاحة أنظمة لا تتوافق مع عقيدته القتالية وتحالفاته الإقليمية، ولا سيّما النظام المصري الذي كان يخوض معه الحزب حربًا باردة، ظهرت إلى العلن عندما ألقت السلطات المصرية القبض على خلية تابعة لحزب الله في سيناء في تشرين الثاني/ نوفمبر 20093.

ولكن، ما إن وصل مدّ الثورات الشعبية إلى سورية حتى وجد حزب الله نفسه في وضع مربك بدايةً، ثم تحول الأمر إلى قلق وجودي، أدى إلى تورّط الحزب في الصراع الدائر بين الشعب السوري ونظامه، ليصبح -لاحقًا- واحدًا من بين أهمّ الفصائل المقاتلة في الساحة السورية.

ولكي نفهم أسباب هذا التورّط وآفاقه، لا بدّ من تسليط الضوء على طبيعة هذا الحزب، وأهدافه الاستراتيجية، ودوره الإقليمي.

من العمق العربي.. إلى العمق الإيراني

جاء إعلان تأسيس حزب الله اللبناني في جوّ من الفوضى، والاحتراب الطائفي، والتداخلات الإقليمية والدولية في الساحة اللبنانية، وثمة معطيات تشير إلى أنّ تأسيسه لم يكن حاجة شيعية لبنانية لإيجاد ممثل للطائفة، بقدر ما كان حاجة إيرانية صرفة؛ بدليل وجود حركة أمل التي أُسست قبل وجود الحزب ببضع سنوات، وكانت قد وضعت على رأس أولوياتها تنظيم العمل السياسي والعسكري للطائفة الشيعية في لبنان.

تأسست حركة أمل عام 1974، أي: قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران (1979)؛ ما جعل الحركة متحررة جزئيًا من ارتباطها بالخط الإيراني، وكانت قد تورّطت في صراعات دموية مع الفصائل الفلسطينية، و بات من الصعب إلحاقها بنظام ولاية الفقيه الباحث عن شكل مختلف من التوازنات في الإقليم، فضلًا عن أنّ الحركة كانت ملتزمة -بحسب موقعها الحسّاس- بجملة من التوازنات مع الطرفين السوري والإسرائيلي، فكان ثمّة حاجة إيرانية لإطلاق كيان يدين للولي الفقيه بتبعيّة مطلقة.

وهذا ما يؤكّده البيان التأسيسي للحزب في شباط/ فبراير 1985 الذي شدّد على مركزية إيران، وعلى التزام الحزب بقيادة الولي الفقيه 4، وقد شدّد نائب الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، على اجتماع المرجعية الشرعية والولاية السياسية في شخص الإمام الخميني، وفي الخامنئي من بعد، وعلى ضرورة التزام كل مسلم بولاية الفقيه المتصدي ممثلًا بهما 5.

فالحزب لم يخفِ -إذن- ولاءه المطلق للولي الفقيه منذ يومه الأول، ليس ولاءً ضمن الخطوط العامّة فحسب، بل تبعيّة مطلقة؛ حتى في أدقّ التفاصيل التي تعدّ شأنًا داخليًا إداريًا يتعلّق بالممارسة السياسية على مستوى المشاركة في الانتخابات النيابية 6، فكان لا بدّ -والحال هذه- من استفتاء الولي الفقيه قبل المشاركة في أبسط الاستحقاقات الوطنية. كما حصل أمر مشابه في إثر ثورة الجياع في تشرين الثاني/ نوفمبر 1997، حين اعترض نصر الله قائلًا : “إنّ العصيان غير مقبول بالمعنى الشرعي… وهذا يحتاج إلى إذن من الولي الفقيه” 7 .

لا غرابة إذن، في وجود هذه التبعية الإيرانية المطلقة لحزب الله، فلقد أُوجد في الأصل ليكون ذراعًا ملحقة بالقيادة المركزية في إيران التي تهدف من خلاله إلى التوسّع في المنطقة العربية؛ لحسابات جيوسياسية، بينما يعزّز الحزب من خلال هذه الحسابات موقعه في الداخل اللبناني؛ ليحمي مشروعه طائفي الطابع. وقد لخّص الناطق الرسمي للحزب، إبراهيم الأمين، طبيعة هذه العلاقة بقوله: ” نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران “. ولا غرابة -والحال هذه- أن يبدأ حزب الله انطلاقته بحرب مع حركة أمل عام 1985 استمرت سنتين، وأدّت إلى سقوط بضعة آلاف بين قتيل وجريح 8، وانتهت بتفاهمات سورية ــــــ إيرانية، وخرج الحزب منتصرًا، بعد أن كسر شوكة حركة أمل المدعومة سوريًا، وثبّت وجوده و نفوذه لاعبًا أساسًا في الجنوب اللبناني، في حين بقي دور الحركة محصورًا في الشقّ السياسي.

حققت إيران من خلال الحزب ما لم يكن بإمكانها تحقيقه من خلال حركة أمل، فالحركة نشأت للتعبير عن تطلّعات شيعة الجنوب ضمن عمقهم اللبناني ــــ العربي. وقد شدّد كبار رجالاتها، كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين، على استقلال القرار الشيعي اللبناني عن قم، وعلى الفصل بين ولاية الفقيه والشيعة في لبنان، فأعادت إيران من خلال حزب الله تموضعها في الساحة اللبنانية، بعد أن أجرت مجموعة من التفاهمات مع الجانب السوري الذي كان قد دخل في تحالف استراتيجي مع إيران، منذ أن بدأت الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980؛ فكان على الحزب من خلال تلك التفاهمات أن يضمن استمرار المشروع الإيراني، وأن يحقق مصلحة النظام السوري الباحث عن وكيل، يستطيع إيصال رسائل (وضربات أحيانًا) إلى الطرف الإسرائيلي، بما يحسّن من موقفه التفاوضي، ويجنّبه المواجهة المباشرة، ويرفع عنه حرج فتح جبهة الجولان.

أمّا مكاسب الحزب نفسه، فكانت في ضمان الحصول على عبور آمن إلى جميع أشكال الدعم اللوجستي والعسكري للحزب من القيادة في إيران، عبر الأراضي السورية.

مراحل صعود الأسطورة

تصاعدت المواجهات بين حزب الله والكيان الصهيوني تصاعدًا مطّردًا منذ تأسيسه وخلال السنوات اللاحقة، ومع دخول سلاح الكاتيوشا إلى أرض المعركة عام 1992 تمكّن الحزب من تسديد ضربات موجعة لقوات الاحتلال، وأدى ذلك إلى ردّة فعل عنيفة من الجانب الإسرائيلي، واجتياح واسع للأراضي اللبنانية، في ما عُرف باسم “عملية تصفية الحساب”، تلاها تفاهم بين الطرفين، عُرف بتفاهم تموز 1993، ثم عادت المواجهات من جديد؛ ما أدّى إلى قيام إسرائيل بحملة واسعة سميّت باسم “عناقيد الغضب” عام 1996، وانتهت بتفاهم نيسان 1996. ولم تهدأ عمليات المقاومة بعد هذا التاريخ، إلى أن حصل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 9.

أسهمت التضحيات البشرية الكبيرة التي قدّمها حزب الله، ثم الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، في تكريس أسطورة المقاومة في الوعي العربي والإسلامي، ولا سيّما أنّ الانسحاب جاء في جو من الإحباط الجماعي، بعد عقود من الانكسارات والهزائم العربية المتتابعة، وهو ما استغلّه الحزب للترويج للمحور الإيراني ــــــ السوري (محور الممانعة)، وهذا ما أُوجد الحزب من أجله بادئ الأمر، بحيث أصبحت إيران طرفًا أساسيًا في المعادلة اللبنانية. واستثمر النظام السوري تضحيات الحزب في تحسين موقعه الإقليمي، وفي إحكام السيطرة على الداخل اللبناني، وتكميم أفواه معارضيه في الداخل السوري، تحت شعار “مقاومة إسرائيل”.

بعد الانسحاب الإسرائيلي استمر الحزب في استثمار انتصاره، وفي الترويج لمحور الممانعة، مع استمرار الشعارات المعادية لإسرائيل والواعدة بتحرير فلسطين، على الرغم من أنّ الانسحاب تحقق بموجب القرار 425 الذي يلزم الحزب باحترام الخط الأزرق، ويمنعه من القيام بأي عملية في العمق الإسرائيلي10. وقد التزم الحزب فعلًا بهذا الخط؛ فكانت الحدود الإسرائيلية شبه آمنة في الفترة ما بين 2000 و2006، ليس هذا فحسب؛ بل عمل الحزب خلال تلك الفترة لإحباط عمليات المقاومة الفلسطينيّة من الجنوب، واعتقال المقاومين وتقديمهم إلى المحاكمة 11. وكان ذلك بمنزلة التزام من الحزب باتفاقه مع الجانب الإسرائيلي، ومن جهة ثانية محاولة منه لاحتكار المقاومة، وفي ذلك مصلحة حزبية وإيرانية ـــــ سورية ـــــ إسرائيلية مشتركة.

في عام 2006 ورّط الحزب الدولة اللبنانية في حرب شاملة غير متكافئة، بعد أن أقدم عناصره على خطف جنديين إسرائيليين، في عملية أطلق عليها اسم “الوعد الصادق”، والظاهر أنّ العملية جاءت حاجة إقليمية، سوريّة بالدرجة الأولى، في وقت كان النظام السوري يبحث فيه عن طريقة لإعادة التموضع والسيطرة، بعد أن أُجبر جيشه على الانسحاب من لبنان، في إثر اغتيال رئيس الوزراء، رفيق الحريري، عام 2005، ومن ثمّ؛ كانت حاجة داخلية لحزب الله الباحث عن وسيلة لخلط الأوراق الداخلية، وإعادة الشرعية إلى سلاحه، ولا سيّما بعد صدور القرار 1559 القاضي بسحب سلاح المليشيات، وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية على أراضيها كاملة 12.

لم يخسر الحزب قاعدته الشعبية عربيًا، على الرغم من الآثار المدمّرة للحرب التي كانت سببًا في توتّر علاقاته مع الأنظمة العربية التي لم تكن راضية عن “مغامرته” في حرب تموز، ولا عن تبعيّته للنظام الإيراني؛ بل حدث العكس، بسبب حساسية الصراع العربي ــــــ الإسرائيلي.

أمّا داخليًا، فقد أعاد الحزب تنظيم صفوفه خلال السنوات التالية للحرب، فتحول إلى قوة سياسية ذات ثقل كبير، وأصبح واحدًا من أقوى الجماعات المسلّحة في الشرق الأوسط، بعد أن زادت ترسانته من 33 ألف صاروخ وقذيفة قبل حرب عام 2006 إلى ما يقدّر بـ 150 ألف صاروخ، وزاد عدد عناصر الحزب من بضعة آلاف عام 2006 إلى ما يقدر بأكثر من عشرين ألفًا13

خرج الحزب -إذن- من أزمته الداخلية بقوة سياسية وعسكرية أكبر، وبموقع أكثر رسوخًا في وعي الجماهير، لكونه بات يمثّل، مع حركة المقاومة الفلسطينيّة، خط المواجهة الوحيد مع الكيان الصهيوني، وكانت الأسطورة على وشك أن تتحوّل إلى حقيقة!

من الصعود إلى الانحدار

لم يتأخر الحزب في إعلان موقفه ممّا يجري في سورية؛ ففي أيّار/ مايو عام 2011، صرّح أمينه العام بأنّ إسقاط النظام في سورية يمثّل “مصلحة أميركية وإسرائيلية”14، ومن ثمّ، دعا السوريين إلى المحافظة على نظامهم المقاوم والممانع، وإلى إعطائه الفرصة اللازمة لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

في الأشهر اللاحقة، ومع تصاعد وتيرة الثورة واتساع رقعتها، وانتقالها من المرحلة السلمية إلى المسلحة، بدأت توجَّه إلى الحزب اتهامات مباشرة من المعارضة السورية بالتورّط في قمع الثورة. واجه الحزب هذه الاتهامات بالنفي تارة، والسخرية تارة أخرى، إلى أن اضطر في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2012 إلى إعلان مقتل أحد قيادييه في سورية، قائلًا بأنّه “استشهد” في “أثناء تأدية واجبه الجهادي”15. ومع انطلاق معركة استعادة مدينة القصير من المعارضة في أيار/ مايو عام 2013، أعلن حسن نصر الله الحرب على الثورة السورية، متعهدًا بدحر التمرّد للمحافظة على النظام.

سوّغ الحزب في مناسبات عديدة تدخّله العسكري في سورية بحماية الحدود اللبنانية من الجماعات المسلّحة الإرهابية 16، وحماية العتبات المقدّسة في سورية، ومنع تحوّل الساحة اللبنانية إلى عراق آخر. لكنّ المعطيات تشير إلى عكس ذلك؛ فقد جاء قرار التدخّل قبل ظهور الجماعات المتشدّدة، وقبل انتشار التسلّح على نطاق واسع، وبالتحديد بعد تسعة أشهر من بدء الثورة في سورية، حين توجّه نصر الله إلى إيران للقاء المرشد العام علي الخامنئي؛ ليعرب له عن قلقه أمام مشهد تداعي حليفه الأسد، وليتلقى منه الأمر بالتدخّل للإبقاء على بشار الأسد 17.

منذ أن بدأ حزب الله مواجهته المفتوحة مع فصائل المعارضة السورية، خسر الحزب المئات من مقاتليه، بينهم عدد من الأطر (الكادرات) والقادة الميدانيين، إضافة إلى آلاف الجرحى بين صفوفه 18. ولكنّ الخسارة الأكبر كانت سمعته، بعدّ نفسه حزبًا مقاومًا للمشروع الصهيوني في المنطقة، منذ أن سحب سلاحه من الحدود الإسرائيلية؛ ليضعه في وجه المعارضة السورية، وفي وجه عموم السوريين المطالبين بالتغيير وإسقاط النظام، وهم الذين يشكلون الشريحة الأكبر من القاعدة الجماهيرية العربية التي أيّدت الحزب خلال الأيام العصيبة التي مرّ بها، وهم أنفسهم الذين استقبلوا آلاف اللبنانيين الذين لجؤوا إلى سورية أيام المغامرة التي نفذها الحزب في تموز/ يوليو 2006.

حزب الله والسلفية الجهادية: أمميّتان على طريق واحد

على المستوى العقائدي، يعتنق الحزب منهجًا لا يختلف مضمونًا عن منهج بعض الجماعات الجهادية التي يحاربها، ويصفها بـ “التكفيريّة”؛ إذ يؤخذ على تلك الجماعات -عادةً- عدم إيمانها بالتسويات السياسيّة، ولجوؤها إلى العنف لحل نزاعاتها السياسية أو العقائدية، واعتناقها أيديولوجيا أمميّة عابرة للحدود الوطنية، وتبنّيها مشروعًا تسلّطيًا تسمّيه مشروع “الخلافة”، وتخفّيها خلف مفهوم “الأمّة” هربًا من مسؤوليّاتها الوطنيّة. ولكنّ حزب الله، في المقابل، ألحق نفسه بالأمّة الإيرانيّة التي يمتزج مشروعها القومي بسرديّات تشيّعيّة وملاحم كربلائيّة، وربط مصيره بمصيرها، ضاربًا بعرض الحائط جميع التزاماته الوطنية.

أظهر الحزب ولاءه الدائم لمشروع الولي الفقيه الذي يقوم -ابتداءً- على نظرية غيبة الإمام صاحب الزمان، ومن ثمّ؛ على نظرية ولاية الفقيه التي تطوّرت في الفكر السياسي الشيعي؛ لملء فراغ القيادة الدينية والسياسية خلال غيبة الإمام المعصوم. والنظرية تشبه -إلى حدّ بعيد- نظرية “الحاكمية لله” الموجودة عند السلفيّين الجهاديّين؛ فالولاية الإمامية -بحسب الخميني- “ولاية دينيّة إلهية” 19، ويملك الولي من الأمر ما كان يملكه الرسول وعلي بن أبي طالب من أمور الإدارة والحكم، ولا يملك المسلم إلّا الامتثال لحكم الخميني ومن ينوبون عنه، أصحاب الولاية المطلقة.

أما على مستوى الممارسة السياسية؛ فقد أظهر الحزب سلوكًا عدوانيًا عنيفًا في مواجهة كلّ مشروع يتعارض مع سياسته، وسياسة حلفائه الإقليميين؛ فهو المليشيا الوحيدة التي رفضت تسليم سلاحها والاعتراف بسلطة الدولة اللبنانية بعد اتفاق الطائف، وكان يتخذ قرارات الحرب مع إسرائيل بالتنسيق مع مرجعيّاته في إيران، ومع حليفه السوري، من دون تفويض من الدولة اللبنانية، ودخل أخيرًا في مغامرته العبثيّة في الساحة السورية، على الرغم من معارضة أغلبيّة شركائه في الحكومة اللبنانية.

أثبتت تجربة الحزب، خلال ما يزيد على ثلاثة عقود، أنّه عاجز عن ممارسة السياسة كبقيّة الأطراف اللبنانية، من دون الإمساك بورقة السلاح، فالسياسة في عرفه هي سياسة المتسلّط، والديمقراطية التي يؤمن بها هي الديمقراطية التي تحمل مصالحه ومصالح حلفائه، وإلّا فالبديل هو الفوضى الداخلية، أو الحروب الإقليمية في كل لحظة يشعر فيها بتهديد وجودي.

وإذا كان الحزب لا يلجأ إلى تكفير خصومه، أسوة بالجماعات الجهادية، فإنّه يلجأ إلى تخوين أولئك الذين لا يتّفقون مع خطّه السياسي، فهو بذلك لا يختلف في سلوكه هذا عن بقية جماعات السلفية الجهادية التي تحتكم إلى السلاح والتكفير، وإن كانت الأوضاع اليوم تأتي في مصلحته، بعد أن حصل على سكوت دولي واعتراف “ضمني”؛ كونه بات طرفًا في المواجهة الدولية ضد “الإرهاب”.

كلتا الأمميّتين تستمد مشروعيتها من حالة الفوضى والقهر العام. وكلتاهما تعبر عن غياب المشروع الوطني الجامع. وكلتاهما تستمدّ وقودها الشعبي من شرائح المهمّشين والمحرومين والباحثين عن انتماء؛ لتزجّ بهم في محرقة إقليمية تحت سيف “الواجب الجهادي”.

خاتمة

ضحى الحزب بسمعته إذن، و بقاعدته الجماهيرية العربية، و بشعاراته التي نادى بها خلال عقود، في مقابل المحافظة على دوره الأهم الذي أُوجد من أجله ذراعًا إيرانية في العمق اللبناني ـــ العربي، ضمن المشروع القومي التوسّعي ذي الطابع الطائفي. وهو المشروع الذي رفعت عنه الحرب في سورية الغطاء، وكشفت الغطاء عن الأدوات الملحقة به، كحزب الله، الحزب الذي يعمل اليوم على تحطيم صورته العربية ـــ الإسلامية، بعد أن قدّم نفسه -أخيرًا- مليشيا عدميّة، لا تختلف عن الجماعات الجهادية. مع فارق أنّ هذه الجماعات لم تربط نفسها بتحالفات إقليمية ناجحة، بالشكل الذي يقوم به حزب الله، وهو فارق شديد الأهمية بطبيعة الحال، ويفسّر سبب استمرار الحزب حتى يومنا هذا.

يقف الحزب اليوم مع حلف الديكتاتور ــــ المحتل، في مواجهة ثورة لا تمرّ اليوم بأفضل أيامها. ومن الصعوبة بمكان التكهّن بمصير ومستقبل الحزب في الأمد القريب، فذلك مرهون بكثير من العوامل، أهمها مآل الثورة السورية، وصحوة تيار التشيّع العربي، والتغيّرات الوارد حدوثها في المعادلة الدولية، وتحديدًا في موقف الغرب من طهران. لكن يمكن القول إنّ نتائج تدخّله في الأمد البعيد لن تكون في مصلحته على الإطلاق، وأهم هذه النتائج انهيار أكاذيب المقاومة، واستعداء الأكثرية السورية في العمق الاستراتيجي للحزب، وتعميق مشاعر الكراهية تجاهه ضمن محيطه العربي والسنّي، في سورية أولًا، ثم في لبنان والعالم العربي ككل.

وهكذا؛ فإنّ أي مشروع مقاومة يكتسب شرعيته وحضوره من شعارات أخلاقية وطنية وتحريرية، ولا سيما مع استحالة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو الذي تقاومه، يكون قد دق الإسفين الأخير في نعش هذا المشروع، حين تُظهر التجربة افتقار الشعارات إلى رصيد واقعي ــ فضلًا عن الخسائر الكبيرة في الأرواح والموارد، وإزدياد عدد الأعداء في الداخل والخارج، ولا سيّما حين يصبح هذا المشروع أداة، تتضارب مع المشروعات الوطنية، وتتورط الجماعة بارتكاب المجازر والتهجير والتغييرات الديموغرافية في مناطق مجاورة.

 

المراجع والمصادر:

 

 

1خطابات حسن نصر الله فيما يتعلق بثورتي تونس ومصر: https://www.youtube.com/watch?v=u1v8x97AJwU

https://www.youtube.com/watch?v=GsNWbbkppr0

2خطاب نصر الله حول ثورات شعوب المنطقة: https://www.youtube.com/watch?v=_wkDyK-xllM .

3ديفيد شينكر، مقال: مصر في مواجهة حزب الله، معهد واشنطن، http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-pharaoh-strikes-back-egypt-vs.-hezbollah .

4السيوفي، ميرفت، لبنان بين أمتين، مقالة في جريدة الشرق، http://elsharkonline.com/ViewArticle.aspx?ArtID=46127 .

5قاسم، نعيم، حزب الله:المنهج ـ التجربة ـ المستقبل، دار المحجة البيضاء، لبنان ط7، ص84 ـ 86 .

6قاسم، نعيم، المرجع السابق، ص 338 ـ 339 .

7باكير، علي حسين، حزب الله تحت المجهر، ورقة بحثية، موقع الراصد، ص24 .

8حزب الله وحركة أمل صراع خفي وحرب متجددة، مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، https://arabiangcis.org/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%88%D8%AD%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D9%84-%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%AE%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D8%AF/ .

9السبع، حسن، قراءة في أبرز محطات المقاومة من الرصاصة الأولى إلى مزارع شبعا، http://www.bintjbeil.com/A/news/010524_1982_2001.html .

10 باكير، علي حسين، مرجع سبق ذكره، ص64 ــ 66.

11 مقابلة مع العميد سلطان أبو العينين أمين سر حركة فتح في لبنان، القدس العربي بتاريخ 5/4/2004

12 نص قرار مجلس الأمن،  http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/d072afcd-0ad8-49bb-90d1-9c4a67b63e78 .

13  أستاني، لمياء، كيف تغير حزب الله منذ الحرب مع إسرائيل في العام 2006، قسم المتابعة بي بي سي، http://www.bbc.com/arabic/middleeast/2016/07/160711_hezbollah_changes_feature .

14 خطاب حسن نصر الله، 25-5-2011، https://www.youtube.com/watch?v=EeKIofS2TCY

15 يعقوب، أحمد، تورط حزب الله في سورية: الوقائع والآفاق، تقرير الجزيرة نت، http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/3/17/%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%B7-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D8%A7%D8%A6%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%81%D8%A7%D9%82 .

16 لو لم يتدخل حزب الله في سورية.. العراق نموذجًا، موقع المنار، http://archive.almanar.com.lb/article.php?id=872188 .

17 هاشم، علي، تحقيق على موقع المنار: حزب الله في سورية.. القصة كاملة، فيه كلام لـ اسماعيل كوثري (نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية والأمن القومي) حول اللقاء بين الخامنئي ونصر الله، http://www.almayadeen.net/news/politics/34782/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7–%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9 .

18 آلفونة، علي، قتلى حزب الله في الحرب السورية، معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، http://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/hezbollah-fatalities-in-the-syrian-war .

19   الكاتب، أحمد، تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه، دار الجديد، بيروت 1998، ص 418 ــ 421.

مقالات ذات صلة

إغلاق