تحقيقات وتقارير سياسية

من الشمال إلى الجنوب… الحياة تحت الخطر

في البحث عن حق الحياة والحماية واللجوء، يتعرض السوريون لصدمات مؤلمة.  الصورة ببعديها العربي والغربي تبدو متقاربة، فمن لبنان الذي ينفذ تدابير قاسية، يجري تطبيقها على نطاق واسع، إلى المجر التي أغلقت حدودها وحوّلت مخيمات الانتظار المؤقت إلى معسكرات لا إنسانية، إلى الحدود الجزائرية المغربية التي تشهد، منذ مدة، حصار عشرات العائلات السورية، بعد أن قذفهم النظام الجزائري ورفض المغرب استقبالهم.

في خضم مأساة كهذه، وعجز آليات المساعدة الدولية ومنظومة الطوارئ الأممية، في الحفاظ بشكل ملائم، على أبسط الحقوق التي رسمها القانون الدولي، تنكشف هشاشة أوضاع اللاجئين وضعف وضعهم القانوني؛ فالقيود التي فرضتها بلدان عدة، بعضها عربية، وغياب الاستجابة الحقيقية لأناس تحت الخطر، فقدوا الأمن والأمان، وتركوا كل شيء وراءهم، هربًا من ويلات حربٍ، أسفرت حتى الآن عن مصرع أكثر من نصف مليون مدني تقريبًا، تختصر اليوم تصدع الاستجابة الإنسانية، واستمرار المخاطر، ليس فقط على مستوى الأوضاع المعيشية المزرية، في المخيمات ومراكز الإيواء المنتشرة في أصقاع العالم، وحسب، بل على مستوى الأطر القانونية الوطنية والإقليمية التي يُفترض أن تقدم إيضاحات حول قضايا اللاجئين وحقوقهم.

الاتهامات المتبادلة بين المغرب والجزائر، على وقع أجندات سياسية متضاربة، تقلل من فرص التوصل إلى رواية دقيقة حول حقيقة ودوافع ما جرى. ويؤثر التجاذب الذي مضت عليه مدة ليست بقصيرة، على وضع اللاجئين البالغ عددهم 57 شخصًا، الوضع الذي يتدهور، بحسب تصريح “بوكدة بوعلام” -أحد أبناء مدينة “فكيك” القريبة منهم- لـ CNN بشكل مزرٍ للغاية “فهم يبيتون في العراء منذ أيام، وظهرت عليهم بعض الأمراض”، ويضيف: “إحدى اللاجئات أنجبت طفلاُ، ومرّت عملية الوضع بسلام بعد أن استطاع السكان التواصل هاتفيًا مع امرأة ترافقها، أعطوها التعليمات اللازمة لإنجاح الوضع”.

“سارة ليا ويتسن” -المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المنظمة الحقوقية الدولية (هيومن رايتس ووتش) – قالت: إنه بينما تتجادل السلطات الجزائرية والمغربية حول أي دولة عليها قبول السوريين، هناك رجال ونساء وأطفال عالقون في منطقة شبه صحراوية، قرب الحدود بين البلدين، ينامون في العراء، غير قادرين على تقديم طلبات اللجوء.

وظهرت طفلة سورية صغيرة، في تسجيل مصور، تناشد المجتمع الدولي بصوت مخنوق: “ساعدونا. نحن نموت هنا، ولم يستطع أحدٌ أن يجد لنا حلًا، لماذا لا يقبل أحدٌ بنا، ما ذنبنا؟”. فيما ظهرت، في تسجيل حديثٍ، طفلة أخرى، تقول: “لقد تعبنا كثيرًا، لا الجزائر تريد استقبالنا، ولا المغرب يريد ذلك، لقد مللنا كثيرًا، نريد أن تساعدنا أي دولة.. أي دولة”.

ينظر المجتمع الدولي إلى بناء قدرة الحماية، على أنها تنصب أساسًا على مساعدة الدول المضيفة في أداء عملها، إما بالتمسك بالتزاماتها القانونية، أو بإنشاء إطار قانوني لحماية اللاجئين في المقام الأول.

ويرى الخبير في شؤون القانون الدولي مضر الأحمد أن تقييم مختلف المخاطر، بالنسبة إلى اللاجئين، ما زال سلبيًا، سواء في البلدان المجاورة لسورية، أو في البلدان العربية الأخرى، كبلدان المغرب العربي، والاتحاد الأوروبي. أضاف لـ (جيرون): نحن أمام أزمة لجوء كبيرة، وأي مقاربة في هذا السياق، تؤكد الحاجة إلى وجود بيئة إنسانية وقانونية ملائمة، تتعامل مع التحديات السياسية والتنفيذية والأخلاقية التي تزيد من تعقيدات الأزمة، لمساعدة اللاجئين على تحسين ظروفهم، وتماسكهم المجتمعي، وإقرار حلول دائمة تتوافق مع الاحتياجات الخاصة لمختلف شرائح المجموعات المتأثرة وأوجه استضعافها.

تسعى مفوضية الأمم المتحدة السامية للاجئين، إلى تنمية القدرة على الحماية من خلال إنشاء البيئة القانونية الوطنية للمساعدة في تسجيل صفة اللجوء، وتحديدها، ونقل المعرفة للمؤسسات الحكومية، وتقديم الدعم لمنظمات المجتمع المدني، بهدف إيجاد أطر متكاملة، قانونية واجتماعية واقتصادية. يمكن لها أن تدفع الدول المضيفة، إلى تحمل مزيد من المسؤوليات تجاه اللاجئين، والإسهام في بناء سلطة وطنية، تستجيب بصورة أفضل لحالات اللجوء التي تواجه تحديات سياسية وإدارية.

وخيب المجتمع الدولي أمل اللاجئين، ولا سيّما عندما حوّل مطلب الحماية الذي تتقدم به الفئات الضعيفة إلى مأزق، وأغلق الحدود في وجهها، وأجبرها، في كثير من الأحيان، على العودة من حيث أتت.

وزادت الحرب التي يشنها الأسد، للاحتفاظ بالسلطة، منذ آذار/ مارس 2011، من حجم التدفق الجماعي للاجئين، إلى خارج البلاد، وتقدر الأمم المتحدة عددهم في آخر بيان لها، بنحو 5 ملايين لاجئ.

يؤكد الناشط في قضايا حقوق الإنسان حسن الزعيم أن القاسم المشترك بين دول الشمال الغربية ودول الجنوب العربية، غياب المسؤولية الإنسانية والأخلاقية، تجاه مأساة ألمّت بملايين السوريين، يحتاجون لحماية فاعلة، ورأى أن عجز العالم عن لجم الأسد وإيقاف شلال الدم في سورية ومعاقبة المسؤولين على ارتكاب جرائم الحرب وتوفير الحماية الدولية للاجئين، وفق معاهدة جنيف 1951 والبروتوكول الإضافي 1967، وتجاهل بعض الدول نداءات الاستغاثة، تسبب في كارثة رمت بظلالها على المنطقة والعالم. وأضاف لـ (جيرون): إن خوف بعض البلدان من الإرهاب، كتبرير لإغلاق حدودها، يُفسر في الواقع جزءًا من سياسة سلبية إزاء مسؤوليات إنسانية وأخلاقية، تجاه مواطنين فروا من الحرب بأرواحهم، لم يكن أمامهم من خيار سوى اللجوء إلى دول أخرى، بحثًا عن الحماية والأمان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق