تحقيقات وتقارير سياسية

جنيف 6: سلال بلا تين

ليست المرة الأولى التي تبادر فيها الإدارة الأميركية بتقديم وثائق إدانة للنظام السوري مطلع كل جنيف، حيث باتت جنيف مقرًا لتقنين الحلول السورية، وترويض ثورتها وتفريغها من محتواها الثوري والتغييري، من سلة واحدة إلى سلال في الحل والترحال السياسي المزعوم والموهوم. فمنذ بيان جنيف 1 في 30 حزيران/ يونيو 2012 القاضي بتشكيل هيئة حكم انتقالي كحلٍ أممي، ينصف الشعب السوري ودماء ثورته في سلة واحدة، إلى أن أعلن السيد دي مستورا عن سلاله الأربعة في جنيف 5 المستمرة إلى السادس اليوم، ولم تتمكن الأمم المتحدة ولا مجلس أمنها ولا مندوبوها الخمسة المتعاقبين على الملف السوري من ملء سلة من سلاله! فالحل السوري-السوري السياسي بات كما “المطيطة” تُشد من جانب وترخى من جانب آخر، إلى أن اهترأت من كل جوانبها، وباتت محط ابتكار في فنون التقرير والتدبير في كيفية الجذب والنبذ واستقدام خبراء الدستور القانونيين للتشاور، الموقف الذي سحبه دي مستورا، بعد أن اعترضت عليه الهيئة العليا للتفاوض مشترطة ربطه بملف المعتقلين والانتقال السياسي، كما صرح رياض سيف رئيس الائتلاف الوطني، ليعود دي مستورا، الخميس 18 أيار/ مايو الجاري، إلى القول إن الأطراف السورية المجتمعة وافقت على تشكيل لجان خبراء لمناقشة ما سمّاه بسلة الـ “جارنك” بنت الموسم، للـ “قضايا الدستورية”، كنتائج أولى ملموسة لمفاوضات جنيف 6 في ثالث أيامها.

يكاد يُجمع معظم المحللين السياسيين على أن لا حل سياسيًا منتظرًا في الحالة السورية ما لم تتفق عليه أميركا وروسيا، وكل منهما إلى اليوم يعمل وفق مقتضيات مصالحه القومية والأمنية، حتى باتت الساحة السورية أشبه بحالة تنازع مرة وتوافق مرة، تتوه معها التحليلات السياسية، وبات التكهن بها متعلق بمفاصل تحركها على مدى ما تقدمه إحدى الإدارتين في بارقة ما توضح القادم من الأيام. لكن، ومع أن الملف السوري ومقتضيات حله بات يكتنف مصيره كثير من الغموض على مستويات عدة إلا أنه مميز لليوم بعدة مؤشرات أهمها:

– تغيير ديموغرافي طال معظم المدن السورية، كان آخرها الأحياء المسيجة لدمشق كالقابون وجوبر ومخيم اليرموك، وفي هذه الأثناء تهجير الدفعة الأخيرة من حي الوعر الحمصي كآخر الأحياء الحمصية الثائرة، لتبقى الغوطة الشرقية، وبلدات ريف حمص الشمالي المحاصرة تحت ما يسمى اتفاق خفض التوتر الأستاني.

– تقديم الإدارة الأميركية، قبيل كل جنيف، دليلًا دامغًا على مجازر النظام، قالت في آخرها إن الأقمار الصناعية رصدت محرقة للمعتقلين في سجن صيدنايا، وكانت قبل جنيف 4 قد قدمت مشاهد المسلخ ذاته للمعتقلين السوريين، وأبان جنيف 2 عرضت تسريبات قيصر سورية الذي سرب 55000 صورة لـ 11000 معتقل وما يزيد من سجون الظلام السورية، واليوم تتابعها بإقرار القانون رقم “H.R.5732” والمعروف بقانون سيزر، نسبة إلى الضابط السوري الذي سرب الصور ذاته، وهو يتيح معاقبة داعمي النظام، بمن فيهم روسيا وإيران، ويهدف “لإيقاف المذابح التي تطال الشعب السوري” ممهلًا الرئيس الأميركي مدة 90 يومًا، لاقتراح آلية منطقة حظر جوي في سورية، وفي حال تجاوز المدة ستُقدّم لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكونغرس بتقديم المقترح للرئيس بشكل مباشر.

– المؤشر الأهم في هذا السياق، هو تجاور الحديث عن موقعة أستانا مع جنيف كعمليتين متكاملتين تفاوضيًا احداهما عسكرية والأخرى سياسية، وذلك حسب تصريحات الهيئة العليا للتفاوض التي أكد عليها دي مستورا أيضًا.

هذه المؤشرات إنما تشير فعليًا إلى ما باتت ترتبه الغرف الخلفية لجنيف وأستانا معًا، فحيث أن أستانا التي أدت إلى ما يسمى باتفاق “خفض التوتر” الهش وغير المحقق فعليًا إلا على الورق لليوم، هي بالأهمية القصوى لدى كل من الروس والنظام، أقله لاستبداله بجنيف، واستبدال مفاوضاتها بحل تصالحي حسب رغبة النظام ومن خلفه روسيا، يثبّت أماكن تواجد النظام، ويحصر كل مناطق الثورة السورية في إدلب ودرعا، وفق ما قدمته خطة مركز “راند” الأميركية أواخر العام 2015. فكل المناطق التي تمت مبادلتها إلى اليوم وهُجّر سكانها تذهب باتجاه إدلب من جهة، وتسعى قوى المعارضة في درعا لبسط نفوذها الكلي على امتداد كامل درعا من جانب آخر، بينما تتقدم في الجانب الشرقي من البادية السورية، بصمت، فصائل تحالف العشائر السورية باتجاه منطقة التنف الواصلة بين سورية والعراق والأردن مدعومة بقوى التحالف الدولي ضد (داعش).

إذًا هو ليس حلًّا سياسيًا (سوري-سوري) كما يدعى السيد دي مستورا الغارق في سلة “التين” السورية، مع أن الرجل لم يكن حزينًا يومًا ولا قلقًا كبان كيمون، إلا أن شهوة التين السوري جعلته يبتكر، بعد جنيف أربعة، مجموعة من سلال “التين الموهوم” في الحلول تيمنًا منه في تقديمها للسوريين، لشدة إعجابه في مذاق بقائه غارقًا في متعة ما تقدمه له الأمم المتحدة من لذة ممارسة مهمة مفوضٍ سامٍ أو مندوب مفوض، كما رغب أن يسمي نفسه مؤخرًا. وكي لا نظلم الرجل، في أعقد مهمة تاريخية -حسب زعمه- فهو يرى بأن الحل السوري الحل السياسي المعجزة! حلًا أسطوريًا، يكاد يقارب أسطورة إيسوب في قصة الثعلب والعنب، مرغوبًا لكنه حامض لعدم القدرة على الوصول إليه؛ ما تتطلب منه أن يضع على طاولة جنيف عدة سلال من الحلول لا سلة واحدة، أراد من خلالها أن يغرق في سلال أربعة متعددة الطعمات والنكهات، توافق أذواق الرعاة والداعمين والمساهمين والفاعلين والمنصات وغيره، فعلامَ العجب؟ أليس الشعب السوري متعدد الرغبات والأهداف! ولمَ هذا الإنكار فقد بات كل سوري، لحزنه، يرغب بسلة مختلفة عن الأخرى، فسلة الإرهاب شهية جدًا للروس والنظام، وسلة الانتقال السياسي شهية للمعارضة السورية، وبين هذا وذاك يبدو أن سلة دي مستورا هي الأشهى في التمديد والتسويف وانتقاء الخبراء والقانونين، ما لم تتم وتنجز ترتيبات الحلول الجيوسياسية على أرض الواقع، وفق ما تتوافق عليه روسيا وأميركا، بما لا يسمح لإحداهما بالاستفراد بالحل السوري، وبما يخفف التوتر بينهما، عندها يمكن أن تُقبل استقالة دي مستورا المتكررة، ويكون قد أنهى مهمته بنجاح، في تفريغ السلة السورية من مرجعيتها الدولية القانونية إلى سلال من وهم، لا فيها تين ولا زيتون!

يذهب عددٌ من المحللين إلى ضرورة انتظار ما يتمخض عنه اللقاء (الإسلامي-العربي) مع دونلاد ترامب، في أولى زياراته الدولية في السعودية، حيث ستوضع النقاط على الحروف في المسألة السورية، وربما يكون هذا أحد المؤشرات المهمة في ذلك، ولكن هذا يؤكد أن جنيف، إلى اليوم، مجرد وهم سياسي، سلاله لا طعم ولا لون لها، سوى ترويض الثورة السورية وإطفاء جذوتها، بانتظار الإملاءات الدولية فيها، خاصة فيما يتعلق بالفعل الراهن وأدوات السيطرة على الأرض وسياسة “وضع اليد”، ما يجعل سلة السوري فارغة من محتواها، بعد أن تكون قد تحولت إلى ميراث تقاسم في النفوذ، حسبما يرغب الفاعليين الدوليين فيها، لا حسبما ادعى دي مستورا بأنها الرغبة السورية متعددة الأوجه والألوان، حينذاك فقط يمكن للوزان السويسرية أو أي مدينة أخرى في العالم، أن تعقد لقاءً سوريًا ظاهريًا خفيًا دوليًا، وأن تحل بساعات ما علق في سنوات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق