أدب وفنون

مفهوم التوتر

على الرغم من الخلاف بوجهات النظر بيني وبين جاري أبي جميل؛ إلا أنه لا يتوانى عن فتح الأحاديث معي حول مجريات الأحداث، وسؤالي عما استغلق عليه استيعابه، مما يجري هذه الأيام على الساحة السورية.

اليوم بادرني أبو جميل بالسؤال التالي:

– أستاذ مسعود دخيلك ما فهمت. ما حكاية المناطق المنخفضة التوتر. والله ما قدرت أستوعب هذا المصطلح. يعني هناك توتر منخفض وتوتر عال؟!.

كان لا بدّ لي أن أبسّط المسألة لجاري أبي جميل؛ كي يصبح مصطلح المناطق منخفضة التوتر مفهومًا وقابلًا للاستيعاب. فقلت له:

– طبعًا يا أبا جميل. هناك توتر منخفض وهناك توتر عال. تمامًا كخطوط التوتر في الكهرباء. فأنت مثلًا لا تستطيع أن تقترب من خط التوتر العالي.

لم يستوعب أبو جميل هذه المقاربة فقال:

– وما علاقة المناطق منخفضة التوتر بالتوتر العالي تبع الكهرباء؟ قلت:

– فقط يا أبا جميل أردت أن أقرب لك الموضوع. ومع ذلك سأقرب لك الموضوع أكثر؛ فحينما كنت أحدثك عن المصائب التي وقعت على رأس الشعب السوري، من جرّاء ممارسة القتل والتهجير، والتغيير الديموغرافي، والاعتقال، والتصفية الجسدية في المعتقلات، لم تكن تصدقني، وكانت أعصابك تتوتر، أليس كذلك؟

فاستنكر أبو جميل وقال:

– أعوذ بالله، أبدًا. أصلًا مفهوم التوتر كله على بعضه لم يدخل رأسي. كيف يعني تتوتر أعصابي!؟

كان لا بدّ لي أن أعود بأبي جميل إلى أيام الصبا؛ يوم كنا نصنع أدوات صيد العصافير من المطاط. فقلت له:

– أبا جميل! ألا تذكر النقّيفة. نظر إليّ مستغربًا وقال:

– وما علاقة النقيفة بالموضوع؟

– سآتيك بالكلام. كنا إذا شددنا النقيفة يتوتر المطاط، وتندفع القذيفة إلى الأمام. صح؟ فالتوتر يتناسب طردًا مع بعد الهدف وقربه.

– ما شاء الله عليك يا أستاذ مسعود. والله لقد فوتتني في الحيط.

– أخي سأشرحها لك بالجلنطي. أنت عندما تسمع صوت إطلاق رصاص تتوتّر، صح؟

– صح

– وعندما تسمع صوت قذيفة مدفع تتوتر أكثر، صح؟

– صح.

وحين يسقط فوق رأسك برميل من البراميل المتفجرة، تموت من التوتر، صح؟

– صح

– وحين تقصف الطائرات الروسية بيتك وتدمره فوق رؤوس أهلك وأولادك، تعملها في ثيابك من شدة التوتر، صح؟

– صح

– وحين تتعرض لرشقة كيماوي تنفرج أساريرك، لأنك حينها ستكون في جنة عرضها السماوات والأرض، وحولك الحور العين، والغلمان، ودنان الخمر. صح؟

هنا رأيت أبا جميل قد اصفرّ وأخذت أسنانه تصطك، ويداه ترتجفان وقائمتاه لم تعد تقويان على حمله، فسقط الرجل مغشيًا عليه. أتيت بإبريق ماء، ودلقته على رأسه، ففتح عينيه، فقلت له:

– أرأيت يا أبا جميل ما هو الفرق بين التوتر المنخفض والتوتر العالي. الآن في هذه المناطق ذات التوتر المنخفض، لن يسمح أبدًا برشق المواطنين بالكيماوي، ولا قصف منازلهم بصواريخ السكود، وربما لن يسمح للسلاح الروسي أن يدك منازلهم؛ كما كان يفعل من قبل. وذلك تحت طائلة غضب وتوتر الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، والرئيس الجديد لكل من أميركا وفرنسا، وغضب ماما ميركل… سيكون مسموحًا في هذه المناطق القصف بالبراميل المتفجرة فقط، والمدافع المتوسطة المدى، واستخدام الأسلحة الفردية. أرجو أن تكون المسألة قد وضحت.

عندئذٍ قال لي:

– والله يا أستاذ مسعود إنك فايق ورايق.

مقالات ذات صلة

إغلاق