مقالات الرأي

عن حديث نهايات الثورة السورية

الثورة تنتهي بانتهاء أسبابها؛ وباستمرار الأسباب تتجدّد. يحلو للبعض أن يُعيد الثورة إلى سببٍ دينيٍّ، أو سياسيٍّ، أو إقليمٍ ثائر، وهناك من يجعلها مؤامرة خارجية؛ هذه كُلّها ليست هي الأسباب؛ فبخصوص السبب الدينيُّ، أي أن هناك طائفة مظلومة وطائفة حاكمة، فهناك ثورات عربية مندلعة، والثورات والحكام من طائفةٍ واحدة. وبخصوص السبب السياسيُّ، أي وجود الاستبداد وضرورة الديمقراطية، فهو سبب غير كافٍ أيضًا، ومتى لم يكن الاستبداد موجودًا؟ وبخصوص الإقليم أيضًا هناك دول لم تشهد ثورات في إقليمنا، وبخصوص المؤامرة فهي تهمةٌ تافهة، لا علاقة لها بالفكر ولا بالرأي، وهو تبرير أتفه من أن يُردّ عليه؛ فحينَ تعمُّ الثورة بلادًا بأكملها فهذا يعني أن هناك أسبابًا واقعية بامتياز تستدعي انطلاقتها.

سيقول البعض: إن عنوان المقال عن نهاية الثورات، فما بالك تتكلم عن بداياتها؟ وأقول: لا يمكن فهم النهايات من دون فهم البدايات، الأساسي هنا أنه ما لم تزُل أسباب الثورة فهي باقية. نقصد أن إغراق الثورات بالجهاديين أو خطفها من قبل قوًى معارضة لا تمثلها، لا يعني -في حالٍ من الأحوال- أنّها انتهت. الثورات حدثت في شروط محددة، وهي شروط تعميم السياسيات الليبراليّة كونيًّا، وكذلك محليًّا؛ فعلى الرغم من اختلاف النظام السوري عن التونسي عن المصري عن اليمني عن الليبي، فإن الثورات اشتعلت، أي إن تعميم تلك السياسات أوجد كتلةً بشريةً كبيرة ومتضررةً، وغير قادرةٍ على الاستمرار بالحياة، وعاطلةً عن أي عمل، وبغياب سياسات تنموية تستوعب تلك الملايين، توافرت أسباب التفجر وكانت الثورات. طبعًا لعبت طبيعة الأنظمة الاستبدادية دورًا كبيرًا في سرعة انتشار الثورات وفي شكل تطوّرها، فهي أنظمة لم تتِح للشعب تشكيل وعي اقتصادي وسياسي واجتماعي متقدم، يطابق تلك الأسباب، وبالتالي كان سهلًا أن تنجرف نحو الخضوع لمعارضة فاشلة كحال تلك السورية، أو تسيطر عليها فئات من النظام القديم كحال تونس، أو تذهب نحو سيطرة واسعة للإسلاميين عليها كحال ليبيا أو سورية؛ هذه التحولات التي عمّت البلاد العربية لا تعني بحالٍ أن الثورات انتهت، أو أن الشعوب التي ثارت من أجل هذه التحولات استسلمت. هذه التحولات مُدخلةٌ على سيرورة الثورات، ولنلاحظ أن خفوت نيران الحرب في سورية يدفع الشعب مجدّدًا إلى الشوارع للمطالبة برحيل النظام والتنديد بالجهاديين، وبكل من أفشل الثورة؛ الأمر ذاته يقالُ في هذه الدولة أو تلك التي كانت فيها ثورات.

الشعب يتعب نعم، فهناك الدمار، والدم، وأصحاب الرايات السوداء الإجرامية، وكل من يرفع راية دينيّة، ويحكم باسم الله هو مُجرمٌ في عصرنا، فهو يعتدي على الله تارة وعلى البشر تارة أخرى، وهناك الأنظمة التي تُجدّد شباب استبدادها كما النظام المصري؛ قلتُ يتعب الشعب، ولكن تجدّد ثورته سيكون حالما يشعر أن الأسباب التي ثار لأجلها لم تنته بعد، وهي مستمرة رغم تغيّر شكل الحكم، وبالتالي التعب الذي أصاب كاهل الشعب، ولا سيما السوري بين دمار وتهجير واحتلال وجهادية وتطييف واسع وسواه، لا يعني نهاية الثورة، وبالطبع لا يعني تجدّدها المباشر على الرغم من أن الشعب جدّد تظاهراته كلما عُقدت هدنة أو توقف القتال. فقط الأماكن التي فيها النظام أو الجهادية صمتت، صمتت لأنّ حجم العنف أكبر من قدرتها على تجديد تظاهراتها، ولأنّها تتطلب زمنًا أكبر، تختمر فيه الأسباب وتنطلق مجددًا.

الكتلة المتضررة الكبرى في عالمنا العربي وغير عالمنا، هي التي ثارت وهزت عروش الأنظمة، وفي هذا يرغب البعض بالقول إن الثورات بدأت تدرجيّة، أي عبر مجموعات هنا وهناك، ومن ثم نزلت الملايين إلى الشوارع، وهذا صحيح، ولكن قيمة الثورات بتلك الملايين بالتحديد، أي لا يمكن أن نُسمي نزول مجموعات صغيرة قابلة للقمع بثورة في الأصل، وحينما نزلت تلك الملايين، بدأ التاريخ الثوري بتسجيل التغيير؛ إذًا وجود تلك الكتل وبقاء حالها على ما هو عليه، هو السبب المباشر لتجدد الثورات، طبعًا الأسباب الأخرى فئوية، أي إنها تُحرك قطاعاتٍ مجتمعية معيّنة، لديها مظالم تاريخيّة معينّة، ويمكن لأكثريّة الشعب ذاته ألّا تجد برنامجها الثوري؛ وبالتالي تندفع نحو برنامجٍ تلك الفئات كالفئات الليبرالية أو الإسلامية، ولكن الأثمان التي دفعتها تلك الشعوب ستكون عاملًا مساعدًا على الاكتشاف، وبفضل خبراتها تلك ستعاود البحث عن برنامج يتوافق مع ثوراتها. هنا يجب البحث الجديُّ من قبل الفئات التي تشعر أن الثورات اغتيلت أو صودرت أو وُرّطت في مآلات ليست منها؛ الشعبُ ثارَ لأسبابٍ تتعلق بتغييرِ حياته نحو واقع أفضل، وفي كل مناحي الحياة، أي اقتصاديًّا بشكل رئيسي وكذلك سياسيًا ودينيًا وسوى ذلك كثير، وبالتالي لا يمكن لأي برنامج جديد أن يحوز على الاهتمام الشعبي ما لم ينطلق من هذه الحيثية، وبالتالي سيسقط كل برنامج لا يلحظ بعين الشعب ويغيبها ويكتفي بعينه الفئوية تلك.

يرغب بعض الكُتاب في إثارةَ رياح اليأسِ، ويُقدمون ذاتهم وكأنّهم اكتشفوا أميركا أو النار أو أو، وهم يقولون إن انبعاث الهويات ما قبل الوطنية أنهى مفهوم الثورة، أو إن الأنظمة جدّدت نفسها وانتهى كل شيء، ويُكملون رؤيتهم العبقرية بأن لا خلاص لنا إلّا بتدخلٍ خارجيٍّ، ومشكلة الثورة في غياب ذلك التدخل، والدعوة مجددًا لمجيئه، وإننا بالتالي عاجزون عن إكمال ثوراتنا، ولا يَخفى أن هذا الفهم القاصر يتلاقى مع حديث الأنظمة التي قالت، وقال مثقفوها، إنّ شعوبنا قاصرة ويجب أن تبدأ الثورات بالوعي أولًا ومن ثم حينما يتجهز الوعي ويكتمل، حينئذ فقط ستكون الثورات الحقيقيّة.

للثورات أسبابها بالحدوث ولها مُشكلاتها بالتأكيد، وهي لا تحدث لأسبابٍ فئويّةٍ، وربما تنحرف، ولكنها ستتجدّد بالضرورة؛ والشعوب لا ترسم مخططات لثوراتها، ودائمًا تندلعُ بشراراتٍ معينة، وتنتهي بعض مراحلها بعنفٍ أو بحربٍ أو بسلطاتٍ لا تستطيع مواجهتها في أوقات معينة. بوضوحٍ كاملٍ أقولُ: أسباب الثورات قائمة ومستمرة وتعقدت كثيرًا، ولا يوجد حلولٌ لمشكلات أكثرية الشعب، ويفترض بكافة السياسيين الجذريين البحث في المشكلات وفي رداءة البرامج التي سادت، والوصول إلى برامج أكثر ملامسة لقضايا الشعب ولحقوقه، وحين يحدث ذلك ستجد الثورات عقلها الموافق لأسبابها؛ الثورات ستتجدّد بوجود ذلك البرنامج وبسواه، وربما تخفق مجددًا. المهم الآن هو تقليل الكُلف، فقد دفعت الشعوب العربية كلفًا باهظة على مذبح الأنظمة والمعارضات والجهاديين والدول المتدخلة.

لم تنتهِ الثورات، إنّما تمرّ بمراحلِ إخفاقٍ. الثورةُ سيرورةٌ مستمرةٌ متجددةٌ، وحين تزولُ أسبابُ حدوثِها تزول بدورها.

مقالات ذات صلة

إغلاق