سورية الآن

عدو العرب ورابطة الإسلامدار

مع اقتراب الذكرى الخمسين للهزيمة العربية في حرب حزيران 19677، يظهر الإطار الذي اصطلحنا على تسميته «الصراع العربي الإسرائيلي» مزاحماً أكثر من أي وقت مضى من الإطار الذي ما زال يبحث عن تدقيق أوفى لمصطلحه، وإذا كان من الكياسة تسميته «الصراع العربي الإيراني» أو من الأفضل البحث عن توصيف آخر. هل «يتصارع» الصراعان «العربي الإسرائيلي» و»العربي الإيراني»، أم يجب أحدهما الآخر، أم يهمّش كلاهما «العرب» لصالح محورية «الصراع الإيراني الإسرائيلي»؟
هذا النوع من الأسئلة ليس وليد اليوم. طرحت نفسها، بشكل أو بآخر، منذ بدّلت إيران موقعها من أبرز حليف إقليميّ لإسرائيل بعد الهزيمة العربية في حزيران إلى حاملة راية تدمير اسرائيل. فمع إقفال قناة السويس، صار النفط الإيراني ينقل إلى البحر الأبيض المتوسط والغرب من خلال خط أنابيب إيلات عسقلان، وبناقلات النفط التابع للشركة «العابرة لآسيا» الإسرائيلية. ومع إعادة فتح قناة السويس، كان العدّ العكسي لإنسحاب أكبر دولة عربية، مصر، من جبهة الصراع العربي الإسرائيلي، وبعدها لدخول إيران، الإسلامية الخمينية هذه المرّة، إلى هذا الصراع، بالتصميم على «تثوير» الصراع نفسه، بإخراجه من مرحلة الحروب النظامية، ثم إخراجه من مقال التسوية الذي دشّنه جمال عبد الناصر يوم قبوله بـ»مبادرة روجرز». رشّح «الصراع الإسلامي – الصهيوني» نفسه لخلافة الصراع العربي الإسرائيلي المتأرجح بين منطق الكيانات الوطنية ومنطق الرابطة العربية القومية، والذي لم يقطع يوماً، من الجهة العربية، مع رزمة القرارات الدولية بشأن قضية فلسطين واللاجئين الفلسطينيين، والأراضي العربية المحتلة الأخرى. رغم هزيمتها أمام العراق، ورغم شعبية صدام حسين الكبيرة في البلدان العربية منذ انتصاره على إيران، فقد نجحت الأخيرة في القفز على محاصرتها بـ»الصراع العربي الإيراني»، من خلال رفع منسوب استثمارها في «الصراع العربي الإسرائيلي»، خصوصاً في مرحلة ما بعد ترنّح انتظارات السلام التفاوضي العربي الإسرائيلي.
إلا أنّ الإطار الذي يمكن الأخذ والردّ حول صلاحية تسميته «الصراع العربي الإيرانيّ» لم يتهافت هو الآخر. فبعد أن سقط النظام البعثي في العراق، الذي عمل على الموازنة والمزاوجة بين صراعه ضد الشعوبية (ايران) وضد الصهيونية (اسرائيل)، كتبت لسردية «الصراع العربي الإيراني» عمراً جديداً، غير بعثي هذه المرّة، عمراً جديداً يتنقل بين دائرتين: واحدة إحيائية للتصادم المذهبي، بين السنّة والشيعة، بل بين «النواصب والروافض». وثانية باحثة عن أساطير تربط فيها غابر الأزمنة بأيامنا هذه. آريون وساميون، حين يتعلق الأمر برفع الصراع العربي الإيراني كأولوية مطلقة على حساب الصراع العربي الإسرائيلي. وقورش معيد اليهود من السبي البابلي إلى أرض كنعان، حين يتعلّق الأمر بالدمج بين الصراعين، في شكل خرافي يتوسّع كثيراً في البناء على فضيحة «ايران غيت».
ثمّة ظلم كبير للفلسطينيين بالأساس، لكن أيضاً لمجمل البلدان العربية، عندما نرفع «الصراع العربي الإيراني» فوق الصراع العربي الإسرائيلي منزلة ومشهداً ومعنى. وثمّة مكابرة على الواقع، وظلم كبير أيضاً، إذا اعتبرنا الصراع العربي الإسرائيلي، والهشاشة العربية في خوضه، سبباً كافياً لتسويغ السياسات الهيمنية الإيرانية في المشرق العربي. أكثر من ذلك: اعتبار الصراع العربي الإسرائيلي «معلّقاً» يخدم حجّة ايران أكثر. أما ما لا يخدم مصلحة العرب فهو اعتبار الجمهورية الإسلامية الإيرانية كما هي حالها اليوم شريكة، بل مرشدة لهم، كعرب في الصراع مع اسرائيل، في الوقت الذي تدعم ايران فيه بإستماتة نظام آل الأسد الفئوي الدموي في سوريا، وسياسة إقصائية للعرب السنّة في العراق، وتدعم جماعة الحوثيين في اليمن، وتنتهج سياسة تصعيد سافرة ضد دول مجلس التعاون الخليجي قبل سنوات من قيام الأخيرة بالتصعيد المضاد.
التصدّي لهذه السياسات العربية في المنطقة العربية ينبغي ألا يعني بأي شكل من الأشكال أنّ المرحلة صارت للصراع العربي الإيراني بعد أن كانت للصراع العربي الإسرائيلي. لكن شرط وعي ذلك إعادة التعرّف على الرابطة التي تجمعنا كعرب، ليس بإيران فقط، بل بتركيا أيضاً، في مقابل الدولة العبرية. مقولات مثل «الوطن العربي»، «العالم العربي»، لكن أيضاً «الشرق الأوسط» و»الأمة الإسلامية» لا يمكنها أن تدرك هذه الرابطة الذي تبدأ إمكانية التسوية بين العرب والايرانيين من وعي وجودها وأهميتها.
فمقولة «العالم العربي» تكابر على الماضي العثماني واستمرارياته المختلفة في حاضرنا. ومقولة «الشرق الأوسط» لا يمكنها أن تفتح لرابطة جامعة بين العرب وكل من الأتراك والإيرانيين إلا بالتوسع لإسرائيل، ما يدخلها في حرج جدي مع استمرارية الصراع العربي الإسرائيلي. ومقولة «الأمة الإسلامية» أو «العالم الإسلامي» تعني رابطة انتماء إلى ديانة كونية تشمل أقاليم مختلفة من العالم، ولا يمكن من خلالها تأطير ما يجمع وما يفرق العرب والأتراك والإيرانيين ـ وكذلك الباكستانيين – اليوم. والأهم: العالم الإسلامي يتشكل من بلدان كانت جزءاً من إمبراطوريات إسلامية كبيرة في بداية العصر الحديث (العثمانية والصفوية والمغولية الهندية)، ومن بلدان لم يكن لممالكها وسلطناتها مثل هذا المنزع لتمثّل معنى الكونية (العثمانيون والصفويون والمغول في الهند كانوا ينظرون إلى إمبراطورياتهم كمركز العالم).
هذه المنطقة المتشكلة من حطام امبراطوريات مدافع البارود الإسلامية، يمكن دعوتها بشيء من المجازفة والإبتداع، بـ»الإسلامدار الأوسط»، نسبة للإسلامدار الأوسع التي تشكّله ديار الإسلام قاطبة أو «العالم الإسلامي» الفضفاض.
هذا الإسلامدار الأوسط ليس فقط صنيع المسلمين، بل غير المسلمين أيضاً الذين انخرطوا في هذا التراكم الحضاري المحقق، والذين لا ينتمون دينياً للإسلام، لكنهم ينتمون حضارياً للإسلامدار – وهو انتماء يضيع عند استخدام مصطلحات «الوطن العربي» أو «العالم العربي» أو «الشرق الأوسط» أو «الأمة الإسلامية». زد على أن تسمية «شرق أوسط» هي تسمية من زاوية أوروبا، في حين أن الإسلامدار الأوسط، من غرب نهر السند حتى حوض نهر النيل – الذي هو أيضاً «الإسكندار» لأنّه يحاكي رقعة انتشار امبراطورية الإسكندر المقدوني والحضارة الهلنستية من بعده ـ هي تسمية من زاوية الإسلامدار نفسه، نسبة إلى مدى أكبر، «العالم الإسلامي» من أندونيسيا إلى المغرب، ومن حوض الفولغا حتى أرخبيل زنجبار.
الإسلامدار الأوسط ليس تراكماً تاريخياً حضارياً فقط. إنّه أيضاً يوتوبيا. يوتوبيا تساعدنا قبل كل شيء على وقف المكابرات على الواقع. هذا يكون الآن تحديداً بالتمييز بين منطق «صراعين». فالصراع بين العرب والإيرانيين هو صراع ضمن الإسلامدار الأوسط، ويمكن استجماع شروط تسويته كلما جرت إعادة الإعتبار إلى هذا التراكم، وإلى هذه المشتركات والمصالح المتبادلة، التي يوجدها «الإسلامدار الأوسط» بين العرب والأتراك والإيرانيين والباكستانيين. أما الصراع مع إسرائيل فهو صراع بين الإسلامدار الأوسط وبين جسم استيطاني قام على أرض منه، لكنه أيضاً صراع تحويلي على المدى الطويل لهذا الجسم: لا يمكنه أن يصير جسماً «عادياً» في شرق أوسط مفتعل، ولا يمكنه أن يصير جزءاً من العالم العربي، ولا يمكن الذهاب بعيداً لافتـــــراض أنّ «الأمة الإسلامية» كفيلة بعصبيتها الكونية هذه بلفظه خارجها. إنّما يمكن الصراع معه، من موقع الإسلامدار المشترك بين العرب والأتراك والإيرانيين والباكستانيين، لربطه بهذا الإسلامدار نفسه، وهذه ليست مسألة عقود من الزمن، بل أكثر على أقل تقدير.
(*) كاتب لبناني

مقالات ذات صلة

إغلاق