ترجمات

مركز كارنيغي في موسكو: الانتخابات في إيران… أيُّ رئيسٍ أفضل لروسيا وللعالم

تناقش وسائل الإعلام الإيرانية، وتحذو وسائل الإعلام الغربية والعربية حذوها، مسألةَ أيّ رئيسٍ إيراني يكون أفضل لروسيا. يقول رأيٌ إنَّ من مصلحة روسيا بقاء إيران معزولةً دوليًّا، لتبقى حليفَ طهران الوحيد.

بغضِّ النظر عن نتيجة الانتخابات، لن تتراجع إيران عن أهدافها السياسية، ولن تغيِّر وجهة نظرها بخصوص ما يدور في العالم، ولن تغيِّر حلفاءها أو تتهادن مع أعدائها. كلُّ ما سيتغيَّر سيقتصر على لهجة الخطاب وفي الأساليب الدبلوماسية، فإيران تختار ما بين العداء الصريح للغرب ولجيرانها الذي مارسته أثناء رئاسة أحمدي نجاد، وبين الحوار البراغماتي الذي بدأ في زمن رئاسة حسن روحاني. والسؤال هو: أيُّ إيران هي الأنسب لروسيا وللمجتمع الدولي.

كثيرون في الشرق وفي الغرب يشككون في صدق نوايا إيران في التخلي عن برامجها النووية العسكرية، وبشكلٍ عام لا يعتبرون أنَّ التهديد الذي تشكله إيران أصبح أقلّ. يعتقد المحلل السياسي، في قناة الجزيرة، مروان بشارة أنَّ إيران في ظلِّ رئاسة روحاني كانت ترفع شعارات الإصلاح والاعتدال كغطاءٍ لتمرير سياساتٍ في الشرق الأوسط، أشدَّ عدوانيةٍ مما كانت عليه في زمن أحمدي نجاد. وبالفعل، ازداد تأثير إيران السياسي والاقتصادي في المنطقة، وبالدرجة الأولى في العراق وسورية، ولم يجرِ ذلك بفضل سياسة القيادة الإيرانية. فلم يعرقل أحدٌ طهران، أمَّا الضغط الغربي على دمشق دفعها فقط للارتماء أكثر في أحضان إيران، وانسحبت الولايات المتحدة الأميركية من العراق طوعًا. ومع ذلك، يجب عدم التقليل من شأن إنجازات حكمه، وخلافًا لأحمدي نجاد، لم يعد يشعر كبار الساسة العالميين من التعامل معه، فهو يتحدث بشكلٍ جميل عن الإصلاحات والانفتاح الإيراني على العالم.

ولكن هناك دولتان، لا يناسبها تطور الأمور على هذا المنوال، هما السعودية و”إسرائيل”. فالدولتان شرق الأوسطيتين تدركان تمامًا أنَّ الكلام الجميل لا يعني تغيير النهج؛ فـ “إسرائيل” كانت وستبقى عدوَّ إيران الأول، وهدفها. أمَّا الرياض فمنافس طهران الأول في العالم الإسلامي. إنَّ وضع حدٍّ للطموحات الإيرانية السياسية، بدعم الولايات المتحدة الأميركية قبل كلِّ شيء، سيكون أسهل إذا تقلَّد سدة الرئاسة رئيسٌ يشبه أحمدي نجاد. وبقاء روحاني سيجعل اللعبة أكثر تعقيدًا؛ ولهذا السبب بالتحديد، دائمًا ما تجري محاولاتٌ لتقويض هيبة روحاني، أو استفزاز الساسة الإيرانيين.

الأكثر أمانًا وسهولةً هو التحرك من خلال الولايات المتحدة، فبعد انتخاب الرئيس الأميركي مباشرةً ألقى الإسرائيليون والسعوديون بكلِّ ثقلهم الدبلوماسي لمنع التقارب بين واشنطن وطهران، محققين الكثير من النجاح في مساعيهم. والآن، مسألة مراجعة الاتفاق النووي على طاولة دونالد ترامب (الأمر الذي طال، بالمناسبة). واشنطن مستعدًّةٌ للمضي في أيِّ خيار، ويتعلق الكثير بنتائج الانتخابات في إيران، وبطريقة تصرُّف الدبلوماسية الإيرانية.

حقيقة وقوع الصفقة النووية في دائرة الخطر قد تلحق الضرر بروحاني، فقد كانت ورقته القويّة في حملته الانتخابية؛ إذ يؤكد فريق روحاني أنَّ الاقتصاد الإيراني بدأ يشهد تحسُّنًا بعد رفع العقوبات، على الرغم من أنَّ الوقت لم يكن كافيًا للحصول على المنافع كاملةً منها. سنةٌ ونصف من الانفتاح مقابل 8 سنواتٍ من العزلة، في أثناء فترة أحمدي نجاد. في عهد روحاني، انخفضت نسبة التضخّم (7.5 في المئة بدلًا من 25-30 في المئة، في السنوات الأخيرة)، لكنْ تبقى البطالة (12 في المئة من القوى العاملة بشكلٍ عام، وأكثر من 20 في المئة بين الشباب).

إذا تبيَّن، إضافةً إلى المصاعب الاقتصادية، أنَّ الغموض يلفّ مستقبل الصفقة النووية، وأنَّ واشنطن بصدد إعادة النظر فيها، فإنَّ كلَّ إنجازات روحاني ستفقد قيمتها. فهل يستحقّ الأمر متابعة الحوار مع الغرب أو مع السعودية التي تتصرَّف باستفزازٍ تجاه إيران، خاصَّة في الآونة الأخيرة؟

إذا كانت وسائل الإعلام في الشرق الأوسط، في شباط وآذار 2017، تناقش بحيويةٍ إمكانية المصالحة بين الرياض وطهران، فإنَّها دأبت قبل أسابيع من انطلاق الانتخابات الإيرانية تتحدث عن إمكانية الحرب بين الدولتين. وبدأ كلُّ شيءٍ من حديث نائب وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، في مقابلته مع قناة العربية، حيث نفى أيَّ إمكانيةٍ للحوار مع طهران، واتّهم الإيرانيين في الدعاية للتطرف ومحاولة الهيمنة على العالم الإسلامي. وكان أكثر ما أثار طهران كلام السعوديين عن أنَّ الرياض لن تنتظر وصول المعركة إلى أراضيها، وأنَّها ستعمل على نقل ميدان المعركة إلى إيران ذاتها. لم يتأخَّر الجواب، إذ قال وزير الدفاع الإيراني حسين دهقان: “ننصحهم بعدم التصرف بحماقة. وإذا حدث وفعلوا أمرًا، فإنَّنا لن نترك مكانًا سليمًا في السعودية باستثناء مكَّة والمدينة”. ومن جديد، راحت وسائل الإعلام العربية تتحدَّث عن التهديد الإيراني.

على هذه الخلفية تأتي الانتخابات الإيرانية، مترافقةً مع جولة الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط. وسيزور ترامب في جولته الأولى خارج البلاد العربية السعودية و”إسرائيل”، حيث سيدور الحديث فيهما بالتأكيد عن إيران. كما يخطط للتوقيع مع السعودية على صفقة أسلحةٍ بقرابة 200 مليار دولار، إضافةً إلى ذلك، سيعقد الرئيس الأميركي، خلال زيارته السعودية، مباحثاتٍ مع قادة دول الخليج العربية، ومن المتوقع أيضًا عقد قمّةٍ (أميركية–إسلامية) دُعي إليها رؤساء 18 دولة غالبية سكانها من المسلمين. من هذه الدول، إندونيسيا، أذربيجان، النيجر، تركيا، ولم تكن إيران من بين هذه الدول. سيتم، إلى جانب أمورٍ أُخرى، البحث في إنشاء تحالفٍ مشترك لمواجهة التطرف والإرهاب. وهذا لا يعدو كونه تحدّيًا لإيران، ومحاولةً لتحويلها إلى دولةٍ منبوذة، ليس كلُّ من سيأتي إلى السعودية مستعدٌّ لمواجهة إيران علنًا. على الأرجح، ستكون المسالة استعراضًا للقوة بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية.

الكثير من المشاركين، في لعبة في الشرق الأوسط، يهمُّهم جرُّ روسيا إلى جانبهم. في مقابلةٍ مع صحيفة (واشنطن بوست) قيل إنَّ السعودية تحاول إقناع روسيا بعدم المراهنة، بالكامل، على إيران وحدها. وفي الفترة الأخيرة، شهدت العلاقات السعودية–الروسية البسيطة عادةً تقدمًا ملحوظًا، حيث أظهر الطرفان توافقًا مثيرًا في المسائل النفطية (من الأسعار إلى المشاريع النفطية)، على الرغم من أنّ العلاقة بينهما بعيدةٌ للغاية عن مستوى العلاقة السعودية-الأميركية.

مع ذلك، لن تبتعد موسكو عن طهران؛ أولًا لأنَّ إيران شريك منافس خطيرٌ لدرجةٍ كافية. وثانيًا لأنَّ العلاقة الطيبة مع إيران هي بطاقةٌ مناسبة للتفاوض مع الغرب، ومع البلدان العربية في الخليج. وهكذا، صرَّح نائب وزير الخارجية الروسية ميخائيل بوغدانوف أنَّ موسكو تحاول باستمرار أن تكون وسيطًا بين الأميركيين والإيرانيينْ، وبين الإيرانيين والسعوديين. وأكَّد أنَّ الأمر ليس سهلًا، ولكنْ لا بديل عنه في الوقت نفسه. في حين لا تريد موسكو فقدان موقعها في إيران، فإنَّها تحاول تحصين نفسها، مهما كانت نتيجة الانتخابات. منذ وقتٍ بعيد، لروسيا علاقات وثيقة مع روحاني، وأخذت زيارته الأخيرة إلى موسكو أهميةً كبيرة، ولا سيّما أنَّها جاءت قبيل الانتخابات.

 

اسم المقالة الأصلي Выборы в Иране. Какой президент выгоден России и миру
كاتب المقالة ماريانا بيلينكايا
مكان النشر مركز كارنيغي في موسكو
تاريخ النشر 18-05-2017
رابط المقالة http://carnegie.ru/commentary/?fa=69996
المترجم سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق