أدب وفنون

مروان علي: العالميّة تبدأ من عتبة بيتي

 

  • ترجمة قصائدي إلى لغة ناظم حكمت إثراءٌ لتجربتي الشِّعرية
  • أكتب لأكون قريبًا من سورية التي أشعر أنها تبتعد كثيرًا
  • القصيدة السوريّة الجديدة جميلة جدًا، وأنا أحاول أن أحجز لي مكانًا

 

ينتمي الشاعر الكرديّ السوريّ مروان علي، إلى جيل شعراء تسعينيات القرن الماضي، ويعدّ من أبرز أصوات الحركة الشِّعرية للكُرد الذين يكتبون بالعربيّة.

ضيفنا، المغترب بين هولندا وألمانيا، عاش في مدنٍ كثيرة عربيّة وأجنبيّة، من حلب إلى دمشق وبيروت والقاهرة وأمستردام وآرنهيم وآيسن وبرلين، وحاز عام 1997 على “جائزة الشعر الهولندية”. وهو اليوم في انتظار صدور مجموعته الشِّعرية الثالثة التي منحها عنوان “الطريق إلى البيت”، في الوقت الذي يشتغل فيه على مجموعته الرابعة الموسومة بـ “سنبكي في الساحات مثل تماثيل قديمة”، إضافة إلى اشتغاله على مجموعة (نصوص نثرية) ستحمل عنوان “كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام”.

في هذا الحوار له مع (جيرون) يكشف مروان علي عن خفايا تجربته الشِّعرية، ورؤاه في ترجمة الشِّعر، بعد أن صدرت له مؤخرًا مختارات شعريّة بعنوان “صورتنا بالأبيض والأسود”، انتقاها ونقلها من العربيّة إلى التركيّة الشاعر والمترجم التركي “متين فندقجي”.

 

أبدأ معك حوارنا حول المختارات الشِّعرية الصادرة مؤخرًا باللغة التركية في مدينة إسطنبول، حدّثنا عنها، وماذا يعنى لك انتقال أشعارك إلى القراء الأتراك؟

قام الشاعر والمترجم التركي الكبير “متين فندقجي” بترجمة مختارات شعريّة انتقاها من مجموعتي ماء البارحة (بيروت – 2009)، وغريب.. لا شيء عنك في ويكليكس (المنامة – 2013)، والتي حملت عنوان “صورتنا بالأبيض والأسود”.

لم أخفِ فرحتي حين أخبرني أنه قام بترجمة هذه النصوص التي انتقاها بعناية فائقة، بوصفه شاعرًا ومترجمًا. وهنا جوهر المسألة، ذلك أنّ الشِّعر يفقد الكثير من توهّجه حين لا يكون المترجم شاعرًا؛ والصديق العزيز “متين فندقجي” شاعرٌ كبيرٌ ومترجمٌ مبدعٌ، وهو حاضرٌ بقوةٍ في المشهد الشِّعري التركي، وسبق له أن ترجم للشاعر الراحل محمود درويش، وغيره من الشعراء كسليم بركات، وغسان زقطان، وعلي الحازمي، وآخرين.

وهو متابعٌ للمشهد الشِّعري العربيّ، ولكل جديد فيه، لذلك كنت مطمئنًا لترجمته، فقصائدي كانت بين يديّ شاعر كبير، وأعدّ هذه الترجمة إضافة مهمة لتجربتي الشِّعرية. وقد لاحظت اهتمام الشعراء والنقاد الأتراك خلال حفلات توقيع هذه المختارات. وأرى أنّ الترجمة تفتح أبوابًا كبيرة وواسعة أمام القراء والشعراء أيضًا. ولقد كانت سعادتي كبيرة أن تترجم قصائدي إلى لغة ناظم حكمت، وياشار كمال، وجمال ثريا.. وأن تكون أشعاري في مكتبات تركيا إلى جانب أعمالهم.

يرى نقاد أنّ في ترجمة الشِّعر ليس هناك حياد تام للذات الشاعرة، في توجيه بوصلة النص الشِّعري المترجَم. كيف ترى الأمر من خلال تجربتك الذاتيّة؟

على الرغم من كل ما يقال عن مساوىء الترجمة الشِّعرية تحديدًا، من حيث خيانة النص الأصلي، لكنها ضرورية لإتاحة الفرصة لقارئ مختلف وبعيد، بالاطلاع على نصوص جميلة وبعيدة أيضًا. لولا الترجمة لما قرأنا المئات من القصائد الجميلة التي كتبت وتكتب في بلاد الآخرين. وأرى أن ليس كل مترجم خائنًا، فالترجمة جسر نعبر من خلاله إلى نصوص وثقافات الآخرين.

 

  • لا أتخيّل الحياة من دون شعر

إلى أي مدى تخدم الترجمة النتاج الأدبي السوريّ (شعر، قصة، رواية) في أن يكون نتاجًا عالميًّا؟ وكيف يخدم هذا الأمر القضيّة السوريّة، بعد سنوات الجمر الستّ الأخيرة؟

الآن وفي ظل فداحة الألم السوريّ نشعر مجددًا بأهمية الترجمة، أهمية أن يقرأ الآخر ما نكتب، لأننا أهل هذا الألم، ولأننا أهل الأمل الذي سنظل ننتظره.

أما في ما يخص العالميّة فللأسف الشديد هناك تبسيط لمفهوم العالميّة. هناك من يعتقد أن ترجمة نتاجه الأدبيّ -سواء كان شعرًا أو قصة أو رواية، وغير ذلك- إلى اللغات الأخرى كالإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة والإسبانيّة وغيرها، يشكل خطوة نحو العالميّة.

الروائيّ السوريّ الكبير رفيق شامي من أهم الكتّاب في أوروبا، وقصصه ورواياته تُرجمت إلى أكثر من أربعين لغة. السر في ذلك أنه يكتب عن دمشق وعن سورية. العالميّة تبدأ من عتبة بيتي، وكما قلت: الترجمة ضرورية لنصل إلى قارئ بعيد، أما العالميّة التي يركض الجميع خلفها، فهي تأتي لاحقًا إذا كان النص يستحق.

كيف تنظر للشعر، وماذا تنتظر منه ونحن نعيش في عالم مضطرب؟

لا يمكن أن أتخيّل الحياة من دون شعر، ولا أنتظر منه غير أن يبقى معنا وألا يدير لنا ظهره، بعد كل هذا الخذلان.

لا أنتظر الكثير من الشِّعر، لا أريد أن أمضي عمري في انتظارات أخرى، لقد انتظرت كثيرًا طوال حياتي، ولا أريد منه غير أن يبقى شعرًا.

ما الذي تكتبه في اللحظة الراهنة تحت وطأة الزلزال الذي يعصف ببلدك؟

أقرأ لأعرف لماذا وصلنا إلى هنا ونحن (لا نعرف من الطرق غير الطريق إلى البيت). أكتب لأكون قريبًا من سورية التي أشعر أنها تبتعد كثيرًا.

انتهيت من مجموعة شِّعرية جديدة عنوانها “الطريق إلى البيت”، وسوف تصدر عن منشورات المتوسط بميلانو، خلال هذه السنة، وعندي مجموعة جديدة بعنوان “سنبكي في الساحات مثل تماثيل قديمة” أشتغل عليها حاليًا، كما أني بصدد جمع مجموعة نصوص ستحمل عنوان “كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام”.

ومثل كل السوريّين منشغلٌ دومًا بمتابعة نشرات الأخبار في انتظار الخبر العظيم (انتهت الحرب وعادت سورية لأهلها).

  • أنتمي إلى الثقافة السوريّة الجامعة

لنعد معًا إلى بداياتك الأدبيّة، كيف كانت؟ وماهي نقطة التحوّل التي أسست فعلًا لهذه البدايات؟ ومن هم الشعراء الذين تأثرت بهم وكانوا مصدر إلهام لك؟

تعود البدايات إلى مرحلة الدراسة الثانوية ونشر قصائد متفرقة هنا وهناك، لكن خلال الدراسة الجامعيّة في حلب، حيث مقهى القصر والنادي العمالي وشارع بارون وملتقيات جامعة حلب والنقاشات الطويلة مع شعراء حلب، وأغلبهم من مدن أخرى كانوا يدرسون في جامعتها، توطدت علاقتي مع الشِّعر وتابعت المنجز الشِّعري السوريّ والعربيّ، وتحديدًا المصريّ والعراقيّ واللبنانيّ والخليجيّ والمغربيّ.

في حلب اكتشفت الشِّعر السوريّ الجديد وتجارب الشعراء الشباب، خصوصًا شعراء “ملتقى حلب”، مثل حسين درويش الذي كان يكتب بصمت، ليخطف فجأة أهم جائزة شِّعرية (جائزة يوسف الخال)، وحسين بن حمزة، صاحب التجربة الآسرة، وطه خليل وقصيدته «حلبجة»، ولقمان ديركي الذي لا يشبه إلا نفسه، ومحمد فؤاد، وبسام حسين، وعمر قدور، وخلف علي الخلف، وصالح دياب، ومها بكر، وعبد السلام حلوم، ومصطفى كندش، وعبد اللطيف خطاب الذي كتب قصيدة نثر عربيّة خالصة.

تعيش بين ثقافتين: العربيّة التي تكتب بها، والكرديّة التي تنتمي إليها، فإلى أي مدى أثّر ذلك في إثراء تجربتك الأدبيّة؟

ككردي سوري، أجد سوريتي في هويتي الكرديّة، وكرديّتي في هويتي السوريّة.

الثقافة التي أنتمي إليها هي الثقافة السوريّة التي تجمع شمل الثقافات العربيّة والكرديّة والسريانيّة والأشوريّة والأرمنيّة والتركمانيّة.. وهنا يكمن سر تفرّد هذه الثقافة وغناها.

هويتي الكرديّة السوريّة تضيف وتغني تجربتي الشِّعرية لأنّ الشِّعر هو الوجه المشرق للثقافة الإنسانيّة، وفي النهاية الإبداع ملك لكل البشر على هذه الأرض الصغيرة والجميلة.

يلجأ بعض الشعراء والأدباء للكتابة حتى يتخلصوا من آلامهم، أو ليبوحوا بأحزانهم، تُرى لماذا يكتب الشاعر مروان علي؟ وهل تُفكر في القارئ لحظة الكتابة؟

أكتب لأبقى على قيد الحياة. لحظات الكتابة هي أجمل اللحظات بالنسبة لي ولكل الشعراء والكتّاب والمبدعين، ولأننا لا نستطيع أن نواجه كل هذا الخراب وجها لوجه ندير وجوهنا نحو الكتابة.

بالنسبة لي القارىء حاضر جدًا خلال عملية الكتابة. عملت في مهنٍ كثيرة، سائق دراجة نارية، سائق تراكتور، عتال في صوامع الحبوب في القامشلي، وقد حملت على ظهري المئات من أكياس القمح، ولا تزال رائحته خلال الحصاد، من أجمل الروائح التي أحبها، وتعرفت في شوارع القامشلي، وتحديدًا حي “قدوربك” التاريخي، على المشردين والمهمشين والسكارى والعشاق الفاشلين… لهؤلاء وغيرهم أكتب.

كثيرٌ من الشعراء اتجهوا لكتابة الرواية، أنت واحد منهم. لماذا هذا التحول؟

الرواية فنٌّ جميل، وكما يقول صديقي الروائيّ المصريّ الكبير وحيد الطويلة “الرواية فنٌّ عبقري”. الرواية تتيح لي على الأقل الكتابة عن قريتي “كرصور”، وعن “شيركو” (وشيركو هذا هو ابن قريتي وهو بطل كتابي القادم “كيف تصبح كرديًا في خمسة أيام”)، وعن الشيوعيين والمهربين، والأعلام الكردية وصور الملا مصطفى البارزاني التي كنا نرفعها سرًا، خلال احتفالات النوروز السريّة، في هضاب قرية “تمويا” وقريتي “علي فرو” و”بيرا بازن”.

الرواية قصيدة طويلة جدًا بالنسبة لي.

كيف ينعكس اللجوء والمنفى على نتاجك الشِّعري اليوم؟ وماذا عن أثرهما في قصائدك؟

حين وصلت إلى أمستردام، في منتصف التسعينيات، لم أتصرف كلاجىء ولا كمنفي، وإنما كشخص اختار مدينة ما وقرر العيش فيها.

لا أحب الكتّاب والشعراء الذين يتسولون الشفقة في البلاد التي هاجروا إليها، نحن نكتب من أجل الحرّيّة لنا ولبلادنا ولكل العالم، ومن حقنا أن نعيش في الأمكنة التي نحبها بعيدًا عن الطغاة والمجرمين والقتلة.

هل ترى أنّ الشِّعر يتسع للكثير من التجارب الجديدة، وأن ثمَّة فرصًا لذلك؟

طبعًا المشهد الشِّعري كبير وعلى امتداد الأفق وهو يتسع لكل التجارب، لكن الأهم العمل على تجاوز المنجز الشِّعري، خصوصًا تجارب الستّينيات والسبعينيات والثمانينيات، لأن القصيدة الجديدة يجب أن تضيف للمنجز الشِّعري الجديد.

هل نالت تجربتك الشِّعرية حظها من المتابعة النَّقدية؟ وإلى أي حد يسهم النَّقد في تطوير مشروعك الشِّعري؟

هناك قراءات نقدية تناولت تجربتي الشِّعرية، وأنا سعيد جدًا بتلك القراءات، لأن النَّقد يفتح أمام الشاعر آفاقًا لتأمل تجربته ومكانته في المشهد الشِّعري.

لكننا بصراحة نفتقد إلى النَّقد الجديد الذي يضيء النص للشاعر والقارى معًا.

وأرى أنّ غياب النَّقد الجديد يؤثر كثيرًا على التجارب الشِّعرية الجديدة.

برأيك هل من معايير معينة تجعل من قصيدة ما “قصيدة سورية”؟

الشِّعر ضد المعايير والقولبة لكن هناك “قصيدة سورية”، هناك أورخان ميسر، ومحمود السيد صاحب مونادا دمشق، وهناك محمد الماغوط وأدونيس وعلي الجندي ومحمد عمران ونزيه أبوعفش ومنذر مصري وسليم بركات، وتجارب الشعراء الجدد التي تضيف الكثير للمشهد الشِّعري في سورية.

هل تشعر بالرضى عمّا أنجزت حتى الآن؟

لا لست راضيًا. القصيدة السوريّة الجديدة جميلة جدًا، وأنا أحاول أن أحجز لي مكانًا في بيت هذه القصيدة، في زمنٍ أرى فيه سورية تبتعد عنا كثيرًا.

يُشار إلى أن الشاعر مروان علي من عائلة كرديّة سوريّة، وُلد في قرية “كرصور” في أطراف مدينة القامشلي في الشمال السوريّ. درس الاقتصاد في جامعة حلب وتخرج فيها عام 1992. بدأ بنشر نصوصه ومقالاته في العديد من الصحف والمجلات العربيّة.

من مجموعاته الشِّعرية الصادرة: ماء البارحة وغريب.. لاشيء عنك في ويكيليكس، كما صدرت له سيرة روائية بعنوان: عين الطير.

وله اشتغال في الترجمة، حيث نقل من الكرديّة إلى العربيّة رواية العاجزللروائيّ الكرديّ صلاح الدين بولوت، صدرت عام 2013 عن مشروع “كلمة” في أبو ظبي.

مقالات ذات صلة

إغلاق