تحقيقات وتقارير سياسية

الدولة الوهم في الوطن الهش… محاولة قراءة في المفهوم

كثرت الأوراق السورية التي تتحدث عن المشروع الوطني، والحل السياسي في سورية، وهي تدور بشكل أساسي حول شكل الدولة السورية المستقبلية، وراوحت الطروح بين الدولة الرئاسية المركزية وبين الحكم الفدرالي والإدارات الذاتية، من دون البحث في الحواضن والحوامل لتلك المشروعات، على اعتبار أن صاحب كل طرح يجد في طرحه ما يلائم المستقبل ويضمن بقاء سورية وتطورها وازدهار الوطن والشعب؛ ويرى أن الشعب السوري سيتهافت لتبني المشروع وتشكيل حوامله وحواضنه.

إن الدولة، بالدرجة الأولى، ترتكز على الكيان السياسي الذي تقوم به، وهو مؤلف من الحدود السياسية المحدّدة للوطن الذي تعيش فيه الجماعة التي تريد أن تنشئ دولتها، ولكن هل هناك وطن سوري تنطلق منه الدولة؟ المقصود هنا طبعًا ليس الوطن بتعريفه السياسي والجغرافي العام، وإنما بالمفهوم المرتبط بوعي السوريين له، أي هل هناك تعريف واحد وواضح للوطن في الوعي الجمعي السوري؟

تحاول هذه المادة أن ترصد تاريخ مفهوم ومدلول “الوطن” عبر مسيرة الدولة السورية، لتتلمس حقيقة وجود وطن سوري ضمن وعي الفرد السوري من عدمه.

كلما دار الحديث عن هوية سورية وتاريخها ووحدتها تبدأ تلك الأسطوانة الديماغوجية بشكلها “البريكلي” البدائي عن بلدٍ عمره سبعة آلاف عام، تعايش فيه السوريون جنبًا إلى جنب، وأنتجوا أبهى الحضارات، ولكن الوطن والشعب والدولة السورية بالحدود السياسية التي هي عليه الآن في حقيقة الأمر لا تمت بصلة سياسية لذلك التاريخ سوى بالاسم والموقع الجيوسياسي، أما سورية الحالية التي يرفض السوريون تقسيمها شكلًا، وقد يتسببون به موضوعًا فهي ليست سوى “سورية الانتدابية” ويعود الفضل في وجودها -وإن أغضب هذا البعضَ- إلى اتفاقية (سايكس-بيكو) بصرف النظر عن اتفاقنا معها أو لا، أما قبل ذلك فلم تكن سورية سوى منطقة جغرافية فيها عدة ولايات تابعة للسلطنة العثمانية، وتوزعت سورية الحالية على أجزاء من ثلاث ولايات، هي بيروت وحلب وسورية (دمشق)، وكانت كلها تابعة للوطن الإسلامي، إن صح التعبير، والرابطة الدينية هي الرابطة الوطنية بين أبناء تك الأمة، ولم تكن، على سبيل المثال، حلب تحمل لدمشق معنى أقرب من بغداد أو العكس، ولم يكن هناك شعور جمعي بالانتماء مثلا بين منطقة الجزيرة حتى البحر المتوسط وبين طوروس حتى البادية الشامية، بشكل متمايز عن باقي ولايات السلطنة، وبعد سقوط الدولة العثمانية كان الوطن البديل مرتبطًا بالصعود الأيديولوجي القومي في المنطقة، وفي سورية بدأ المفهوم يرتبط بإنشاء دولة عربية، تمتد إلى الحجاز وبلاد الشام والعراق، على اعتبار ثورة عربية كبرى، إلا أن ذلك لم يتم، وعلى الرغم من ذلك جاء دستور الدولة السورية عام 1920 دستورًا قوميًا عربيًا، ولم يكن “الوطن” في الوعي الجمعي أيضًا لدى السوريين مرتكزًا على الحدود الجديدة للمملكة العربية السورية حينئذٍ، فضلًا عن أن الرابطة الدينية كانت ما تزال لها اليد العليا التي أهّلت أشراف مكة بالحيازة على الحكم كما أهلتهم سابقًا على قيادة الثورة. أعطى الاحتلال الفرنسي سورية شكلها السياسي الحالي، ولم يتم ذلك مباشرة، ففي البداية قُسّمت سورية الانتدابية إلى خمس دول: دولة حلب، ودولة سورية، ودولة اللاذقية، ودولة جبل العرب، ودولة لبنان. ومما يدل على عدم نضوج مفهوم الوطن السوري على أنه يضم جميع تلك المناطق سوية المعارضة والاستقبال البارد من قبل كل تلك الدول لفكرة الاتحاد السوري عام 1922 الذي دعت إليه وعملت عليه دولة سورية (دمشق)، الأكثر تضررًا، حيث خسرت مناطق جبل العرب والكرك ومناطق أخرى في الشمال الأردني، بعد أن تشكلت إمارة شرقي الأردن، وقلت مواردها، ودعت إلى ذلك الاتحاد الذي رفضته باقي الدول، وعلى رأسها حلب المستفيد الأكبر، حيث امتدت على حوض الفرات والجزيرة السورية وشرقي الفرات حتى أطراف أنطاكية، فلم تجد مصلحة في الوحدة مع دمشق، في حين رفضته دولة اللاذقية لأسباب طبقية أكثر من كونها طائفية، كما يشاع، ولم تقبل حلب بالاتحاد إلا بشرط أن تستلم رئاسته، وأن تكون مدنية حلب هي عاصمته.

تعدّ ثورة جبل العرب عام 1925 التي انتفض فيها سلطان باشا الأطرش هي الرابطة الوطنية الأولى التي تحمل معنى سياسيًا للجماعة السورية، ولذلك سميت بالثورة السورية الكبرى، وقد امتدت على بقاع مختلفة من سورية، ونشأت في العام نفسه الكتلة الوطنية، وبات وضع سورية دولةً واحدةً أمرًا غير واقع، وهذا لا يعني أنه لم يكن في سورية قبل ذلك نُخب تسعى لتحقيق تلك الوحدة، وعلى رأسهم الدمشقي عبد الرحمن الشهبندر، ولكن الحديث هنا عن مفهوم الوطن في الوعي السوري، ويُحسَب للكتلة الوطنية والقوى السياسية عمومًا وضع دستور 1928 الأكثر تعبيرًا عن مفهوم الوطن السوري من دون أي أيديولوجيات طاغية، حيث إن الحراك المقاوم للاحتلال الذي تتوج بالثورة السورية وما أفرزه من قيادات كاريزماتية من أمثال سلطان الأطرش وإبراهيم هنانو وصالح العلي وفوزي القاوقجي وعبد الرحمن الشهبندر وشكري القوتلي وسعد الله الجابري وهاشم الأتاسي ومحمد العياش وغيرهم منحت فرصة لتقوية الشعور المركزي للجماعة بالهوية السورية، واكتمل الأمر بعملية سياسية عبر الكتلة الوطنية؛ ومن ثم كتابة دستور 1928، وبالتالي بداية نشوء الدولة من الوطن. في الوقت نفسه كانت الكتلة الوطنية وفي الدستور نفسه تضرب ذلك المفهوم من مكان آخر؛ حيث أبقت على النظام الانتخابي على مرحلتين مما يضمن سيطرة الملاك والطبقة الارستقراطية على الحكم، وإلى ذلك حين كان الوضع الاجتماعي والاقتصادي والمستوى التعليمي للريف السوري الذي حرصت فرنسا على تنميته أكثر من المدن رغبة منها في استغلال الطاقات البشرية في جيش المشرق، إضافة إلى حاجتها إلى المواد الزراعية لم يؤت أكله، ولكن سرعان ما بدأت الطبقة الوسطى الريفية بشكل خاص في سورية تطمح للمشاركة في الإدارة والحكم، وبدأت الأحزاب ذات الأيديولوجيات الشيوعية والقومية تنشأ وتنتشر بين أبناء الريف، وخاصة بين أبناء الأقليات الذين رأوا في تفكيك الرابطة الدينية لصالح الرابطة العرقية والطبقية فرصةً للحصول على حقوق وصفات متساوية مع الأكثرية السنية التي كانت إلى ذلك الحين الحاكم الأوحد للدولة السورية، وبدأ مفهوم الوطن يتشعب من قطر مؤقت، بانتظار تجميع أشلاء الوطن العربي، إلى جزء من الوطن السوري الأكبر الممتد على بلاد الشام والرافدين، إلى جزء من حركة النضال البروليتارية العالمية ضد طبقة الإقطاع والبرجوازية، ومن ثم، بعد إطباق حزب البعث على السلطة، نشأ تياران جديدان باتا الأقوى في سورية، وهما تيار الإسلام السياسي الذي كان بداية ردة فعل مدينية على سيطرة أبناء الريف على السلطة، وأخذ طابعًا طائفيًا في طرحه التمايز بين الحاكم “العلوي” والمحكوم “السني”، وتيار العلوية السياسية الذي يرى أن السلطة التي في يده ضمان لبقاء سورية التي تتناسب معه. إلى جانب ذلك، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كان يتنامى في سورية تيار كردي يزداد قومية كلما زادت السلطة العربية والتركية شوفينية لينتقل في الخمسينيات من النضال من أجل القضية الكردية في سورية إلى النضال من أجل القضية الكردستانية، وينضم إلى مفهوم الوطن في سورية تعريفات جديدة، من جزء من أرض الخلافة للأسد أو حرق البلد، إلى الحق القومي للشعب الكردي على أرضه التاريخية.

في سورية بقعة جغرافية واحدة وأوطان عدة متجذرة في وعي منفصل لكل جماعة عن أخرى، ولذلك يصعب بناء دولة نستنتج منها وطنًا، بل علينا أن نبني مفهومًا ثابتًا وواضحًا بخلق وعي جمعي سوري خاص به، يتفق على تلك الأرض على أنها وطن للجميع. أمر لا يمكن بناؤه في يوم وليلة، ولكنه لا يحتمل التأجيل، ويجب العمل عليه من الآن، لأنه لا يقل أهمية عن إسقاط نظام الاستبداد إن لم يكن أكثر.

قبل أن نتفق على شكل الدولة، يجب أن نتفق على بعض المفاهيم الأساسية، ونعمل على التسويق لها وتبنيها من قبل منظومة الوعي للفرد السوري، وعلى رأسها مفهوم “الوطن”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق