اقتصاد

كينز مُرمّم الرأسمالية

يُعدّ اللورد جون ماينارد كينز (1883 – 1946) مؤسس الاقتصاد الكلي الكينزي، ومن أعماله استُخلص الاقتصاد الكينزي، الاقتصاد الكينزي الجديد، والكينزية الجديدة أو ما بعد الكينزية. وامتاز بوضع النظرية الاقتصادية التي احتاجها الليبراليون الاجتماعيون، فهو ليبرالي مؤيد لدولة المؤسسات، ويقف في الوسط بين اقتصاد عدم التدخل والاشتراكية.

أدى اهتمامه بالفلسفة والسياسة قبل اهتمامه -زمنيًا- بالاقتصاد إلى وضع (رؤيته الاقتصادية)، وارتباطاتها السياسية في سياقهما التاريخي بمنظور مستقبلي ثاقب بعيد المدى.

فعندما شهدت بريطانيا، في بدايات القرن العشرين، سجالًا حادًا بين أنصار التجارة الحرة وأنصار الكومونولث القائم على الأولويات الاستعمارية، وقف كينز في صف التجارة الحرة، وافترض أن التجارة الحرة أفضل للسلام. وأيد الفكرة القائلة؛ إنه إذا سعت إنكلترا لخلق إمبراطورية معزولة ومكتفية ذاتيًا، فإن هذا سيؤدي إلى معارك بين الإمبراطوريات، ما سيهدد السلام العالمي. في مقالة له منشورة في مجلة (الاقتصادي The Economist) في عام 1909، أكّد أنه بفضل التجارة الحرة وحدها أصبحت لندن مركز المال الرئيس في مستوى العالم.

في كتابه الأول (النتائج الاقتصادية للسلام) أظهر غضبه من نتائج (مؤتمر باريس للسلام) في عام 1919، وخصوصًا (معاهدة فرساي) مع ألمانيا. ورأى أن المديونية الضخمة والعقوبات المفروضة على ألمانيا ستكون سببًا في ظهور أسوأ مما نتوقع. وعدّها غباءً أكثر منها غير أخلاقية. وتعجّب من أن تأتي تلك العقوبات في إطار السعي للسلام مع ألمانيا المنهارة، وتنبَّأ بأن “ألمانيا اليائسة لن تحافظ على السلام في أوروبا، وبالتأكيد لن تساهم في الازدهار”. وبالفعل صعد هتلر وحزبه النازي بعد أربعة عشر عامًا من معاهدة فرساي.

وإن لم يجد صوت كينز صدى في مؤتمر السلام عام 1919، إلا أنه كان الأعلى في مواجهة أصداء ليبراليي (مدرسة آدم سميث) في معالجة الانهيار الاقتصادي الكبير عام 1929، بسبب (الكساد العظيم). وسادت رؤيته الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، متجسّدة بـ(دولة الرفاه) منذ خمسينيات القرن العشرين حتى أواخر سبعينياته، حين تراجعت (الرؤية الكينزية) أمام تقدم النزعة (النيوليبرالية)، مع صعود مارغريت تاتشر في بريطانيا (1979 – 1990)، ورونالد ريغان في الولايات المتحدة (1981 – 1989). ومع الأزمة المالية العالمية عام 2008 انتعشت (الكينزية الجديدة). لم يتخلَ كينز عن رؤيته الاقتصادية (الليبرالية)، وظل يُقدّر آدم سميث، لكنه استخدم التحليل الاقتصادي الحديث كي يضعها في نطاق التطبيق، مفترضًا أن مهمة (الليبرالية الاجتماعية) هي السيطرة على القوى الاقتصادية وقيادتها في سبيل خدمة العدالة والاستقرار الاجتماعي. وفي كتابه (نهاية اقتصاد عدم التدخل)، يرى كينز أن التوافق على اقتصاد عدم التدخل بوصفه وسيلة وحيدة للوصول إلى الرفاهية؛ قد انتهى في مطلع القرن العشرين، وأن سبب سيطرة مبدأ (دعه يعمل دعه يمر) في القرن التاسع عشر هو القصور العلمي للحمائية من جهة وللاشتراكية الماركسية من جهة أخرى.

تأخر كينز في عرض نظريته الاقتصادية في كتابيه (رسالة في المال) بجزئيه (1930)، و(النظرية العامة للتشغيل والفائدة والنقود) (1936). وضع في كتابه الأخير المعروف اختصارًا باسم «النظرية العامة»، أسس (النظرية الكينزية) التي انتقلت بالتحليل الاقتصادي من التحليل الجزئي microeconomic إلى التحليل الكليmacroeconomic، موضحًا أن آلية السوق والحرية الاقتصادية لا تحقق التشغيل الكامل. وطالب بضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، مستخدمة السياسة المالية وسيلة في معالجة مشكلات الاقتصاد الوطني. فعلى الحكومة أن تلجأ إلى سياسة العجز في حال الركود الاقتصادي، فتزيد من النفقات العامة حتى إذا لم تكن إيرادات الخزينة كافية، بينما تلجأ إلى زيادة الإيرادات في حال الازدهار الاقتصادي لتلافي حدوث التضخم. وبالتناغم مع هذه السياسة المالية ينبغي اتباع سياسة نقدية تحقق التوازن الاقتصادي الكلي، برفع معدلات الفائدة في حالات التضخم، وتخفيضها في حالات الركود.

وحوّل أساس التحليل الاقتصادي التقليدي (الكلاسيكي) من الاعتماد على العرض إلى التأثير في الطلب، والخروج من واقع الركود الاقتصادي، بامتصاص الحكومة البطالة، وزيادة الإنفاق العام مع رفع الأجور، بوصفها الأدوات التي تزيد في الطلب على السلع والخدمات، فتحفّز رجال الأعمال على الاستثمار وزيادة العرض، فيخرج الاقتصاد من الركود إلى النمو. وبرهن كينز أن التوازن الاقتصادي الذي اعتمدته المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) هدفًا للنشاط الاقتصادي، يمكن أن يتحقق عند مستويات مختلفة من التشغيل، وليس بالضرورة في حالة التشغيل الكامل. لهذا رأى أن السلطات العامة يمكن أن تمارس بصورة أساس تأثيرًا كبيرًا في النشاط الاقتصادي، وتحديد مستوى التوازن، بتدخلها في السوق النقدية بأدوات السياسة النقدية لزيادة العرض النقدي، وبتدخلها في سوق السلع والخدمات بأدوات السياسة المالية لزيادة الطلب الكلي.

ويُركّز على أن عدم كفاية الطلب الكلي في السوق يؤدي إلى مدة طويلة من البطالة، وأن الناتج الاقتصادي من البضائع والخدمات هو حصيلة أربعة متغيرات؛ الاستهلاك، الاستثمار، نفقات الحكومة، الميزان التجاري (الفرق بين الصادرات والمستوردات)، فأي زيادة في الطلب على السوق تأتي من أحد هذه المكونات الأربعة، لكن في مدة الركود الاقتصادي، يقل الإنفاق، فيقل الطلب على السوق. على سبيل المثال، في مدة الركود تقل ثقة المستهلكين، فتؤدي إلى تقليل الإنفاقات، وخصوصًا على المشتريات ذات القيمة التقديرية بمثل العقار أو النقل، وهذا التقليل في الإنفاق يؤدي إلى قلة إنفاقات الاستثمار من الأعمال التجارية، وذلك استجابةُ لضعف الطلب على منتجاتهم. وهنا تأتي مسؤولية الحكومة تجاه الناتج الاقتصادي، فطبقًا للاقتصاد الكينزي، على الحكومة التدخل في معدلات النمو والنشاط الاقتصادي أو ما يعرف بالدورة الاقتصادية.

إذًا، عارض كينز مفهوم (اليد الخفية) عند سميث من ضمن معارضته الواسعة لنظرية (عدم التدخل) في الاقتصاد. وأكّد ضرورة تدخل قوة من خارج السوق. لكنه عندما طالب بمنح الدولة الأدوات الضرورية لقيادة سياسات اقتصادية لم يقصد الدولة بمعناها القانوني، أي التشريع، بل بمعناها المؤسساتي، أي المؤسسات العامة أو الخاصة العاملة للمصلحة العامة، لا المصلحة الخاصة قصيرة المدى. بمعنى آخر، لم يقترح استبدال التخطيط المركزي بالسوق ونظام الأسعار، وإنما اقترح ضبط السوق من خلال ترك الأفراد أحرارًا في إنفاق ما يكسبون، وذلك عبر سياسات اقتصادية تهدف إلى تحقيق الانتعاش والاستقرار الاقتصادي. وشكّك بصحة (قانون المنافذ) للمفكر الاقتصادي جان باتيست ساي الذي قال: “إن العرض يخلق طلبه الخاص”، وبرؤية متفائلة يرى ساي أن “طبيعة الاقتصاد الكلاسيكي لا يمكن أن تجعله يمر بأي أزمات في المدى البعيد”! وعلّق كينز على ذلك بأنه في المدى البعيد سنكون كلنا أمواتًا، وطالب الحكومة بـالتدخل لـ “خلق الطلب الكلي الفعّال” في المدى القريب. وتملكت كينز حساسية خاصة تجاه (قانون المنافذ) الذي كان سببًا في رفض مقترحاته لسياسات اقتصادية في عشرينيات القرن العشرين.

يعود الفضل إلى كينز في ضرورة إدماج النقود في النظرية الاقتصادية منذ البداية، فهو يرفض فكرة تقسيم التحليل الاقتصادي إلى تحليل عيني ثم إلى تحليل نقدي، ويرفض بذلك المقولة التي ترى أن النقود محايدة، ولا تأثير لها. فهو يرى أن النقود ليست محض وسيط في التبادل، بل إن هناك طلبًا على النقود لذاتها، فهي خزان للقيمة (الثروة)، ومن ثَم فإن الطلب على النقود ليس مشتقًا من الطلب على السلع وحسب. وعلى الرغم من أن كينز قد أهمل التحليل الاقتصادي الكلاسيكي فإن فكره ظل مرتبطًا بقوة بالمدرسة الكلاسيكية من خلال مسلمات عدة، منها: قانون الإنتاجية المتناقصة، والنموذج الاقتصادي للعملة، والتسوية ما بين التقشف والاستثمار، وفق ما يراه أنصار (ما بعد الكينزية). لذلك، بحسب رأيهم أيضًا، تقبّل الاقتصاديون التقليديون بسهولة التحليلات الكينزية.

حققت أفكار كينز انتشارًا واسعًا، واستمرت عقودًا من الزمن. وبفضلها حُققت معدلات نمو ظلّت في ارتفاع مُستمر طوال تلك العقود. وبعد تراجعها أمام صعود (النيوليبرالية) منذ ثمانينيات القرن العشرين لم تمت ولم تُمحَ. ثم عادت وانتعشت بعد أن عصف انهيار حاد في عام 2008 بالنظام المالي العالمي، الذي بدأت بوادره منذ بدايات القرن الواحد والعشرين، حين لجأت الدول مُضّطرة إلى تطبيق خطّة إنقاذ جون مينارد كينز، للحدّ من عواقب الأزمة. ففي الولايات المتحدة الأميركية -مثلًا لا حصرًا- أعلن رئيسها باراك أوباما في عام 2009 خطة لتحفيز اقتصادها، تضمّنت خفض الضرائب، وزيادة الإنفاق الحكومي. وتبين أن دفاع كينز عن سياسات التدخل الحكومية في الاقتصاد كان صحيحًا. فحين تتدخل الحكومات عن طريق الإجراءات المالية والنقدية يمكن تخفيف الآثار العكسية للركود الاقتصادي والكساد والتأثير في الوفرة الاقتصادية. وحقًا ما قيل، إن كينز ليبرالي مؤمن بدولة المؤسسات، ويقف في الوسط بين اقتصاد عدم التدخل والاشتراكية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق