مقالات الرأي

اللاجئون السوريون.. بين نار الحرب وذلّ اللجوء

منذ بدء النزاع السوري لم تكفّ بيروت والمنظمات الدولية عن إطلاق ناقوس الخطر حول الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الحصّة الكبيرة من اللاجئين الذين بلغوا، نحو مليون و600 ألف لاجئ، وعن بؤس اللاجئين الذين فرّوا من الصراع بحثًا عن الأمان لعائلاتهم وأطفالهم، ليعيش أغلبهم ظروفًا قاهرة في مخيمات مؤقتة في أنحاء البلاد، بسبب معارضة الحكومة إقامة مخيمات رسمية للاجئين، والقوانين المجحفة كقانون الإقامة وإشكالاته في الحصول على كفيل لبناني لاستمرار الإقامة، وهو ما عرّض السوريين للاستغلال، وقانون العمل الذي حصر العمال السوريين في قطّاعات الزراعة والنظافة والبناء، ويضاف إليه الكثير من المشكلات الأمنية والتضييق والممارسات العنصرية بحقّهم على يد الأفراد والسلطة في مداهماتها العشوائية لمناطق المخيمات التي ازدادت وتيرتها، بعد تفجيرات القاع في 27 حزيران/ يونيو 2016 وعلى الرغم من تأكيد السلطات أن لا علاقة للنازحين بها فلم تزل النظرة العامة إلى أن كل لاجئ هو خطر ومشروع مفجّر وانتحاري حتى يثبت العكس.

الانتهاكات كثيرة بحق السورييّن، وتعود أسبابها إلى موروث أيام الوجود العسكري السوري في لبنان، وإلى توتر العلاقة الرسمية بين سورية ولبنان، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، وانقسام القوى اللبنانية -قيادةً وسلطةً وشعبًا- حول الملف السوري وشرعية الرئيس السوري؛ ما انعكس على الهاربين من الموت في سورية، وتعود أيضًا إلى ما يعانيه لبنان من أزمة اقتصادية خانقة، يضاف إليها ما طُرح في آذار/ مارس 2014 على لسان الرئيس ميشال سليمان في باريس، وجرى تلخيصه بـ “أزمة وجودية”، وهذا يعني أن المشكلة الفعلية ليست في كل ما سبق ولا بكمية الدولارات التي يستجرّها لبنان، وقدّرت عام 2017 بـملياري دولار، إنما بالوضع الديموغرافي اللبناني فهو الذي يشكّل الميزان الفعلي لأوضاع اللاجئين والتعاطي معهم، ويتجلّى في التصريحات المتتالية لمسؤولي الدولة اللبنانية، بدءًا من الخطاب الذي ألقاه الرئيس ميشال عون في جلسة انتخابه، وقال فيه: “سنعمل على تأمين العودة السريعة للسوريين إلى بلادهم، وعدم تحويل مخيمات اللجوء إلى محميّات، وذلك بالتعاون مع الدول المعنية وبالتنسيق مع الأمم المتحدة التي سيلتزم لبنان بمواثيقها”، إلى دعوة الأمين العام لحزب الله في 12 شباط/ فبراير 2017 الحكومةَ اللبنانية إلى التنسيق مع الحكومة السورية لإعادة النازحين إلى مناطقهم، بعدما باتت مساحات كبيرة في سورية “آمنة وهادئة”، إلى  تصريحات رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في 1 نيسان/ أبريل 2017 بأن بلاده تقترب من “نقطة الانهيار” بسبب ضغوط اللاجئين، محذرًا من اضطرابات قد تندلع بسبب التوتّر بينهم وبين اللبنانيين.

خطابات الرعب اللبناني من اللاجئين السوريين المتستّرة خلف عباءة الوضع الإنساني والأزمات الاقتصادية لا تخفي عنصريتها الطائفية، فما يشكّله اللاجئون من ضغط ديموغرافي سنّي، يتشارك فيه حزب الله والتيار الوطني الحر، إذ إن إطالة أمد اللجوء ستؤثر على التركيبة الطائفية اللبنانية، وفي لبنان الذي يعتمد الديمقراطية الطائفية نظامًا سياسيًا، وتجري الانتخابات ترشيحًا واقتراعًا، بناءً على التوزيع الطائفي والمناطقي للمقاعد النيابية، فإن أي تغيير يعدّ خطًا أحمر. لهذا فمشكلة النازحين وبقائهم لها مخاطرها على لبنان “الطائفي” إذ إنها تؤهّل لانهيار لبنان، بتركيبته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والديموغرافية، تحت وطأة اللاجئين والانفجار السكاني الذي يحدث في المخيمات، خصوصًا أن عدد الولادات يفوق المتوقع، ففي لبنان يوجد جيل سوري جديد وُلد داخل المخيمات، وفقد الاتصال بأرضه الأم، وبدأ يندمج في البيئة اللبنانية، وقد سجّل 53 ألف حالة ولادة، بين عامي 2011 و 2015 ، والأرقام المتداولة في الصحف تتحدث عن مئة ألف ولادة، وفي ظل انعدام الثقة بالمجتمع الدولي الذي لم يُثبت قدرته على منع الفراغات والأزمات الدستورية في لبنان، أو حلّ أزمة اللاجئين الفلسطينيين سابقًا. وعلى الرغم من اختلاف الحالة ووجود تطمينات دولية بعدم انهيار لبنان، فإن الخوف من الكارثة الديموغرافية موجود، وحزب الله المثقل بالخسائر المادية والبشرية في سورية يخشى حين عودته إلى لبنان من مواجهة مدّ “سني” يُفقده إمكانية السيطرة على البلد، مع امتلاكه للسلاح.

الرغبة اللبنانية ودعوة الأمين العام لحزب الله الدولة اللبنانية إلى فتح المنافذ الدبلوماسية الرسمية المغلقة بين بيروت ودمشق للتفاهم والتنسيق على إعادة النازحين إلى مناطقهم التي تكررت في أكثر من خطاب، وآخرها خطابه في 12 أيار/ مايو الجاري، وتتطلب إعادة العلاقات كشرط لحلّ مشكلة اللاجئين، والخروج من الإطار الدولي الذي قد يعرّض لبنان للضغوطات، لأسباب تتعلق بالواقع الإقليمي والدولي وإبقاء الملفّات عالقة إلى حين إيجاد حلول للحرب في سورية، لكنه بالتأكيد سيضع اللاجئين بين فكّي كمّاشة، فالبقاء في لبنان الذي تحوّل إلى سجن كبير، تُمارس فيه بحقّهم الانتهاكات والإجراءات التعسفية، وسط صمت دولي مطبق، هو خطر على وجودهم، والعودة في الظروف الحالية أخطر؛ إذ إن الكثير منهم مطلوب في دمشق، إما لاتهامات سياسية أو لحمل السلاح أو للتهرّب من الخدمة العسكرية، وإن عودتهم، في هذه الأوضاع، تعني الاعتقال أو السوق الإجباري، وهي انتقال من الذلّ إلى الموت المحتمل.

مقالات ذات صلة

إغلاق