مقالات الرأي

كغريق يتعلق بقشة..

مع كل حدث -مهما كان حجمه- يترقب ملايين السوريين أن يكون ذلك الحدث هو القشة التي تقصم ظهر البعير، وتنهي المعاناة المستمرة منذ ما يزيد على ست سنوات، ولم يعد الأمر يتعلق بثورة على الاستبداد والديكتاتورية المتمثلة في نظام دمشق فحسب، ولكن في إنقاذ بلد بات أشتاتًا، وهو يتدرج انحدارًا من “مسلخ بشري” حسب تقرير منظمة (هيومن رايتس ووتش) الصادر في آذار/ مارس الماضي، وصولًا إلى “محرقة” كما أكدت تحقيقات أميركية، رصدت إقامة النظام محرقة في سجن صيدنايا لإحراق جثث أولئك الذين يُعدمون أو يموتون تحت التعذيب، وقد استبشر السوريون خيرًا، على الرغم من فداحة هذا الخبر، في أن أيام الطاغية قد باتت معدودة، فتحول سورية إلى محرقة يعيد إلى الأذهان السنة الأخيرة في حقبة الديكتاتور الألماني أدولف هتلر ومحارقه الشهيرة، وتحول سورية إلى محرقة يعني أيضًا أن الطغيان بلغ ذروته، وفق المفهوم الأميركي الذي ظل يماطل طوال السنوات الماضية، ويلوح بعصا غليظة لم يستخدمها سوى حين تبدلت إدارة البيت الأبيض، ومع أن الرئيس ترامب قد يكون واحدًا من أسوأ الرؤساء الذين وصلوا إلى سدة الحكم في واشنطن إلا أن تهديداته المستمرة ضد نظام دمشق حولته إلى “بطل” في عيون الكثيرين منا، فاستبشروا به خيرًا، إيمانًا بواقعية أن الحل السوري لإنهاء النظام صار ضربًا من خيال، فالمسألة السورية تم تدويلها منذ زمن بعيد، وصار اللاعبون الدوليون هم من يرسمون خطوطها العريضة بل عناوينها الفرعية أيضًا، مع ضرورة التأكيد على أن أي جهة سورية قد تتصدر المشهد مستقبلًا لن تكون صاحبة قرار، بل سيؤتى بها، وهي إنما ستأتي لتنفيذ ما تؤمر به، وهذا المسار مهما كان سيئًا في نظر الكثيرين منا إلا أنه يظل أفضل بما لا يقاس مما تفعله العصابة الحاكمة الآن التي التزمت بأن تكون مؤتمرة بالأوامر الإيرانية الروسية، وتلك الأوامر هي التي أوصلت الأمور إلى هذه النتائج الكارثية التي نأمل ألا تستمر أكثر.

إذًا، تتصدر الولايات المتحدة المشهد كونها عقدت العزم، حتى الآن، على تأديب ذلك الطاغية، وإزاحته، كي يتاح لها، فيما بعد، أن تفرض رؤيتها لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، من قاعدة ثقتها المطلقة بأنها ستخرج منتصرة من هذا الصراع سواء مع الدب الروسي المنهك، أم مع عمامة المرشد التي تؤرق الرئيس ترامب أكثر من أي شيء آخر في العالم، ولا شك أن زيارته إلى العربية السعودية ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل إنها تحمل مضامين كثيرة لعل أهمها هو أن واشنطن تقف مع حليفتها التقليدية في المنطقة، وهذا يعني بالضرورة وقوفها ضد المشروع الإيراني الذي تحاول الرياض جاهدة التصدي له، في الجارة اليمن بداية وصولًا إلى سورية بطبيعة الحال، ومن دون أن نرفع سقف توقعاتنا أكثر مما يجب كما جرت العادة دائمًا، لأن السياسة الدولية عودتنا أنها لا تكترث كثيرًا بمشاعر البؤساء، وهي لغة مصالح أولًا وأخيرًا، فإن الضغط المطلوب حاليًا ينبغي ألا ينحصر في إزاحة نظام بشار الأسد، وهو ما تعارضه روسيا بشدة إن لم يتوفر بديل مناسب يضمن لها مصالحها مستقبلًا فحسب، بل في إدراج المنظمات الإيرانية الطائفية على جدول الأعمال الأميركية-الأوروبية لمحاربة الإرهاب؛ وهذا من شأنه أن يضعف من قدرة إيران وسيؤدي بالضرورة إلى تداعي النظام وسقوطه بشكل تلقائي، فهو من دون الدعم الإيراني اللامحدود أكثر عجزًا من أن يصمد شهرًا واحدًا فقط، وقد تحدث كبار القادة العسكريين الإيرانيين عن ذلك، ولم يعد الأمر خفيًا على أحد. وبما أننا نلتقي في هذه النقطة مع رغبة الإدارة الأميركية، أي العداء لإيران، فإن استثمارها سيرفع أسهم متصدري المشهد المعارض، من مفاوضين وسواهم، وسيمنحهم قربًا أكثر من صانع القرار الأميركي، لعل وعسى أن يكون هذا الخيار كفيلًا بإنهاء المأساة السورية، علمًا أن واشنطن لديها هذه الرغبة أيضًا، أي في إدراج ميليشيات إيران على قائمة المنظمات الإرهابية وقد عرض اقتراح بوضع الحرس الثوري الإيراني في تلك القائمة، لكن ترتيبات معينة حالت دون تنفيذ ذلك المقترح.

لعل القصف الأخير الذي نفذته طائرات تابعة لقوات التحالف الذي تتزعمه واشنطن، واستهدف، قرب منطقة التنف، قافلةً عسكريةً تابعةً لإيران، يكون فاتحة لذلك العمل الأميركي، وسوف تُشكّل ضربات جوية مماثلة تطال حزب لله والفاطميين والزينبيين وأبي الفضل العباس وسواها من تلك الميليشيات، خير وسيلة للضغط على نظام دمشق في مفاوضات مفتوحة سينقاد إليها ساعتها مجبرًا لينقذ نفسه على أقل تقدير، قبل أن تصل النار إلى قصره ويتحقق حلمه بأن يكون “شهيدًا” على طريقة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

ومن دون أن نحمّل المعارضة السورية أكثر مما تستطيع فعله، وهي فعلًا طالبت بإدراج المنظمات الإيرانية على جدول الإرهاب، فإننا نأمل أن تعدّ هذا المطلب أولوية سواء في المفاوضات الجارية حاليًا، أم في مفاوضات مقبلة، وتتخلى قليلًا عن تمسكها بثوابت تدرك سلفًا أنها لن تنالها، ما لم تكن قوية بما يكفي على الأرض لفرض ما تريده في الأروقة السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق