كلمة جيرون

الأمعاء الخاوية

دماؤنا ما زالت تغطي وجوهنا، تنزف مباشرة من عيوننا وقلوبنا المثقوبة بالرصاص. بيوتنا مهدمة خاوية، أهلنا مشردون نازحون، بلادنا ممزقة، وقاذفاتنا ما زالت “تخبز السكان” كما قال درويش أيام حصار بيروت “أمريكا وراء الباب.. أمريكا”! لكن القاذفات -هذه المرة- روسية، صديقة، وليست إمبريالية، يا أصحاب الأمعاء الفارغة!

شامة الأرض التي تعرفونها خرجت عن صمتها، بعد نصف قرن من حكم العسكر، صرخت في وجوههم مطالبة بالهواء، فجاء الجواب دخانًا، ودمارًا، وقتلًا، وتشريدًا. مشت دباباتنا على لحمنا، عجنت عظامنا بالإسمنت، وأصبح قاسيونُ دمشقَ عدوَّها وغولها، بعد أن كان حارسها ونبراسها. دموعنا حلّت محل الماء في نوافيرنا، بحيراتنا وفساقِيّنا امتلأت بالدم، وصارت المآذن تزفر، مع الله، آهات وأنينًا ودخانًا. شامة الأرض التي علمتنا الأبجدية والغناء، عاصمة الدنيا التي لا تعتب ولا تعاتب أخواتها، لا تُغتصب ولا يمكن ترويضها، تاج التاريخ، مهد الجوز والدّراق والمشمش البلدي، المدينة الياسمينة التي إذا ضحكت ازدهر الفُلّ فوق أهداب شبابيكها، وإن بكت سقت الغوطتين بماء عيونها. الشامة التي لا تهرم ولا تُهزم، مكتبة الأرواح، متحف العرائش والزخرفة، معرض الحمام والقباب والأقواس والتكايا، قناطر الحنان التي تنحني الآن على الألم والكبرياء… سورية -التي تعرفونها- أصبحت محروقة، مقطّعة الأوصال بالحواجز والجيوش. لكننا مع ذلك نستطيع أن نجمع باقات من الورود الشامي وأقحوان السهوب والوديان، وحبق الشرفات والزنبق البري، ونقدمها إلى أشقائنا الفلسطينيين.. أصحاب الأمعاء الخاوية.

نستطيع أيها المضربون عن الطعام، في سجون الاحتلال، أن نمد سواعدنا، عبر قضبان الحديد، ونلوح بها، تحية لكم ولذويكم؛ نيابة عن عشرات، إن لم نقل مئات الألوف من النساء والأطفال والرجال السوريين القابعين في الزنازين مثلكم. لكنهم لا يملكون أمعاءً؛ سواء كانت ممتلئة أو خاوية! لا يملكون أي حق من حقوق السجين؛ بما في ذلك حق الملح.. حتى حق الموت بات في يد السجان!

هنا، لا طعام يؤكل -إن وجد الطعام- لا ماء، لا هواء، لا دواء… هنا، ينتشر الجرب والأمراض السارية والحشرات، ويقتل السجين تحت التعذيب، بدم بارد، أو يحرم من الأكل حتى الموت. هنا، يتم الاغتصاب الجسدي والنفسي، ويُجبر الناس المحترمون على التبول أو التبرز في ثيابهم أمام الآخرين! هنا، يختلط الأموات بالأحياء؛ يتناوبون على النوم والموت، بسبب ضيق المكان! هنا دمشق، قلب العروبة الميت، أيها الأحياء، قلب الكرة الأرضية المريض! نعش القيم الإنسانية وشرعة حقوق الإنسان.

عشرات الآلاف منا خُطفوا وما زال مصيرهم مجهولًا منذ سنين، سوريون وفلسطينيون؛ لا أحد من ذويهم يعلم إن كانت أمعاؤهم ما زالت تنبض بالحياة، أم أنها توقفت عن الأيض تحت التعذيب! لم يُقدَّموا؛ حتى إلى محكمة صهيونية جائرة، أو يمثلوا أمام قاض منحاز. لم يزاحموا الطغاة على السلطة والثروة، لم يطالبوا بحصتهم من النفط والفوسفات! ذنبهم الوحيد أنهم خرجوا من أجل الحرية والكرامة. لم يحملوا سلاحًا في وجه أحد، بل حملوا الماء والورد والمشاعر الوطنية. لم يحملوا راية أي تنظيم إرهابي، فالإرهابيون –أيضًا- اعتقلوهم وذبحوهم بالسكاكين. تهمتهم الوحيدة أنهم وقفوا ضد محور المقاومة والممانعة، وأنهم عملاء للإمبريالية والمؤامرة الخارجية، وللعدو الصهيوني الذي يعتقل -اليوم- الآلاف منكم! هؤلاء الغائبون الحاضرون الذين أدخلوا إلى الموت عنوة، ما زالت أرواحهم تطل -كل فجر- من نوافذ بيوتنا وشقوق جدرانها المدمرة، وهي قادرة على التضامن معكم، والشدّ على أيديكم، عبر كوى الزنازين والأسلاك الشائكة والمسافات.

تحية لكم، وللشعب الفلسطيني العظيم، وإن كنتم قادرين على كسر إرادة الكيان الصهيوني بأمعائكم الخاوية، فمعتقلونا قادرون على كسر إرادة الطغاة بعظامهم وأرواحهم العارية. ما نأسف له حقًا، أننا لا نستطيع الوقوف إلى جانبكم والتضامن معكم، بالخروج إلى الشوارع والساحات، كما يفعل أهلكم -الآن- في فلسطين المحتلة.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق