سورية الآن

ظريف.. كاد المريب أن يقول خذوني

في أحدث إطلالة له على الرأي العام العربي، وفي توقيتٍ لا تخطئه عين المراقب، يخاطبنا وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، وكأنه أستاذ يلقي على طلابه درساً من خارج المنهاج المدرسي المقرّر، يصول فيه ويجول، ثم يعيد فيه ويزيد، من دون أن يلتفت، ولو مرة واحدة، إلى أن هؤلاء الطلاب قد شبّوا عن الطوق، وأنهم باتوا يفهمون المكتوب من عنوانه، يميزون بين الغث والسمين، ويضيقون ذرعاً بالمتحدّث، إذا بالغ في قلة احترامه عقول مستمعيه.
هكذا هي رسالة جواد ظريف المنشورة باللغة العربية، في صحيفة “العربي الجديد”، أمس السبت (21/ 5/ 2017)، حيث عمد من خلالها وزير الخارجية، دائم الابتسامة، إلى استثارة العواطف الساذجة أكثر من مناقشة العقول المتفتحة، متباكياً على حال المسلمين، الذين أسهمت أذرع إيران، بحصة الأسد، في إضعافهم ونشر الفتنة بينهم، وتعميم الفوضى والاضطراب في العديد من بلدانهم، لإفشال أنظمة الحكم لديهم، وتقويضها في نهاية المطاف، تماماً على نحو ما تقصّه علينا جملة التدخلات الإيرانية الفظة في كثير من أمصار العالم العربي.
ولولا أن هذا الكلام صادر عن وزير خارجية البلد الذي أدار الحروب تحت مختلف الذرائع، وشجّع الانقسامات المذهبية، وأذكت تدخلاته المباشرة، بالمال والسلاح والمليشيات، حروباً ما تزال تستعر، لا سيما في العراق والشام واليمن، لأحسنّاً الظن بالثعلب الماكر، وهو يرتدي ثوب الناسك الزاهد، وغضضنا البصر عن مخالبه التي تقطر دماً.
بكلام آخر، هل يمكن للمرء أن يثق بمشعل الحرائق إذا ارتدى بزّة رجال الإطفاء؟ وهل يمكن لحفّار القبور أن يزرع الزهر، وأن يربّي النحل، أو يعزف على العود؟ إذ أحسب أن هذه هي حال إيران مع العالم العربي، وأن هذه هي صورة الجمهورية الإسلامية في المخيال العربي العام، منذ أفصح قادة الحرس الثوري عن مشروعهم الامبراطوري التوسعي، غداة انهيار حالة التوازن الإقليمي إثر اجتياح العراق، ثم راحوا يصبّون الزيت على نار الحرائق التي اندلعت في المحيط العربي، خلال السنوات السبع العجاف.
يحدّثنا جواد ظريف بتكلفٍ شديد، ويحثّنا على ضرورة عدم الانسياق وراء عملية التخويف من إيران، وعن نماذج كثيرة من واقع تعاون بلاده مع كل من أفغانستان والعراق، ونسي أن يحدّثنا عن تحقيق الأمن والاستقرار الذي جلبه هذا التعاون مع نظام الأسد للشعب السوري، وعن مدى مساهمة طهران في إعادة البناء والتنمية في بلد كاليمن، وحدّث ولا حرج عن الدعوات الطيبات الصالحات، على ألسنة قادة المليشيات في كل مكان.
لكن السؤال المركزي هو؛ ما الذي يحدو بوزير خارجية إيران على مخاطبة العرب على هذا النحو المفتقر إلى الكياسة، وهو يتلو عليهم نصيحة وراء أخرى، في آداب التعامل مع بلاد آيات الله؟ هل هو نتيجة قلق أخذ يدبّ في أوصال أصحاب مشروعٍ توسعيٍّ شارف على الوصول إلى طريق مسدود؟ أم هي الخشية من جملة تطورات سياسية تلوح في أفق قريب، قد تضع إيران في موقع الدفاع، بعد أن ظلت في موقع الهجوم منذ سنوات طوال؟ أم أن هناك من اتعظ واستفاق من غفلته، وقرّر طي صفحة التنمّر على العالم العربي، وذلك قبل أن يرتدّ السحر على الساحر، وتنقلب الطاولة على رؤوس الأوغاد؟
مثل هذه الأسئلة وغيرها الكثير، تطرح نفسها بنفسها، ونحن نمحص الكلمات المتقاطعة في هذا النص المنشور، ونقرأ ما بين السطور من ألغازٍ لا تحيّر العقل كثيراً، إذا ما وضعنا هذه اللغة التصالحية الفارغة من كل مضمون، في سياقٍ أوسع من المتغيرات الجاري بلورتها في المحيط المجاور لإيران، ناهيك عن التحول المتواصل في الموقف الأميركي في مرحلة ما بعد باراك أوباما، إزاء ما تعتبره واشنطن “الدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم”.
ومهما بدا عليه ظاهر خطاب جواد ظريف من تشاطر، لن تتمكّن إيران، المبتلاة بخطابٍ مدججٍ بالعنجهية المفرطة، من التخلص من باطنيتها السياسية، أو الكفّ عن لغتها المزدوجة، أو قل انفصام منهجها بين القول والفعل، وهي تتحدّث على لسان وزير خارجيتها عن الأخطاء التي ارتكبتها دول الجوار بحق إيران المسالمة، وعن “مآثر” طهران الماثلة للعيان، وعن أيديها “البيضاء” في إقامة البنى التحتية، وبناء المدارس والمستشفيات والجامعات والمصانع في العراق وسورية واليمن وغيرها من البلاد التي مزقتها إيران.
إذن، على من يقراً جواد ظريف مزاميره، وهو يكاد أن يقول “خذوني”، فيما بلاده لا تتقن غير لغة الاستعلاء على العرب، ولا تعرف من أوجه “التعاون” إلا إرسال المزيد من المليشيات، وصناعة فرق الموت، وتدبير الاغتيالات، فضلاً عن السيطرة على أربع عواصم عربية، والحبل على الجرار. فمن ذا الذي يصدّق إيران وهي تعرض المشاركة في الحرب ضد التطرّف والإرهاب، جنباً إلى جنب مع الدعوة إلى العمل سوية لإعادة الأمن والاستقرار؟
ولعل أطرف، حتى لا نقول “أظرف” ما جاء في رسالة جواد ظريف هذه، الموجهة للعرب بلغة الضاد، إعرابه عن استعداد بلاده “لإهداء السلام إلى المنطقة” والمساعدة – كذا- في تحقيق التنمية والتقدّم في الدول المجاورة، في وقتٍ لا يطلب فيه العرب من هذه الدولة الموغلة في دمائهم، والتي استمرأت العبث بأمن واستقرار كل ما تطاوله أيدي المليشيا المذهبية، سوى الكفّ عن أذاها، عن شرّها المستطير، والتوقف عن التدخل في شؤون غيرها، واحترام سيادة الدول المحيطة بها، خصوصاً في دول الخليج.
وإلى أن نرى أقوال إيران تنسجم مع أفعالها، فإن أحداً في العالم العربي، ممن لدغته أفاعي الجحور الإيرانية، لن يشتري مثل هذه البضاعة المسمومة، حتى وإن أعيد تغليفها بورق السولُفان، وإن عاقلاً في البلاد التي اكتوت بالنار الإيرانية غير المقدّسة، لن يغرّه هذا الكلام المفتقر إلى الصدقية. وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فقد قيل قديماً إنه يمكن لك خداع كل الناس بعض الوقت، أو خداع بعض الناس كل الوقت، غير أنه لا يمكن لك خداع كل الناس كل الوقت.
(*) كاتب أردني

مقالات ذات صلة

إغلاق