أبحاث ودراسات

حزب الله والأنموذج السوري

(المقال الفائز بالمرتبة الأولى (مناصفة) بـ “جائزة حسين العودات للصحافة العربية” لعام 2017).

تعدُّ ظاهرة حزب الله اللبناني -اليوم- رأسًا لهرم من الظواهر الطائفية في المنطقة، التي تعود جذورها البعيدة إلى المسألة الشرقية، بينما تعود جذورها الأقرب إلى ولادة الأنظمة العسكرية بعد الاستقلال، بالتوازي الضدّي مع ولادة إسرائيل.

ويقوم الأساس النظري للطائفية السياسية على ركيزتين: الأولى، هي العمل على مظلومية موجودة أو تاريخية، ومن ثم؛ أسطرتها عقائديًا وتوظيفها سياسيًا. والثانية، هي الارتباط بدولة؛ أو دول، خارجية حامية، وتقديم العلاقة بها على العلاقة بأبناء البلد الداخليين؛ لذلك، يمكن القول إن النظام الطائفي هو نظام ضد- دولة، في جذره التكويني ذاته، حتى لو بنى دولة على شاكلة الدولة الهشّة التي بناها نظام الأسد.

لكن هناك نوعان أو أنموذجان حاكمان للنظام الطائفي في المنطقة: الأنموذج الأول هو الأنموذج السوري، وهو نظام طائفي بمعنى الـ”sectarian regime”، ويتمثّل في حكم أقلوي لا يستند إلى حجم الطائفة ولا إلى قوتها الحقيقية، ولا يستند عقائديًا في الحكم إلى الدين أو المذهب بل إلى الأيديولوجيا، لكن الأيديولوجيا؛ وكانت قومية يسارية في الأنموذج السوري والعراقي أيضًا، لا تشكل سوى القشرة الرقيقة التي تضفي نوعًا من الشرعية على الحكم، أما اللب الحقيقي لذلك الحكم، فقد بقي طائفيًا بامتياز، يعزز المظلومية التاريخية للطائفة، ويبني المخاوف الداخلية فيها، ويعزز سرديات الطوائف الأخرى ضدًا، فيمنع الاندماج الوطني الذي تجلبه المواطنة، ليترك الانقسام والتساكن الطائفي هو السيّد والسائد عبر تعزيز جميع الولاءات ما دون الوطنية.

الأنموذج الثاني هو الأنموذج اللبناني، وهو نظام طائفي بمعنى “sectarian system”. وفي هذا النظام يعتمد الحكم على التوازن الطائفي وقوة كل طائفة وحجمها، والنظام الطائفي هنا هو نظام مُعلن وصريح، لا يكتفي بالمظلومية التاريخية، ولا تخدمه وظيفيًا تلك المظلومية بقدر ما يعتمد على الارتباط بقوى خارجية، تعزز قوة الطائفة أمام الطوائف الأخرى، وترفع الولاء الطائفي، صراحة وضمنًا، فوق الولاء الوطني.

تجمع إسرائيل بين الأنموذجين، فتسند طائفيتها وعنصريتها تجاه الفلسطينيين والعرب إلى عُنصريّْ المظلومية والارتباط الخارجي معًا، بينما يستفيد نظام الأسد من وجود إسرائيل، ومن عنصريتها، ومن عدائه المزعوم لها؛ ليجذِّر حكمه وتحكمّه بالسوريين، ويفعل حزب الله الأمر نفسه مع اللبنانيين عامة، والشيعة خاصة، وذلك بتصاعد منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي حتى اليوم.

تتحول الطوائف إلى “وحدات” سياسية في النموذج اللبناني، وهذا ما شكّل سابقًا “المارونية السياسية”، ويشكل اليوم “الشيعية السياسية”، بينما يُمنع الكلام في الطائفية في الأنموذج السوري، لا لأن النظام علماني أو مساواتي في الحقيقة، وإنما لأن أي كلام مُعلن في الطائفية سيهدد شرعية النظام الأقلوي الحاكم، فتبقى الطوائف وحدات اجتماعية ثقافية متراصفة، مع قابلية عميقة لأن تتحول إلى وحدات سياسية مع أيّ أزمة تعصف بالنظام العام.

في التاريخ اللبناني كان كل صعود لنفوذ طائفة، ومحاولة لاستقوائها على الطوائف الأخرى، واحتكارها السلطة، يؤدي إلى حروب أهلية ومذابح على شاكلة مذابح 1860، عندما صعد النفوذ المسيحي، وأقام دويلة مارونية في قلب الدولة العثمانية الضعيفة حينذاك، مثلما أدى صعود النفوذ السنّي في النصف الثاني للقرن العشرين، عبر التحالف مع الناصرية والقوى الفلسطينية إلى تحالف الموارنة مع الإسرائيليين، وقد باء كلاهما بالفشل؛ نتيجة دخول الاحتلال السوري، وتصفيته الجميع عبر تصفية القوى الفلسطينية أولًا؛ ولا سيما منظمة التحرير، ثم تصفية القوى المسيحية ثانيًا، بعد أن كان تحالف الأسد معها سابقًا؛ ليفرض الاحتلال السوري نفسه مفاوضًا أساسيًا مع إسرائيل، ويخلق توازنًا طائفيًا هشًا في لبنان، تحت زعامته الفعلية والأمنية. ويمكن أيضًا مقارنة صعود النفوذ الشيعي منذ نهاية القرن العشرين مع صعود النفوذ الماروني منتصف القرن التاسع عشر؛ إذ إن النفوذ الشيعي الذي يأخذ اليوم أعلى تجلياته في حزب الله، بدأ حركةً “وطنية”، أي: “حركة المحرومين” مع موسى الصدر، ومن ثم؛ أفواج المقاومة اللبنانية (أمل)؛ ليتحول إلى حركة طائفية ضاربة مع حزب الله، وتابعة كليًا لولاية الفقيه في إيران، ومن المعروف أن أهم ما جاءت به الثورة الخمينية في إيران هو تحويل الإسلام من دين إلى أيديولوجيا سياسية بديلة من الأيديولوجيات العلمانية والقومية واليسارية التي فشلت -في اعتقادهم- في قيادة المجتمعات والدول.

الجديد في صعود النفوذ الشيعي متمثلًا بحزب الله، هو دخول الأنموذج السوري في صلبه التكويني. والجانب المهم في الأنموذج السوري، هو أن نظام الأسد لم يترك للطائفة العلوية أي خيار بديل عنه، بل ربط مصير الطائفة بمصيره بالقوة، وذلك عبر إذلاله للسوريين الآخرين، وزرع الشعور الوهمي بالسلطة والقوة؛ حتى عند فقراء ومحرومي الطائفة العلوية التي تحولت إلى خزان كبير للتشبيح الطائفي؛ نتيجة الشعور العميم بالتفوق، وبأن الدولة دولتهم والسلطة سلطتهم، وأن أي تغيير حقيقي سيعيدهم إلى الصورة المزروعة في مخيالهم عن مظلوميتهم، بينما جرى التعامل مع المعارضين والوطنيين من الطائفة ذاتها بأقصى أشكال العنف والعقاب. الأمر ذاته قام ويقوم به حزب الله مع الشيعة في لبنان، فهو يربط مصيرهم بمصيره ربطًا تامًا، عبر تقديم الخدمات والرعاية الاجتماعية والطبابة والمدارس والخدمات الأخرى، من جهة، وعقاب كل من يخرج عن “العقد الاجتماعي” الذي بناه، من جهة أخرى، فمنذ خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005، بدأ يتحول حزب الله إلى نظام “regime” النظام اللبناني، ويصنع “تشبيحًا” شيعيًا قائمًا على الإحساس بالتفوق والقوة الوهمية، لكن المنتشرة بقوة ضمن المجتمع الشيعي، ويجعل حتى أشد فقراء ومحرومي الطائفة الشيعية يتصرفون وكأن الدولة دولتهم والسلطة سلطتهم، ومن ثم؛ يمكنهم أن يعتدوا على أيٍّ كان، ويخرقوا كل القوانين من دون أن يتمكن أحد من محاسبتهم. وما فعله ويفعله “شبيحة” حزب الله وحركة أمل في لبنان، منذ 7 أيار/ مايو 2008 حتى اليوم، لا يدل إلا على شعورهم العالي بالقدرة على تهديد وضرب أي معارضة فردية أو جماعية “لسماحة السيّد” بالحديد والنار، وهذا ما يذكرنا بشعار “الأسد أو نحرق البلد” الذي نُفذ حرفيًا في سورية، وهو ما يبدو أن حزب الله جاهز لتنفيذه في لبنان، إذا ما تعرض أي من مصالحه للخطر، وهو -أيضًا- ما يترك بقية اللبنانيين بلا خيارات واسعة، في الحقيقة، فإما العودة إلى الحرب الأهلية التي يجري تأجيلها، ولا رغبة لأحد بالعودة إليها، أو القبول بكل ما يفرضه حزب الله على الدولة وعلى المجتمع، مثل فتح الحدود والتدخل في سورية، أو السيطرة على المطار، أو منع الاقتراب من سلاحه واتصالاته، أو تهديد المصارف التي جربت الالتزام بالعقوبات المفروضة ضده… إلخ.

لا يبدو واضحًا مستقبل التعايش السلمي بين الطوائف في المنطقة أمام الخيارات الحديّة التي يضعها النظام السوري وحزب الله أمام السوريين واللبنانيين، لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا وملحًا على المنطقة بأسرها، هو: كيف يمكن الانتقال من المظلومية إلى الديمقراطية، فإسرائيل تبني عنصريتها الحالية على مظلوميتها السابقة، ويفعل مثلها الشيعة في العراق ولبنان، وكذلك يفعل الأكراد حاليًا في الشمال السوري، بينما تتطور مظلومية سنية في سورية والعراق لا تَعدُ أقل من رد المظلومية بظلم جديد.

مقالات ذات صلة

إغلاق