أدب وفنون

من الثورة الظاهرية إلى الثورة الحقيقية العميقة؟

ما يعطي الثورة صفةَ حدث ثوري تاريخي، هو ما تُحدثه من تغيير في مسار بنية الأفراد والجماعات والعالم، وفي معظم بُناهم الدينية الفكرية والثقافية، الطائفية، السياسية والاقتصادية… إلخ، وفي شعارها بالحرية والكرامة، ومطلبها بالتخلص من استبداد الأنظمة الحاكمة، وجذورها المترسخة في المجتمع بكل جوانبه؛ لأنه لا يمكننا فصل تحقيق الحرية والكرامة -بوصفها مطلبًا حيويًا مهمًّا من حق الشعوب- عن صراعها مع الاستبداد وجذوره المترسخة في المجتمع الذي أعدم، بشكل عام، حرية الفرد والجماعة الطائفية والقومية.

وإذا نظر أيّ شخص في هذه المجتمعات التي يتعلق مصيره بوضعها وتغييرها -وهو جزء منها- ولا سيّما في واقعنا السوري، لوجد أن هذا التغيير تحقق على مستوى ظاهري منذ بدء الثورة والاحتجاجات، لكن العقبة التي واجهته هي أن الظرف لم يكن مساعدًا لتشكيل وعي عميق، يحقق التغيير الحقيقي للثورة، سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى النخب.

لا بدّ لأي حدث من أن يمر بمراحل، والثورة -وهي حدث- بدأت بشكل ظاهر حسي باطني متمرد، ولا بد لهذا الحدث من أن يصل إلى ثورة عميقة حقيقية، تُشكّل وعيًا أكثر من يوم انطلاقها، وممّا كانت عليه في السابق، وتبني طرقًا أكثر فاعلية في تحقيق مطالبها.

المواطنة وبناء الوطن وتشكيل أنظمة علمانية ديمقراطية هي الهدف المهم الذي تتجه إليه الثورات، في تحقيق ذاتها المتصارعة مع الاستبداد، ولا بد من إطاحة النظام القديم القائم وتغيره وتجديده، باعتباره نظامًا استبداديًا شموليًا لا يصلح سوى لتدمير وتخريب الإنسان والواقع؛ أي لا ينفع، بأي شكل من الأشكال، بقاؤه أو إصلاحه، أو بقاء المفاهيم والقيم التي أسسها، وساعدته على البقاء والاستمرار، من مفاهيم سياسية، دينية، طائفية، علمية، أو اقتصادية. إن الثورة يجب أن تشمل بتغييرها كل جوانب المجتمع في ظل حكم الاستبداد.

يتحقق هذا في صراع الثورة الظاهري مع الاستبداد، وقد تقوم بعض بنى المجتمع بصراع وطني طائفي، حيث إن بعض الأفراد والجماعات يريد أن يبني وطنًا، يعتمد على النظرة الخاصة بالذات وجوهرها الطائفي المكون للطائفة والجماعة والروح العامة لها، والوعي بها وتمثيلها في مُقدّسها وثقافتها، في النظام السياسي والعقد الاجتماعي، أو بناء نظام وفدرالية خاصة به، ليكون مستقلًا بجوهره عن الآخر المختلف عنه، باسم الطائفة أو الثقافة في بعض المناحي. والتحدي الذي يُلازم مسيرة الشعوب والمجتمع الذي يسعى للتغيير هو كيفية بناء وطن موحد، يجمع الأسس المشتركة والمتنوعة ضمن وطن واحد، وإلا افتقدت الثورة معناها الحقيقي، وفشلت في تحقيق التغيير.

هذا الصراع يحمل معه أيضًا صراعًا طبقيًا رأسماليًا سياسيًا، يكون إقليميًا وعالميًا وداخليًا، يستفيد من بنية الصراع الطائفي السياسي الطبقي. وإن أبرز ما يُميّز مسيرة الثورات أو الحروب هو دخولها في هذين النمطين من الصراع الداخلي والخارجي، وانقسام الولاءات والمواقف والاصطفافات حولهما، وقد يرافقهما ارتكاب جرائم حرب بحق المعارضة والموالاة للثورة، وضد الشعب والمدنيين العزل، باستخدام أبشع أنواع الأسلحة، وبانتهاك الاتفاقيات الدولية.

لكي نحقق تقدمًا على المستوى الداخلي في الثورة، أو في مسيرة التغيير، لا بدّ أن نحقق أمرين مهمّين: الأول تجاوز الصراع الطائفي الطبقي السياسي المتداخل بالقومية والإثنية والدين، وهذا يتم عبر ثورة حقيقة عميقة، أي بانحلال الطائفة وتفكيك دعائهما ومسلماتها وبديهياتها، وتغيير في سلطة القائمين عليها، ودحض أسسها القوية القائمة في المجتمع، وبثورة فكرية تنقلنا من الانتماء إلى الطائفة إلى انتماء وجودي إنساني كوني، يُحسن مفهوم المواطنة في ثقافتنا، وبقاء الحركات الدينية والقومية من الشقين السياسي والعسكري، وتلك التي تُناضل لتحقيق التغيير أو الحفاظ على نفسها وبقائها، لا يفيد هدف الثورة والتغيير لإقامة مواطنة تبني وطنًا تشاركيًا حقيقيًا.

الأمر الآخر هو محاسبة الذين ارتكبوا جرائم في الحرب ضد المدنيين والعزل، إضافة إلى محاسبة الأطراف الخارجية التي ارتكبت جرائم حرب، والعمل على أن تعوّض الحقوق في إعادة الإعمار، ومن دون ذلك لا يتحقق هدف مركزية بناء وطن ودولة وجمهورية لها سيادتها وحقوقها، وتهتم بكرامة شعبها، وستذهب الجماعات والشعب إلى عبودية أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق