تحقيقات وتقارير سياسية

“الأونروا” تضيق ماليًا…تفاقم أزمة اللاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان

ذكرت منظمات حقوقية وإعلامية فلسطينية، تعمل في سورية ولبنان، أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” اقتطعت جزءًا من الإعانات الماليّة الشهرية التي تقدّمها لهم.

ونقلت “مجموعة العمل لأجل فلسطينيي سورية”، ومقرها لندن، شكاوى عدد من اللاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان، وقال تقرير “المجموعة” الذي وصلت نسخة منه لـ “جيرون”: إنّ “وكالة الغوث (الأونروا) تقوم باقتطاع مبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية، أي ما يُعادل 6 دولارات شهريًّا، من قيمة المعونة البالغة 310 آلاف ليرة لبنانية، وذلك من دون بيان أسباب ذلك الاقتطاع”.

كما أوردت “المجموعة” في تقريرها شهادات لعدد من اللاجئين، أكّدوا فيها خصم المبلغ المذكور من المعونة (6 دولارات من مبلغ 27 دولار بدل غذاء لكل شخص)، خلال الشهرين الماضيين، مبدين امتعاضهم من هذا الإجراء الذي يؤثر سلبًا على معيشتهم؛ نظرًا إلى اعتمادهم الكبير على المعونات الماليّة المقدمة من قبل الوكالة، في ظل واقع البطالة وغلاء الأسعار الذي يعيشون تحت رحمته في لبنان.

ونقلت “بوابة اللاجئين الفلسطينيين” في بيروت شكاوى عدد من اللاجئين الفلسطينيين السوريين، من قيام وكالة الغوث (الأونروا) باقتطاع جزء من حساب العائلات الفلسطينية السورية الموجود في بطاقة الصراف الآلي، من دون أن تبدي الأسباب الحقيقية لذلك الإجراء.

وطالب اللاجئون (الأونروا) في لبنان بتقديم شرح وتوضيح لهذا الخصم غير المبرر، الذي طال شريحة واسعة من المستفيدين من مساعداتها المالية، معتبرين قيام الوكالة الدولية باقتطاع هذا المبلغ، من بطاقة الصراف الآلي الخاصة، بهم عمليةً غير قانونية.

وبحسب مصادر فلسطينية في العاصمة اللبنانية، فإنّ معونة (الأونروا) الشهريّة، للاجئين الفلسطينيين السوريين في لبنان، هي 100 دولار بدلَ إيجار للعائلة، بالإضافة الى مبلغ 27 دولارًا، بدل غذاء لكل شخص، وهي معونة قليلة ولا تقارب حافّة خط الفقر العالمي، المحددة بدولارين يوميًا للفرد الواحد؛ ما يجعل أيّ اقتطاع فيها كفيلًا بمفاقمة الفقر لنحو 32 ألف لاجئ فلسطيني سوري مهجّر في لبنان.

وتقدّر (الأونروا)، في تقرير أصدرته مؤخرًا حول حجم أزمة اللاجئين الفلسطينيين السوريين، أنّ 400 ألف لاجئ فلسطيني سوري، ممن كانوا يُعيلون أنفسهم، باتوا اليوم بحاجةٍ إلى مساعدة إنسانية؛ مبينة أنه لجأ من هؤلاء نحو 32 ألفًا إلى لبنان، و4,500 إلى الأردن، وفرَّ بعضهم الآخر إلى تركيا والعراق ومصر.

وشددت الوكالة الدولية على أنّ موجة النزوح التي حدثت على مدار السنوات الست الماضية، وفرار اللاجئين الفلسطينيين من سورية تكشف مأساةٌ جديدة، خاصة بعد أن أخذت دائرة الحرب، قبل خمس سنوات، تشمل مخيمات اللاجئين أكثر فأكثر، وبات عددُ الضحايا منذ كانون الأول/ ديسمبر 2012 في ازدياد. حيث دخلت المخيمات كلها في سورية في دائرة القتال فعليًا، إذ تتعرض لقصف عنيف من قوّات النظام؛ أدى إلى زيادة عدد اللاجئين الفارين من سورية وعدد المشردين داخلها.

قلق فلسطيني وعجز دولي مزمن

كشف فرار الفلسطينيين المتزامن، من الجحيم السوري، عن عجز الهيئات الدولية عن الوفاء بالتزماتها تجاه المنكوبين النازحين، خاصة (الأونروا) التي تعاني عجزًا مزمنًا، وتواجه صعوبةً في تأمين أموال طارئة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين. ذلك بأن خطة استجابة الوكالة الدولية تدعو إلى جمع 26,85 مليون دولار أميركي توفَّر منها ما مجموعه 19,04 مليون دولار حتى الآن. وبينما تقوم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يساندها لفيفٌ من المنظمات غير الحكومية وتمويلٌ دولي، بمساعدة اللاجئين السوريين في لبنان، تُستَنفد قدرة “الأونروا” على مساعدة اللاجئين الفلسطينيين لدرجة أن المدارس التابعة لها اضطرت إلى التوقف عن قبول الأطفال القادمين من سورية. وفي حين أن بعض المنظمات غير الحكومية الفلسطينية في لبنان تقدم أيضًا يدَ المساعدة للاجئين السوريين، فإن العكس ليس صحيحًا بالنسبة إلى المفوضية والمنظمات غير الحكومية اللبنانية؛ فقد خُصِّصت أماكن لإيواء اللاجئين السوريين، بينما اضطر الفلسطينيون إلى التزاحم في مخيمات، كانت مكتظةً أصلًا، حيث تتشارك كل عائلتين أو ثلاث في مأوى واحد. ففي مخيم عين الحلوة ينام الناس على السلالم والشواطئ، بينما ينام البعضُ في مدارس وكالة الغوث، ويضطرون إلى مغادرتها في أثناء النهار، وهناك من يتناوبون النوم.

ولا شك أن اختلاف مصاير اللاجئين السوريين والفلسطينيين الفارين من لهيب المعارك الدائرة في سورية يُبرز الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون من جراء انعدام جنسيتهم؛ فلبنان يسمح بحرية للاجئين السوريين بدخول أراضيه، في حين توقف عن استقبال اللاجئين الفلسطينيين منذ زمن طويل؛ مشترطًا الدخول فقط لمن لديهم أقارب في لبنان؛ وعند الدخول، يتعين على كل فلسطيني أن يدفع 17 دولارًا أميركيًا من أجل الحصول على تصريح ينبغي تجديده كل ثلاثة أشهر. وهذه الضريبة المرتفعة المفروضة على الإقامة المؤقتة غير مبررة، لأن لبنان لا يقدم خدمات عامة للفلسطينيين، ويستبعدهم من معظم مجالات التشغيل، بل إنها تمثل ضربًا من ضروب الإعادة القسرية التي أُنشئت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتمنعها.

ويواجه آلاف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هذه المفارقة القاسية يوميًا، وبالنسبة إليهم، فإن التمييز وعدم المساواة في لبنان تماثل وحشية العنف في سورية.

ولقد أجبرت الأنظمة اللبنانية التي تمنع تشغيل الفلسطينيين العديدَ من اللاجئين الفلسطينيين على العودة إلى سورية.

ويعكس هذا التمييز بين اللاجئين السوريين والفلسطينيين الذي تمارسه الدول العربية والإقليمية المجاورة (الأردن ومصر وتركيا كذلك) تمييزًا آخر على مستوى الأمم المتحدة؛ فولاية مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تستثني الفلسطينيين على وجه التحديد، إذ إنها تحصر خدمتهم من قبل (الأونروا) فحسب، علمًا بأن مهمة هذه الوكالة لا تتضمن تقديم الحماية، وعلى الرغم من أن المفوضية وووكالة الغوث تعملان معًا، في إطار خطة الاستجابة الإقليمية لمساعدة جميع اللاجئين من سورية، فإنه من غير الواضح، إلى الآن، إن كانت المفوضية ستمارس ولايتها بالحماية للضغط على الأردن ولبنان لمنع المعاملة التمييزية، والتوقف عن عدم استقبال الفلسطينيين الباحثين عن ملاذ.

وبحسب مراقبين فلسطينيين، فإنّ الوضع العام للاجئين الفلسطينيين الفارين من سوريا يبعث على القلق لثلاثة أسباب أولها: عدم وجود حلٍ للنزاع السوري في الأفق؛ وثانيها وقوع حوادث عديدة في مخيمات لبنان، توحي باستنساخ النزاع السوري داخل المخيمات؛ وثالثها أن (الأونروا) لا ترزح تحت وطأة العجز المزمن، في ميزانيتها وحسب، وإنما تواجه احتمال خفض مساهمة أميركا فيها؛ ممّا سيكون له أثر كارثي. وإضافة إلى ذلك، ثمة حملةٌ تُشَنّ داخل الولايات المتحدة، منذ زمن طويل، ضد الوكالة الدولية؛ وتصوّرُها على أنها العقبة الرئيسة أمام “مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين”، لأنها “تحفظ حقوق اللاجئين وهويتهم”.

مقالات ذات صلة

إغلاق