تحقيقات وتقارير سياسية

سرقة بالقانون! أساليب الاستيلاء على الأرض في الجولان المحتل

لم يُخفِ الزعماء المؤسسون للحركة الصهيونية أطماعَهم في الجولان وجعله ضمن حدود الدولة العبرية المزمع إقامتها على أرض فلسطين، وإصرارهم على ضم الجولان وحوران وشرقي الاردن إلى “دولتهم” العتيدة لما تمثله هذه الأقاليم من قاعدة اقتصادية واحتياطي أراض خصبة لأغراض الاستيطان.

ومن هذا المنطلق، انصبت جهود الحركة الصهيونية، منذ بدايات القرن العشرين على إقناع الحكومات الغربية التي سعت لتقاسم أراض الإمبراطورية العثمانية وتحديدًا بريطانيا وفرنسا بأن الجولان حيوي بالنسبة للدولة العبرية. وقد وجه الزعيم الصهيوني حاييم وايزمن كتابًا إلى الحكومة البريطانية، طالب فيه بإدراج مناطق حوران والجولان الواقعتين إلى الشمال من فلسطين ضمن دائرة النفوذ البريطاني. وفي شباط/ فبراير 1919، وجهت المنظمة الصهيونية للمجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس أكثر من مذكرة، طالبت بموجبها أن يكون الجولان وحوران وشرقي الأردن وجبل الشيخ ضمن حدود الدولة العبرية؛ كونها مناطق خصبة وغنية بالمياه. واقترح الخبير الصهيوني أهارون أهرونسون أن تزيد مساحة الدولة العبرية المستقبلية عن 40 ألف كم مربع؛ بحيث تكفي لاستيعاب ما يزيد عن 13 مليون يهودي، من كافة أرجاء العالم، وأن تسيطر على مصادر المياه الغنية في الشمال، بحيث يدخل ضمن حدودها جبل الشيخ/ حرمون، نهر اليرموك وكافة منابع أنهار الجولان التي تصب في بحيرة طبريا.

 

تحقق الحلم الصهيوني بالسيطرة على الجولان، بعد الاحتلال عام 1967، حيث باشرت سلطة الاحتلال بالاستيلاء على جميع الأراضي الموجودة ضمن حدود البلدات والقرى والمزارع التي تم تطهيرها من سكانها السوريين، حيث هُجّر نحو 131 ألف سوري، كانوا يقطنون 340 بلدة وقرية ومزرعة. واستغلت سلطة الاحتلال الإسرائيلي قواعد القانون الدولي الإنساني التي تجيز للمحتل إدارة الأراضي والأملاك الحكومية في الإقليم المحتل والانتفاع بها؛ فأصدرت الأوامر العسكرية التي تجيز للقائد العسكري الاستيلاء على جميع الأراضي والأملاك الحكومية والأملاك الخاصة في الجولان المحتل، وتخوله صلاحية التصرف فيها وفق مشيئته. وقد اتّبع القادة العسكريون طريقتين أساسيتين للاستيلاء على الأرض، ألا وهما: السيطرة على الأرض باعتبارها “متروكة”، والسيطرة على الأرض بإعلانها “أملاكًا حكومية”.

 

كان تعبير الأرض “المتروكة” في صلب اهتمام الزعماء الأوائل للحركة الصهيونية وتفكيرهم، وكانوا يدعون بأن ارتباط العرب بأرضهم ليس قويًا، واعتقدوا أن غالبيتهم ستتقبل مبدأ التخلي عن الأرض إذا عرضت عليهم بدائل في أماكن أخرى في الدول العربية. وقد أقر الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي في آذار/ مارس 1950 قانون أموال الغائبين لتنظيم عملية الاستيلاء على أراض وممتلكات الفلسطينيين الذين هجروا من بلادهم عام 1948. ونص القانون على أن كل من ترك مكان إقامته إلى بلاد في حالة حرب مع إسرائيل يُعدّ غائبًا، وعُيّن بمقتضاه قيّمٌ على أملاكهم له حرية التصرف فيها. وبعد احتلال الأراضي العربية عام 1967، أصدر القادة العسكريون العديد من الأوامر العسكرية الهادفة للسيطرة على الأرض، كالأمر العسكري رقم 58 الصادر في الضفة الغربية في 23 تموز/ يوليو 1967، ونصّ على أن الغائب هو من ترك أرض الضفة الغربية، قبل حرب حزيران العدوانية عام 1967 أو في أثنائها أو بعدها؛ واستنادًا إلى ذلك، فإن الفلسطيني الذي كان في إبان الحرب مقيمًا في بلد ليس في حالة حرب مع “إسرائيل” كأوروبا أو أميركا مثلًا هو بحكم الغائب، وبالتالي؛ فإن ممتلكاته المتروكة وضعت تحت تصرف القيم على أموال الغائبين.

 

انتهجت سلطات الاحتلال في الجولان سياسات مثيلة لتلك التي انتهجتها في فلسطين، حيث باشرت بإصدار الأوامر العسكرية لتنظيم سياسة الاستيلاء على كافة الأراضي والموارد المائية الموجودة ضمن حدود القرى والمدن التي اقتُلع السكان السوريون منها، فأعلنت جميع الممتلكات الحكومية والخصوصية المنقولة وغير المنقولة “أموالًا متروكة”. وواكب إعلان سلطات الاحتلال عن الجولان المحتل منطقة مغلقة لمنع عودة السكان السوريين إلى أماكن سكناهم صدور الأمر العسكري رقم 20 سنة 1967 وينصّ على أن الممتلكات الخصوصية المنقولة وغير المنقولة (العقارات والنقود والأوراق المالية) بمنزلة “أموالًا متروكةً”. وعُيّن بموجب ذلك شخصية معنوية، أوكلت لها المسؤولية عن هذه الأموال، وأُجيز لها التصرف بها وتأجيرها، والارتباط بعقود وشراء وبيع الأموال المنقولة. وقد استخدم المسؤول عن “الأموال المتروكة” صلاحياته لتمكين الشركات الإسرائيلية والمستوطنين من السيطرة على كافة الأراضي واستملاكها والتصرف بها.

 

وأصدر القائد العسكري، في 20 تموز/ يوليو 1967، الأمرَ العسكري رقم 21 بشأن الأموال الحكومية، ووضع بموجبه الأموال المنقولة وغير المنقولة في الجولان، والتي تعود ملكيتها للدولة السورية تحت تصرف شخصية اعتبارية خاضعة لهذه السلطات، لتتولى المسؤولية عن إدارتها، والتصرف بها. يندرج الأمر العسكري رقم 21 ضمن سلسلة من التشريعات العسكرية الهادفة للاستيلاء على كافة أراض وموارد الجولان التي تعود ملكيتها للحكومة والسكان السوريين وتوزيعها على الشركات الإسرائيلية والمستوطنين. وبموجب هذه التغييرات القانونية التي أحدثتها سلطات الاحتلال، تمّ الاستيلاء على كافة مقدرات هذه المنطقة من أراض ومياه وغابات.

 

ينص القانون الدولي الإنساني العرفي والتعاقدي على أن دولة الاحتلال هي مسؤول إداري ومنتفع من الممتلكات والمباني والمؤسسات الحكومية التي تملكها الدولة المعادية كالأرض، الغابات، الموارد والثروات الطبيعية. ومن هذا المنطلق، يتوجب عليها إدارتها وصيانتها والاستفادة منها وفق قواعد الانتفاع، وفي سبيل تغطية نفقات الاحتلال ووفق ما تقضيه مصلحة السكان المدنيين في الإقليم المحتل. ولذلك، فإن استخدام الأوامر العسكرية، ولاحقًا القوانين الإسرائيلية للاستيلاء على الأرض والموارد الطبيعية من أجل الاستيطان يُعدّ مخالفًا للقانون الدولي الإنساني، إذ تحظر المادة 46، من معاهدة لاهاي الرابعة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، مصادرة الممتلكات الخاصة، في حين تجيز المادة 53 من المعاهدة لدولة الاحتلال الاستيلاء على الممتلكات الخاصة والشخصية في حال تطلبت الضرورة العسكرية أو مقتضيات الأمن ذلك، شرط المحافظة عليها، ودفع التعويضات الملائمة لأصحابها، وإعادتها لهم عند إقرار السلم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق