تحقيقات وتقارير سياسية

سراديب جنيف بين فن السياسة وطبخ الحصى

يستطيع المراقب لمارثون جنيف، سواء كان من كبار المثقفين أو من عامة الشعب، أن يُدرك أن هذا المارثون لم يُثمر حتى اللحظة عن بارقة أمل، ولو باهتة في آخر النفق المُظلم، ومردّ ذلك إلى أسباب تتعلق بالمعارضة ذاتها، سواء في بنيتها أو في أدائها، وأخرى تتعلق بالنظام، وثالثة تتعلق بالأمم المتحدة وبالقرار المُنجب لمسار جنيف أي القرار 2254.

بدايةً ما يتعلق بالقرار الأممي 2254:

حذّر كثيرون من تبعات هذا القرار الدولي، ذلك بأنه قرار، صيغ في الخارجية الروسية بموافقة أمريكية، للقضاء على الثورة السورية، وتثبيت أركان حكم الأسد.

جاء القرار الدولي مثقوبًا من أكثر من جهة (كفروة الراعي المثقّبة حيث يستطيع الراعي إخراج يده من أي جزء منها لكثرة ثقوبها)، فقد ترك القرار للنظام حرية محاربة الإرهاب من دون تحديد واضح ودقيق لهذا الإرهاب وكيفية مواجهته، ومن ثم أتى الروسي ليُفسر معنى الإرهاب المقصود في القرار، بأنه أي شخص أو جماعة تحمل السلاح بوجه النظام، وفسّره النظام أبعد من ذلك، حين قال زعيم المليشيات السورية الذي يشغل منصب الرئاسة في دمشق، بأن لديه مئات آلاف الإرهابيين وبيئتهم الحاضنة تصل للملايين، كما أن القرار الدولي لا يحمل أي آلية تنفيذ أو قوة جبرية لتنفيذه، وبالتالي تُرك أمر تحديد الآليات لموفد الأمين العام للأمم المتحدة الذي حوّل العملية التفاوضية إلى “طبخة حصى” غير مُنتجة، لافتقاره إلى استراتيجية واضحة ومحددة الخطوات ومؤطرة زمنيًا، ففي الجولة السابقة كان أهم ما في الجولة هو إقرار السلال الأربع، وقد استمات حينذاك السيد ديمستورا، من أجل إضافة سلة الإرهاب، وأُضيفت بعد عناء طويل، وبعد أن وافق عليها الوفد التفاوضي يتفاجأ الجميع بأن ديمستورا ينتقل في هذه الجولة إلى (سلة خامسة)، متخطيًا النقاش حول نتائج الجولة السابقة، ليبدو عمل ديمستورا غير منطقي وغير مترابط، وكأنه يُنفّذ أوامر الكبار، سواء روسيا أو أميركا، وهم من يُحدد له المسائل التي يجب طرحها في كل جولة من الجولات التفاوضية.

السلة الخامسة:

في اليوم الأول للجولة السادسة، التقى ديمستورا بجميع الوفود المشاركة: الهيئة العليا للتفاوض، ومنصة القاهرة، ومنصة موسكو، ووفد النظام، كل على حدة، وسلم جميع الوفود ما بات يُعرف بورقة (الأُطر الدستورية)، من دون ذكر أو مناقشة نتائج الجولة السابقة التي بدت وكأنها لم تكن، وطلب الرد من الجميع مساء اليوم ذاته، أي بعد أقل من أربع ساعات على استلامها؛ ما أربك الوفود المفاوضة بسبب قصر المهلة الزمنية لبحث الرد وصياغته، ولا سيما أنه سلم الورقة بنسختين: الأولى باللغة الإنكليزية -وهي المُعتمدة في الملف- والأخرى باللغة العربية، وقد عُنونت بأنها نسخة غير رسمية ولا معتمدة، وبعد ترجمة النسخة الإنكليزية، عثر وفد الهيئة العليا على فروقات بين النسختين العربية والإنكليزية؛ فطلب الوفد من ديمستورا، في اللقاء المسائي، مهلةً إلى اليوم التالي، لأن لدى الهيئة جملة من الاستفسارات، عددها ثلاثة عشر سؤالًا واستفسارًا، وفي اليوم التالي قدم الوفد الورقة لديمستورا، وطلب جوابًا خطيًا عن الاستفسارات، لكن ديمستورا، بعد أن رأى ما يُشبه الرفض لورقته من الطرفين: المعارضة والنظام، قرر سحب ورقته من أجل إعادة صياغتها وتقديمها للنقاش بين خبراء فريق ديمستورا التقنيين وخبراء الهيئة العليا.

أما بالنسبة إلى وفد النظام، فهو غير جاد بالمطلق في التوصل لأي حل بأي شكل من الأشكال، وهو يحاور ديمستورا براحةٍ مطلقة، ولا يشعر بأي ضغط، فهو متكئ على حليف صلب وعضو في مجلس الأمن، يُقدّم له كل الدعم السياسي والعسكري اللازمين، فروسيا لن تدع وفد النظام يتقدم خطوة واحدة، ما لم يكن هذا التقدم لمصلحتها أولًا، وروسيا لا ترى بتشكيل هيئة حكم انتقالي مصلحةً لها، فمصلحتها تقتضي بقاء الأسد، ولكنها، في أحسن الحالات، يمكن أن تضغط على النظام من أجل إشراك أطراف محددة من المعارضة في حكومة موسعه يرأسها الأسد، وضم شخصين أو ثلاثة من المعارضة التي ترضى عنها موسكو. بمعنى آخر، ستكون روسيا هي ذاتها شريك الأسد في الحكومة الموسعة.

أما بالنسبة إلى الأداء في هذه الجولة فقد رفض النظام ورقة ديمستورا بدايةً حول الأطر الدستورية، وقد نقل ديمستورا موقف النظام للمعارضة في أثناء لقائه بوفد الهيئة العليا، وذلك في محاولة منه لدفع فريق الهيئة العليا للموافقة، ثم تبين بعد ذلك أن رفض النظام لم يكن سوى مسرحية فاشلة سيئة الإخراج من ديمستورا، إذ إن النظام عاد وقبل الورقة بينما ما زال وفد الهيئة العليا ينتظر الإجابة على ثلاثة عشر سؤالًا.

كان وفد الهيئة العليا محلّ انتقاد جميع المراقبين لضخامة العدد، إذ كان عدد أفراد الوفد المفاوض سبعة عشر شخصًا، أما الاستشاريين والخبراء والتقنيين فقد فاق عددهم ثمانين شخصًا، ومرد ذلك هو محاولة إرضاء جميع الأطراف المشاركة في بنية الهيئة العليا، وكان بالإمكان اختصار عدد الوفد المفاوض إلى ثلاثة أو خمسة أشخاص، بالحد الأعلى، وجعل فريق الخبراء والاستشاريين ثلاثين.

قام وفد الهيئة العليا بسلسلة طويلة من الاجتماعات الداخلية البينية، وأخرى مع فريق الخبراء الأممي، إضافة إلى اجتماعات ولقاءات مع أطراف دولية مهتمة بالشأن السوري، ولوحظ نشاط لافت للعناصر الشابة على مستوى التقنيين والخبراء والمترجمين، إذ إنهم كانوا كخلية النحل مشغولين على مدار الساعة طوال أيام الجولة التفاوضية، بينما غاب عنصر الشباب دون الأربعين، عن وفد الهيئة العليا، وكذلك عن وفدي القاهرة وموسكو.

في الجانب الإعلامي، كان الفشل كبيرًا، إذ كانت المنصة الإعلامية ناطقةً بالعربية في سوادها الأعظم، ولم يكن هناك من وسائل إعلام أجنبية سوى وكالتي (رويترز وأسوشيتد)، علمًا بأن الرسالة الإعلامية يجب أن تُوجّه بتركيز واختصار للشارع الغربي، فالرسالة الإعلامية بالعربية لم تُحدث تغييرًا أو فارقًا على مدار ست سنوات، لا على صعيد الشارع العربي ولا على صعيد موقف الحكومات العربية.

مرةً جديدة فشلت المعارضة بتنظيم ظهورها الإعلامي، وكان الحدث الوحيد في هذه الجولة هو اقتراح ديمستورا مناقشة ورقة من صفحة واحدة للأطر الدستورية، لم تكن بحاجة إلى أن يخرج عدد من أعضاء المعارضة، عشرات المرات، يتناوبون على الظهور على القنوات العربية، مما جعل من المعارضة سلعة استهلاكية بمتناول يد أصغر إعلامي يعمل لدى قناة مغمورة؛ وهذا أدى إلى أن وسائل الإعلام قد استخدمتهم بدلًا من أن يستخدموها، بينما في الطرف المقابل كان ظهور وفد النظام مدروسًا ومقنّنًا ومحصورًا بشخص رئيس الوفد المفاوض والممثل للطغمة الحاكمة، وعلى شكل مؤتمر صحفي وليس لقاءات منفردة.

من المؤكد أن كرنفال جنيف التفاوضي لن يصل إلى نتيجة تُذكر مهما امتدت محطاته، لأسباب موضوعية كثيرة، أغلبها خارج إرادة السوريين، وإذا أردنا للجولات القادمة النجاح فلا بد من:

– تعديل القرار الأممي 2254 وتزويده بآلية تنفيذية جبرية.

– اختصار عدد الوفود المفاوضة والابتعاد عن المحاصصة.

– إلزام ديمستورا بوضع استراتيجية واضحة ومعلنة للتفاوض، فإذا كان الزمن بالنسبة إليه هو يوم آخر في وظيفته، فهو بالنسبة للسوريين يوم من دم وعذاب وقهر، فقد اتّضح أن ديمستورا لا يملك حتى الآن أي خطة عمل، وأن الموضوعات التي يقترحها في كل جولة ما هي إلا موضوعات مختلقة، والهدف منها إضاعة الوقت وإطالة أمد وجوده كموظف سامٍ براتب محترم.

– كذلك المطلوب من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الانخراط الجدي، في محاولة الضغط على النظام للقبول بتشكيل هيئة حكم انتقالية التي تُمثّل جوهر القرار الأممي 2254.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق