أدب وفنون

أبو فريد عبد الناصر

ليست مشكلةً أن يقتنع مثقفون وأطباء ومهندسون، بأنّ جمال عبد الناصر مات أو.. ما زال حيًا!

المشكلة، أنّ “أبو فريد” لن يقتنع بغيرِ أنه حيٌّ لم يَمُت!

بالنسبة إلي، فقد اقتنعت بأنّ الزعيم قد مات، حين رأيتُ والدي يبكي؛ بينما إذاعة “صوت العرب” تنعيه وترثيه وتلطم لطمًا لرحيله.

كنتُ في الصف السادس الابتدائي –آنذاك- وكانت أولَ صدمةٍ لي في حياتي أن أرى والدي.. يبكي!

أعتقد بأنّ أغلبَ الآباء الأدالبة -آنذاك- قد بكوا مثل أبي؛ فعرفتُ وقتها بأنّ إدلبَ -بقَضِّها وقَضِيضها- ناصريَّةٌ حتى العظم والنخاع؛ ليس أيديولوجيًا فحسب، ولكن –أيضًا- لأنّ عبد الناصر قد أصدر فرمانًا باستقلالها الإداريّ عن محافظة حلب!

أنزل والدي صورة الزعيم، ومضى بي إلى حيثُ اصطفّ الأدالبة للبَدءِ بمراسيم جنازةِ وصلاة الغائب. حَشرَني والدي بين أطفالٍ في مِثلِ سِنّي، يحملون صورَ الزعيم، وحمّلني نسختنا البيتيّة منها في برواظِ من خشب السنديان، مُصطفِّينَ أمام التابوت الرمزي للجنازة. مشينا من مدرسة المتنبي شمالًا وحتى ساحة البازار، عابرين شارع القوتلي -شارع الجلاء فيما بعد- إلى ساحة الصومعة جنوبًا -ساحة هنانو فيما بعد- ولم يكن يظهرُ مِنِّي سوى رأسي الصغير خلفَ الصورة؛ حتى انهدَّت يداي وأنا أحملها، وحين اصطفَّ الأدالبة لأداء صلاة الغائب على روح الزعيم، سمعتُ “أبو فريد” يصرخ:

– جمال ما مات.. عبد الناصر ما مات.

هل أُصدِّق “أبو فريد”.. وأكذِّب كلَّ هذه الجَحَافِل؟!

كلّنا نعرفُ بأنّ “أبو فريد”، كان رجلًا على البَرَكَة كما يُقَال، ونعرفه حينَ يمرُّ بحارتنا، يحمل سطلًا فيه أكوازُ ذُرَةٍ مسلوقة؛ وهو يصدح:

باليلا..  بَلبَلُوكِ

قولي لإمِّت.. لأبوتِ “يقصد: لأُمِّك لأبوكِ”

يِسترولِك باليلا “يقصد: يشتروا لك”.

أو يبيع الكعك صادحًا: – تَعت.. يا تَعت.

وفي الصيف.. يصدح ليبيع بوظته الباردة:

أستيمو.. أستيموتي

قولي لأمِّت.. لأبوتِ

يسترولِك.. أستيمو.

كثيرون لا يعرفون بأن فريدًا هو الابن اليتيم للمجاهد “فريد قرِيد” الذي استشهد في فلسطين عام 1948، مع جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي، ثم ماتت والدته فعاش أغلبَ عُمرِه في الشوارع، يُنادي على بضاعته المتواضعة؛ ليعيش. لكنه تحوَّلَ فجأةً، بعد موتِ الزعيم إلى مُحلِّلٍ استراتيجيّ! يحكي لنا بحماسٍ عن وجود الزعيم في جزيرةٍ بعيدة؛ بعد أن خَلّصَهُ مُحِبُّوهُ من الأوباش، ولن ننامَ حتى نصحو على خبرِ عودته ليتزعَمَ العربَ من جديد.

  • من هم الأوباش.. يا أبو فريد؟!

فينحني ليهمس لنا في كلِّ مرَّةٍ.. بإجابةٍ جديدة:

  • المكتب التاني.

وهكذا: -اليهود. سُهرُه المُثِير “يقصد: المُشير” عبد الحكيم عامر؛ أماريكا؛ عبد الرحمن السراج. البَعتِيّين.. بعد إبدالِهِ التاء صادًا.

أما صورتي الفوتوغرافيّة بالأبيض والأسود في رَتلِ الأطفال الذين يحملون صور الزعيم خلال جنازته، فتصدَّرت مع غيرها من صور الجنازة واجهةَ مكتبةِ الأقطار العربية لعبد العزيز الكردي؛ وعلى إثرها صَنَّفَنِي البعثيون على أنِّي ناصريٌّ بالوراثة عن والدي؛ ولم يكن كذلك، فطالما سَمِعتُهُ يُردِّد:

  • أنا أحبّ عبد الناصر وأكرهُ حزبَهُ ومكتبَهُ الثاني وصِهرَهُ المُشِير.

كان هذا من صالحي؛ فقد بدأ التنسيب الطوعيّ/ الإجباريّ لاتحاد شبيبة الثورة مُذ دخلتُ الإعدادية. لكنهم استبعدوني بدليل تلك الصورة الفوتوغرافية! ثمّ خُضتُ نِقاشَ مُنَاكَدَةٍ لتثبيت هذه التُهمة عَلَيّ، مع طالبٍ بعثيِّ من آلِ جبارة، عَن أيَّهُمَا أصَحُّ في ترتيب الشعارات، وهو يحتدُّ قائلًا: وحدة – حرية – اشتراكية.

وانا أضحك قائلًا: حرية – وحدة – اشتراكية.

وكُلَّمَا زادَ غضبُه.. أُناكِدُه على طريقتنا الإدلبيّة:

  • كيف ستتوحَّد يا كِرّ.. إذا ما كنت حرّ!؟ فُكّ الرَسَن بالأول!

في اليوم التالي لِمُناظَرَتِنا الفلسفيّة.. عَبَرَ والدُهُ جَادّةَ القوتلي من دُكّانَتِه المُقابِلَة لدكان والدي، ليشكوني على وَصفِ ابنِهِ بالكُرّ، فرأى وفدًا من ثلاثة أشخاصٍ برئاسة المحامي حَمَّادة، يُحاولون إقناعَ أبي بالانضمامِ إلى الفرعِ المُنشَق من الاتحاد الاشتراكي عن جمال الأتاسي، وأبي يقول لهم:

  • لو بِدِّي نافِق متلكُم.. ما بِجِي لعندكم؛ بروح لحزب البعث.. معلِّمكُم؛ روحوا ع بيوتكم.. اتأخرتوا على نسوانكم، بتاكلوا قتلة منهن بعدين.

فابتهجَ جبارة لِقَولِ والدي: – أهلا وسهلا فيك بحزب البعث.

رَدَّ أبي على الفور: – وإنتِ كمان.. روح ضِبّ ابنك الكِرّ!.

رأيتُ -أيضًا- كيف فَرَّقَت الشرطةُ العسكريّة بعَصَايَاتِ الرُعيَان ذاتِ الدَنكُورَة؛ مُظاهرةً للناصريين في إدلب تنديدًا بانقلابِ حافظ الأسد.

لكنّي رأيتُ كيفَ طارت في الهواء كلُّ صَرَامي وصَباَبيط وشحَّاطات وكَسرِيَّات الأدالبة ومَرَاكِيبِهِم الحمراء، في الهواء؛ احتفالًا بمجيءِ حافظ الأسد إلى إدلب، واحتفاءً بإلقائِه لخطابه التاريخيّ فيها.. من فوقِ سطح المركز الثقافي في ساحة الصومعة!

ولمَّا فرَّقت الشرطةُ العسكريّة قاذفي الصَرَامي بعيدةِ المَدَى، واختفى الوَحشُ من المِنصَّة امتعاضًا؛ أخذنا نحنُ -الأطفالَ- نَعُدُّ الصَرَامي التي تركها أصحابُها هربًا من كرابيجِ جماعة: أوعا البندورة؛ يقصدون: الشرطةَ العسكرية بقُبعاتها الحمراء!

لم تمضِ عشرُ سنوات.. حتى صارت صَرَامي الناصريّين أقليةً في إدلب، وماتَ أبو فريد آخرُ مَن صَمَدَ فيهم أمام هجمة الأبواط العسكريّة البعثية/ الأسدية.

مات الناصريّ الأخير في إدلب وسائر المشرق! مات أبو فريد عبد الناصر؛ ماتت “الباليلا” معه وماتت ألواحُ بوظةِ “الأستيمو” بالحليب! رأينا روحَهُ ترِفُّ باتجاه الجزيرة التي احتجبَ فيها زعِيمُهُ عبد الناصر؛ ليُشارِكَهُ وَحدَتهُ الأبدية؛ ثمّ ليعودَ معه سالمًا غانمًا مُنعَّمًا.. حين سيقومُ تمّوزُ، أوزوريسُ، السيّدُ المسيحُ، سيّدُنا الخُضرُ، المَهدِيُّ المُنتظَر.. من سُبَاتِهِم الأزليّ!

مقالات ذات صلة

إغلاق