أبحاث ودراسات

العنف وثقافة الاختلاف في المجتمعات العربية

(المقال الفائز بالمرتبة الأولى (مناصفة) بـ “جائزة حسين العودات للصحافة العربية” لعام 2017).

يُعدّ الاختلاف واحدًا من العوامل الرئيسة في تطور المجتمعات الإنسانية، فهو حق إنساني أصيل كالحق في الحياة، إضافة إلى أنه مؤشر مهم لقياس وفهم العلاقات البينية في إطار المجتمع الواحد، ويمكن بموجبه تقدير مدى تعافي المجتمع أو اختلاله؛ وهو ما يمكن اسقاطه على ما تعيشه مجتمعات عربية حاليًا من دورات عنف خارجة عن السيطرة، وصل بعضها إلى حد النزاع المسلح والحرب الأهلية؛ فبقدر ما أسهم تضارب إرادة ومصالح قوى محلية وأخرى إقليمية في تأجيج دورات العنف، إلا أن النكوص الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه هذه المجتمعات ناتج -في المقام الأول- من تشوه مفهومها وممارساتها للاختلاف.

لا بد من أن ترتكز مقاربة ثقافة الاختلاف في المجتمعات العربية على قراءة البنية الاجتماعية والسياسية لهذه المجتمعات، من دون إغفال الآليات التي لجأت إليها الأنظمة الحاكمة لتشويه مفهوم الاختلاف، وما نتج من ذلك من تعميق الخلاف وخلخلة بنية المصالح الوطنية الجامعة لعموم أفراد المجتمع.

تتأسس البنية الاجتماعية التقليدية للمجتمعات العربية عمومًا على مرتكزات دون الوطنية، تُعلي من قيم الطاعة العمياء لشيخ القبيلة أو زعيم الطائفة، وبناءً عليه؛ تُعمَّم رؤية ومصالح هذه النخب بعدّها الرؤية والمصالح العادلة لكل المجتمع، ويقوم مفهوم الوحدة الاجتماعية على فرض هذه الرؤية والمصالح على جميع أفراد المجتمع؛ لتنزع من الفرد حقه في الاختلاف، قد يصل إلى حد النفي الاجتماعي والسياسي للفرد.

تعمل هذه القيم السلبية لتنميط ذهنية الفرد، وتحديد كيفية تلقيه للآخر المختلف، وتنتج ذهنية منغلقة تتمحور حول قيمها الخاصة، وتعدّها حقيقة مطلقة، ولا تتقبل الأفراد والجماعات التي لا تنضوي تحت أيديولوجيتها وطائفتها وقوميتها، وتتعامل معها شرًا محضًا، أو عدوًا يتهدد الوحدة والسلم الاجتماعيين.

الذهنية العربية، القائمة على عدّ الآخر المختلف عدوًا محتملًا، هي نتاج للمفهومات القبلية والاجتماعية المغلقة التي تربى عليها عموم أفراد المجتمع، بدءًا بالأسرة والمدرسة؛ وحتى المجتمع الكبير، وهي كذلك نتاج سياسات أنظمة الحكم العربية التي فاقمت حدة أزمات المجتمع ومشكلاته؛ لتصب في قولبة الذهنية المخاصمة للآخر؛ إذ أقصت الأنظمة العربية الشمولية- على اختلاف أيديولوجياتها- المختلف، وعملت في شيطنته عبر تكريس الكراهية بين الجماعات الوطنية المختلفة، كذلك عززت -هذه الأنظمة- سلطتها القاهرة بتقوية علاقتها بمراكز القوى التقليدية التي يغلب عليها طابع المحافظة والتشدد، لتنتج سلطة قاهرة تصادر حق الاختلاف وتحوله إلى خلاف وخروج عن الجماعة، موظفة موروثها الاجتماعي والديني لخدمة أغراضها.

في نتائجها غير المباشرة، شكلت ثورات الربيع العربي تأسيسًا لمرحلة فارقة في تاريخ مجتمعاتها، كان من الممكن أن تؤدي في النهاية إلى تعافي المجتمع وقبوله مكوناته المتعددة؛ إذ مثّلَ تجاوب واتحاد عموم أطياف المجتمع حول مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة تشكيكًا بالمفهومات الاجتماعية المغلوطة التي كرستها الأنظمة ومراكز القوى المتحالفة معها، وفي مقدمة ذلك علاقة كلّ منها بالآخر المختلف، إذ أدركت الجماهير الثائرة أن كل القوى الاجتماعية والسياسية التي حجبتها الأنظمة طوال عقود في قوالب متعددة بغرض إقصائها، لا يختلف -في الحقيقة- بعضها عن بعض، بقدر ما تتشابه في تعرضها لقمع النظام ومظلوميتها الاجتماعية، وفي مطالبها العادلة بحياة كريمة.

صاحبت ثورات الربيع العربي في بداياتها متغيرات اجتماعية لافتة، تجلت في انفتاح ذهنية الجماهير على الآخر تحت هموم وتطلعات وطنية حقيقة. إن أكثر ما يستحق التحليل والدراسة في ثورات الربيع العربي هو تلاشي الهوة المصطنعة بين الجماعات الوطنية، على اختلاف أيديولوجياتها، وقبول بعضها بعضًا تحت لافتة وطنية تطالب بإسقاط الأنظمة القاهرة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو ما تجلى تجليًا ملحوظًا في سردية الحياة اليومية للجماهير المعتصمة في ميادين الحرية وساحات التغيير؛ فقد برز التآخي والانسجام والتعايش الديني والطائفي بصفته ملمحًا يوميًا لافتًا؛ فمشهد التعايش في ميدان التحرير في القاهرة كشف قابلية أطياف المجتمع للتعايش مع المختلف الوطني، وهو ما لا يمكن أن يتكرر حدوثه إلا في ظل مشترك وطني يقبل بالأخر، ويدافع عن حقه في الاختلاف.

يتجاوز الحراك الاجتماعي والثقافي الذي رافق ثورات الربيع العربي حالة الزخم الثوري، وتوحّد تلك الجموع المختلفة حول هدف إسقاط النظام، إلى حالة وطنية مكتملة؛ إذ تجاوزت التعريف الوطني الضيق للقوى الإسلامية والمسيحية واليسارية والقومية، وأذابت التناقضات السياسية والاجتماعية بينها؛ لتندمج في هوية وطنية واحدة. كان يمكن لتلك الحال الصحية أن تخلق تراكمًا في الأمد البعيد، تأصلت معها ثقافة الاختلاف داخل تلك المجتمعات، وتحول الاختلاف من نقيض وجودي إلى عامل إثراء وتعافي للمجتمع، لكن -مع الأسف الشديد- مثلت الأشهر التالية من عمر تلك الثورات ردة إلى الخلف؛ ليدب الخلاف السياسي والأيديولوجي والطائفي أعمقَ مما كان داخل الثورات نفسها، وليذهب بعيدًا نحو تخليق نواة دورات عنف محتملة.

لا يمكن -بأي حال- إغفال دور الأنظمة العربية ومراكز القوى التقليدية في تأجيج الخلافات البينية والتناقضات بين قوى الثورة المختلفة أيديولوجيًا ودينيًا؛ فقد نجحت عبر منظومتها الإعلامية في تعميق أسباب الصراع الاجتماعي، وتحديدًا عبر تخويف قوى الثورة من جماعات الإسلام السياسي، وتسيّد قوى طائفية على أخرى، لكن تحليل دور الأحزاب السياسية والقوى المختلفة في الثورة التي فرّطت في مصادر قوتها في مواجهة السلطة، يكشف عن وجود خلل اجتماعي وسياسي أعمق، تقع عليه المسؤولية المباشرة عن تحول تلك الثورات من حاضن وطني إلى مُسَعِر عنف. فمثلما بُنيت اللحظة الوطنية الفارقة في الثورة على قبولها بالآخر المختلف، وكان بمقدورها إزاحة مراكز القوى الداعمة للسلطة القاهرة إلى الأبد، أتى النكوص من القبول بإقصاء المختلف وسيلةً مشروعةً للتنافس السياسي بينها.

حرصت الأحزاب السياسية على احتكار التمثيل السياسي لهذه الثورات، سواء عبر السعي للانفراد بالسلطة داخل المجتمع، أو باحتكارها تمثيل الثورة أمام القوى الإقليمية والدولية؛ ما حول تلك الأحزاب من شريك في الثورة إلى وريث لسلطة القمع؛ إذ إنها لجأت إلى الآليات السياسية نفسها تتبناها أنظمة ثارت عليها تلك الأحزاب، ولم تتورع عن قمع القوى الثورية المختلفة معها، ونفيها سياسيًا واجتماعيًا، بعدّها تشكل تهديدًا وطنيًا، وسرعان ما تعدّت تناقضات قوى الثورة مجال الاختلاف السياسي؛ لتشهد صراعًا بينيًا على احتكار تمثيل الثورة، وتبادل الاتهامات والتخوين والتشويه، وغيرها من أدوات العنف ضد الآخر. في ظل أجواء كهذه، نجحت الثورات المضادة في استغلال تلك التناقضات؛ لتجريف الثورات، أو الانقلاب عليها، وتأجيج العصبيات التي كانت مدخلًا لدورات العنف التي تعيشها بعض بلدان ثورات الربيع العربي.

أحدثت العصبيات المختلفة التي أفرزتها المجتمعات، بعد إخفاقات ثورات الربيع العربي، انتكاسة اجتماعية شاملة في قبول قيم التنوع والاختلاف التي سادت بدايات الثورات؛ إذ احتمت الجماعات المُقصية من المشهد السياسي بهويات ما قبل الدولة، وأحيت مشروعاتها الطائفية والقومية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. كان التحول المخيف في آليات تلك القوى وحملها السلاح؛ لفرض خياراتها على القوى الأخرى مدخلًا لتحول بعض بلدان الربيع العربي إلى ساحات صراع إقليمية، مثل الوضع في سورية واليمن، أو إلى بلدان تعيش اضطرابًا سياسيًا ونزاعات أهلية، كما في ليبيا. شكلت تلك العصبيات السياسية والأيديولوجية والدينية محركًا لجماعات ما قبل الدولة التي شكلت تحالفات سياسية وطائفية مع الأنظمة التي ثارت عليها، ومن أجل إزاحة القوى الوطنية الأخرى، وفرض خياراتها السياسية، لم تتورع عن إعلان ولاءات عابرة للحدود الوطنية.

مثلت ثورات الربيع العربي في بداياتها ضوءًا في نهاية نفق لمجتمعاتها، ووعدًا وطنيًا بتحرر شعوبها العربية من أزماتها، إلا أن تفويتها تلك الفرصة التاريخية، ونكوصها، سارع في دخول تلك الشعوب في دورات عنف، وربما ستحتاج تلك المجتمعات إلى عقود طويلة لامتصاص التبعات الكارثية للنزاع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق