مقالات الرأي

نظام المحرقة المدلل

ثمة ما يستوجب البحث عمّا يمكن أن ترمي إليه تسريبات الخارجية الأميركية، بخصوص محرقة سجن صيدنايا، وما قالت إنه تحليل لمعلومات الاستخبارات الأميركية. وبغض النظر عن الأهداف المباشرة لهذه التسريبات، عن محرقة لجثث المعتقلين القتلى تحت التعذيب، فإن من الثابت الذي لا يقبل شكوكًا، بحكم توفر أدلة قطعية، على أن النظام الأسدي، بأجهزته ومؤسساته الأمنية والعسكرية، يقوم بشكل ممنهج بتغييب المعارضين السوريين في أقبية السجون، بصورة شبه منتظمة، وبتعريضهم للتصفية الجسدية، إما على أيدي جلاديهم، أو تنفيذًا لقرارات المحاكم الميدانية، أو المحاكم العسكرية، وفي مجملها لا تخضع لرقابة قانونية، لمؤسسات الدولة الدستورية.

استخدمت واشنطن، في تقريرها، بصورة متكررة تعبير “محرقة محتملة” للدلالة على الأمكنة التي تشير إليها صور الأقمار الاصطناعية، ما يعني أن الاتهام “وظيفي” مبني على معلومات تقديرية، وأنه غير قطعي، وأن لجوء النظام إلى حرق جثث المعتقلين للتخلص منها وإخفاء الأدلة على عمليات القتل، ما يزال في طور “الاحتمال”؛ ما يعفي الإدارة الأميركية –في الحقيقة– من اتخاذ موقف محدد حيال جريمة النظام هذه، بما في ذلك عدم إدانة الجريمة ومرتكبيها

هذا النوع من التعاطي، مع قضايا ذات صلة بجرائم الإبادة البشرية المنظمة، بلا شك يجعل مرتكبيها أكثر قدرة وحرية على ارتكاب مزيد من الجرائم، والمضي قدمًا في سياسة تضليل، تتشارك فيها الأنظمة الحليفة لدمشق، مثل روسيا وإيران، وكذلك الولايات المتحدة، لكونها تدرك ما حدث ويحدث، بحكم امتلاكها لمعلوماتٍ ومقدرتها في الحصول عليها بدقة تقود إلى تحليلات؛ تمكن من صنع قرار حيال الجرائم المرتكبة، ولكنها لا تقوم بذلك.

وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تعاظمت -أفقيًا وعموديًا- جرائم الحرب، وجرائم الإبادة المنظمة، وكذلك عمليات التهجير، من منظور ارتكاب الجرائم بغية إرهاب المجتمعات المحلية، وإرغامها على النزوح الجماعي. وقد وُثّقت كل تلك الجرائم، وأكدَت صحتها تقارير صادرة عن منظمات ومؤسسات دولية، يُعتدّ بها لدى دوائر صنع القرار الدولي، إلى جانب التقارير التي تصدرها وكالات الأمم المتحدة المتخصصة، وحكومات أوروبية، مثل توثيق جرائم استخدام الكيمياوي بما فيه الغازات السامة: السارين والخردل في الغوطة، وخان شيخون، وحلب، واستخدام مقذوفات فوسفورية وفراغية، من شأنها إحداث أكبر عدد من القتلى المدنيين، وأضرار مادية مهولة؛ تجبرهم إما على التسليم، أو الفرار، إضافةً إلى استخدام سلاح التجويع والحصار الخانق.

لم يقم المجتمع الدولي، حتى الآن، بممارسة الصلاحيات التي تمنحها القوانين الدولية النافذة لحماية المدنيين من الجرائم البشعة التي يرتكبها نظام “الأسدية” بما في ذلك الولايات المتحدة التي أقرت، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قانون “سيزر” الذي يطالب البيت الأبيض بحماية المدنيين في سورية، وباتخاذ إجراءات خاصة بذلك خلال مئة يوم من إقرار القانون، مضى عليه اليوم نحو ستة أشهر.

لكن، ما هو دافع الولايات المتحدة لكشف محرقة صيدنايا، بعد أن تم تجاهل تقرير (أمنستي) الشهير: مسلخ صيدنايا، وكل التقارير المشابهة، بينما كانت ضرباتها سريعة على مطار الشعيرات.

ثمة استنتاج أولي، بأن القصف الأمريكي لمطار الشعيرات، لم يكن، في جوهره، عقابًا على استخدام نظام الأسد للسلاح الكيمياوي ضد خان شيخون، بدليل أن النظام كرر جريمته، بعد نحو 48 ساعة في مناطق متعددة من سورية: ريف دمشق وحماة وحلب، وفقًا لتقارير موثوقة. وتبدو النتائج حتى اليوم تؤشر لصالح تعزيز الموقف الروسي في سورية، من جراء تلك الغارة، على عكس ما يتوجب أن تقود إليه.

قد تكون هذه التسريبات، أو التصريحات، تهدف إلى تحضير بيئة ملائمة داخل الإدارة الأميركية؛ لإعادة طرح قانون سيزر -أعيد إقراره بعد يومين من كشف المحرقة– لتفعيل توصياته، وتبدو الإشارة الى دور روسي–إيراني، في بناء المحرقة الأسدية في سجن صيدنايا، محاولة أميركية لتشبيك ملف جرائم الحرب والإبادة في سورية، مع نظام ملالي طهران؛ بما يقود إلى تحريك الجمود في التعاطي بشأن الملف السوري الذي لم يثمر عن أي اتفاق بين الجانبين يقود إلى تغيير الوقائع على الأرض، ومن ضمنها مفاوضات التسوية السياسية، متوالية جنيف، من 1 إلى 6، التي ما تزال رهينة السيطرة الروسية متعددة الأبعاد، في ظل عدم انشغال أميركي بها، كما يُفترض حتى الآن.

تبدو الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، غير متحمسة لحماية المدنيين السوريين الذين تفترسهم جرائم الأسد، بدعم إيراني وروسي مباشر، ولكنها أيضًا ضالعة في ارتكاب مذابح بحق المدنيين، في المناطق الخاضعة لمنطقة عملياتها ضد (داعش) وهناك مجازر شبه يومية تحدث في الرقة، ودير الزور، نتيجة القصف الجوي، لأهداف يفترض أنها لـ (داعش)، ولكن التنظيمات المسلحة العاملة تحت إمرتها على الأرض (ميليشيا قسد) تعطي إحداثيات مضللة؛ بهدف إرهاب الأهالي وتهجيرهم، ولم تأمر الإدارة الأمريكية، حتى الآن، بفتح أي تحقيق في أكثر من عشرة حوادث مماثلة، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.

أما الحديث عن المحرقة الأسدية، في سجن صيدنايا الرهيب، فهو أقرب إلى النفخ في واجهة الريح، طالما أنه لا يتم الإحتكام فيها الى قواعد القانون الدولي بشأن جرائم الإبادة والحرب معاً، والتي تقر وجوب تنصيب محكمة دولية يُساق إليها الأسد ونظامه. فالإدارات الأميركية المتعاقبة على البيت الأبيض، منذ 2011 وحتى اليوم، لم تفعل شيئًا حيال النظام الذي أعلن بوضوح وصفاقة: “الأسد أو نحرق البلد”.

من يومها والعالم يغمض عينيه عن الحرائق التي تلتهم السوريين، ويرش عطورًا ويدخن بخورًا، كي يمنع رائحة الجثث المحترقة بالكيمياوي، أو المقابر الجماعية، أو عشرات السجون، من أن تصل إلى أنفه، وتعكر رائقة استمتاعه بما يحدث في سورية. إن هذا لعالم مريض بالكذب والنفاق.

مقالات ذات صلة

إغلاق