ترجمات

نيو يورك تايمز: يالطا جديدة وإحياء أوروبا

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في برلين اليوم الإثنين، 15 أيار/ مايو. غيدو بيرغمان/ عن طريق (رويترز)

 

في نهاية المطاف انشغلت الانتخابات الفرنسية بالموضوع الأكثر رواجًا: أوروبا. نعم، البطة الصغيرة القبيحة – تلك التي رفضتها بريطانيا، وسخر منها الرئيس ترامب- أوصلت إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه كأصغر رئيسٍ في فرنسا.

ماكرون، طوال حملته، كان قويًا في دعمه للاتحاد الأوروبي وعملته المشتركة اليورو. وكان ذلك الأمر محفوفًا بالمخاطر؛ فمن غير المتوقع أن يكون التماثل مع الاتحاد الأوروبي بطاقة نجاح، ولكن على وجه التحديد، بموقفها من اليورو والاتحاد، ارتكبت مارين لوبان -المرشح اليميني للجبهة الوطنية- الانتحارَ السياسي العام.

في المناظرة التلفزيونية الأخيرة، قبل أيام من التصويت هذا الشهر، تلعثمت لدقائق، وارتكبت خطأً فادحًا حول هدف أو غاية أوروبا، وعُملتها؛ كان الأمر -كما قدمه ماكرون- “غير هام” قمامةً، لا معنى لها تقريبًا. ولكن تلك القمامة لامست الفرنسيين في منطقةٍ حساسة جدًا: في جيوبهم. الفرنسيون، على عكس الأميركيين، لا يتحدثون عن المال، إلا أنهم يفكرون فيه مثل أيّ شخصٍ آخر.

خلطت لوبان بين اليورو والإكو (وهي سلة من العملات الأوروبية استُخدمت ذات يوم كوحدة حساب)؛ وبدت كأنها كانت تعتقد أنّ بريطانيا كانت في منطقة اليورو، وقدمت ادعاءً طائشًا، بأنَّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد سبب نموًا هائلًا في الاقتصاد البريطاني؛ وتلعثمت حول تعايش استعادة الفرنك للشعب الفرنسي، واليورو للشركات الكبرى، كما ظهرت، وكأنها تصدر مرسومًا بأن الدول الأخرى سوف تترك اليورو في الوقت نفسه الذي تتركه فرنسا، واتهمت ماكرون “بالخضوع لحكومة اتحادية أوروبية”.

جاءت ردة الفعل سريعة وحاسمة، بل مُدمرةً؛ لأن الفرنسيين -كما اتضح- مرتبطون باليورو. وقال ماكرون: إنَّ قيمة مدخرات الشعب ستنخفض من 20 إلى 30 في المئة، بعد يومٍ من العودة الى الفرنك. وسأل كيف يمكن لأيّ شخصٍ من مُنتج جبنة كانتال، إلى شركة إيرباص (من المشاريع الصغيرة أو الكبيرة المتكاملة تمامًا مع الاقتصاد الأوروبي) أن تعمل مضطرة إلى القيام بمعاملاتها الأجنبية باليورو، وتدفع مرتبات موظفيها بالفرنك، كما توَّقع عودة الضوابط الرأسمالية، مع اندفاع الناس لإخراج المال من البلاد.

حدقت لوبان باندهاش فيه، وضحكت بشكلٍ غير لائق، وأطلقت رصاصاتٍ طائشة على نحوٍ متزايد، لا علاقة لها بالموضوع، وبدت عمومًا على وشك الانهيار الكلي؛ كانت تلك النهاية. لقد قتلَتها أوروبا. بالنسبة لأيّ مؤيدٍ أو معجبٍ بالاتحاد الأوروبي، أنا أرتدي مفتخرًا هذه الشارة، كانت أحلى لحظات بعد مقطعٍ قاسٍ.

ارتكبت لوبان خطأً فادحًا. فرنسا التي يزين العلم الأوروبي الأزرق والذهبي العديدَ من مبانيها العامة هي ليست بريطانيا؛ فرنسا عضوٌ مؤسس في الاتحاد الأوروبي، ولا يزال الاتحاد يُحدّد بطرقٍ عديدة تطلعات وطموحات فرنسا ما بعد الحرب. وكما شرحها لي جاك روبنيك، وهو عالمٌ سياسي: “بالنسبة لألمانيا، كان الاتحاد هو الخلاص، أما بالنسبة لفرنسا، فهو الطموح بوسائل أخرى، بعد إهانة الحرب العالمية الثانية، وإنهاء الاستعمار”.

واجه الثنائي الفرنسي-الألماني مشكلةً بعد انتهاء الحرب الباردة بسبب فقدان توازنهما في التوحيد الألماني، ولكن الالتزام المشترك بالفكرة الأوروبية ما يزال أساسيًا بالنسبة لكلا البلدين. فجأةً، تستعيد هذه الفكرة عافيتها؛ لأنَّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ركّزَ العقول، وسبب ما يطلق عليه الفرنسيون تهديدًا بـ “يالطا جديدة.

في مقابلة مع جريدة (لوموند) جان لوي بورلانجيه -وهو عضوٌ سابق في البرلمان الأوروبي- عرّف يالطا القرن الحادي والعشرين بأنها “ثنائي روسي أميركي لا يخفيان عداءهما للاتحاد الأوروبي، واستقلاله”.

سيواجه ترامب -الرئيس- في زيارته الأولى لأوروبا، تصورًا واسع الانتشار، بأنه يحب كلَّ ديكتاتورٍ يلتقي به، ولكنه يواجه صعوبة مع زعيمٍ أوروبي ديمقراطي مثل أنجيلا ميركل الألمانية. وهذا بدوره مستوحى من إحساسٍ بأنَّ الفرصة متاحةٌ لأوروبا لقيادة العالم الحر في الدفاع عن قيمه، لأن أميركا، في عهد ترامب، قد تخلّت عن هذا الدور.

ميركل هي المفضلة للفوز في الانتخابات الألمانية في أيلول/ سبتمبر، ويمكن أن يكون الثنائي ماكرون-ميركل هائلًا؛ وسيتعين عليهم أنْ يحكموا في عدّةِ مجالاتٍ، إذا ما أُريد لأوروبا أن تغتنم هذه اللحظة. المجال الأول هو الأمن، إذ يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى حدودٍ خارجية فعالة. والثاني هو المال، إذ يمكن لليورو على المدى الطويل أنْ يعمل فقط، مع ضبط أوضاع المالية العامة. والثالث هو النمو، إن أوروبا تتحرك بالفعل من ركود، ولكنها تحتاج إلى خلق المزيد من فرص العمل، حيث إصلاحات ماكرون لسوق العمل المخطط لها ستكون مهمة. والرابع هو التضامن، الأرباح السهلة لدولٍ مثل هنغاريا، وبولونيا التي تستفيد من التحويلات المالية الواسعة للاتحاد الأوروبي، ولكن تستهزئ بالقيم الأوروبية عن طريق نزعاتها الاستبدادية المتنامية، يجب أن تتوقف. إنها بسيطة: لا مالَ مجانًا من دون صحافةٍ حرة، وقضاءٍ مستقل.

ماكرون وميركل هما أوروبيان متحمسان (كما هو المنافس الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا، مارتن شولتز). لقد أتاحت تهديدات بوتين، والسياسة الخارجية الأميركية التافهة في عهد ترامب، وأفق بريطانيا الضيق، إضافة إلى الانتعاش الاقتصادي الذي يتقدم متسارعًا، فرصةً فريدة لإعادة إحياء حلم أوروبا اتحادية. يمكن أنْ يكون عام 2017 عام أوروبا.

 

اسم المقالة الأصلي A New Yalta and the Revival of Europe
الكاتب روجر كوهين، Roger Cohen
مكان وتاريخ النشر نيو يورك تايمز، The New York Times، 16/05/2017
رابط المقال https://www.nytimes.com/2017/05/16/opinion/merkel-macron-euro-france-europe-roger-cohen.html?em_pos=small&emc=edit_ty_20170516&nl=opinion-today&nl_art=1&nlid=77714386&ref=headline&te=1&_r=0
ترجمة أحمد عيشة

مقالات ذات صلة

إغلاق