اقتصاد

في تداعيات الكارثة: ننفق على ما يبقينا أحياء فحسب

يدرك السوريون، على اختلاف توزعهم الجغرافي، حجمَ الدمار والخراب الذي لحق بالبلاد، وأضر بأجزاء كبيرة من البنية الأساسية، والأصول المادية الحكومية والخاصة خلال الحرب التي مضى عليها أكثر من ست سنوات.

نظام الأسد الذي يقود هجومًا شاملًا ضد شعبه، منذ مطلع عام 2011، وبلغت محصلته الأولية، نحو 6 ملايين لاجئ في دول الجوار، و9 ملايين آخرين نزحوا داخل البلاد، ومصرع نحو نصف مليون مدني، في الحد الأدنى، وأكثر من 1.5 مليون مصاب، يدرك -هو الآخر- حجمَ الخسارة التي لحقت بالاقتصاد، وتداعياتها على السكان، في مناطق واسعة ما زالت تخضع لقانون العنف الأعمى، الذي لا تفرق حمم الطائرات والدبابات فيه، بين قطاع مدني أو حيوي أو اقتصادي، وبين قطاع عسكري، على الحدود الفاصلة بين خطوط التماس.

اليوم، هناك شبه إجماع على أن هموم الناس تجاوزت مسائل السياسة؛ فالبلد الذي يعلو فيه هدير محركات آلة القتل، على ما عداه، لم يعد المكان المناسب للحديث عن الأمل، أو الأماني، أو استشراف الآتي. إذ بات من المتعذر، بالنسبة إلى أولئك الذين يبحثون عما يساعدهم لاستمرار الحياة، بعد أن أغرق عنف السلطة شوارع المدن والأرياف بدماء الأبرياء، الاهتمامُ بغير رغيف الخبز، ومقارنة قيمة الليرة أمام الدولار الأميركي، لمعرفة قدرة الدخل الراهن على مواصلة حق الحياة، وتوفير الطعام ليوم جديد، في ظل سياقات محبطة، ليس أولها ضعف القوة الشرائية، والخلل الكبير في العلاقة بين الأجور والأسعار، وليس آخرها زيادة معدلات التضخم، وتراجع حصة الفرد من الدخل الوطني، وسلبية مؤشر الادخار. عمومًا، كشفت هذه السياقات الثمنَ الباهظ الذي أرغم الأسد شعبه على تسديده، مقابل تطلعه إلى الحرية والكرامة والعدالة.

ومن اللافت أن يقر الإعلام الحكومي الرسمي -في سابقة هي الأولى من نوعها في ظل صحافة مقيدة تدافع عن وجهة نظر النظام- بحجم الكارثة. وإذا ما صرفنا النظر عن رأيه في مسؤولية الطرف الأساس، ودوره في نقل الحوار من لغة الفكر إلى لغة الرصاص، إذ ما زال يفسر ما يجري على أنه مؤامرة كونية، فإن تحليلاته تؤكد، بطريقة خجولة، وجودَ تحدّ اقتصادي، يترافق مع أوضاع حياتية سيئة، يعزز مؤشرها تدني الخدمات الكهربائية، ونقص المحروقات ووقود السيارات، ورفع الدعم أو عقلنته، وتراجع مستوى الخدمات العامة، ومن ضمنها خدمات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات.

صحيح أنه لم يأت بجديد، في محاكاة الكارثة، على الصعيد الداخلي؛ إلا أن إحدى صحفه اعترفت، من خلال نتائج استبيان أجرته قبل أربعة أشهر، بلغةِ الأرقام بعيدًا عن تأويلات لا تقترب بدقة من القضية كما تقول من تردي الواقع الاقتصادي، لبشر أنهكتهم حرب فارقت عامها السادس، بأن 95.3 في المئة من الفئة المستهدفة، لم يعد الراتب الشهري يكفيها، وأن كلفة المعيشة التي كانت تبلغ في السابق بشكل وسطي لأسرة مكونة من خمسة أشخاص، نحو 30 ألف ليرة، أصبحت تبلغ اليوم بالنظر إلى سعر صرف الدولار نحو 300 ألف ليرة، أي أن الزيادة بلغت نحو عشرة أضعاف، بينما بقي الراتب، على الرغم من الزيادات التي طرأت عليه، يراوح في مكانه. وأضافت: لقد استغنى السوريون عن الألبسة والكماليات والحلويات والفواكه واللحوم والتدفئة، ماعدا الطعام بنسب متفاوتة، راوحت بين 24 في المئة، وبين 13.8 في المئة من العينة. وجاء تأمين الطعام أكثر المجالات إرهاقًا للناس. مشيرة إلى أنه من الطبيعي أن يأتي في الدرجة الأولى، بعد أن استغنى الجميع عن الكماليات والضروريات، واقتصرت مصاريفهم على الأساسي من احتياجاتهم، أي على ما يبقيهم أحياء فقط.

تقدر “الإسكوا” تصاعد خط الفقر الأعلى، واحدًا من نتائج الحرب، إلى نسبة 90 في المئة؛ ما يعني خضوع 22 مليون سوري تقريبًا، لظاهرة الفقر.

ويرى الخبير الاقتصادي مضر العائدي أن نظام الأسد وضع المسألتين المالية والاقتصادية، على قدم المساواة مع المسألة الأمنية. حيث ربط استمراره في الحفاظ على آلته العسكرية والأمنية، باستقرار اقتصاده. أضاف لـ جيرون: منذ بداية الحرب، استخدم الأسد احتياطي العملة الصعبة والمحلية، لتمويل عملياته العسكرية، كما استخدم احتياطي الذهب لشراء معدات عسكرية، وتسديد أجور مقاتليه. فيما فقدت مكونات الاقتصاد الرئيسة دورها، كالنفط والزراعة والسياحة والصادرات بأنواعها.

بين عامي 2017/2011، فقدَ الاقتصاد السوري أكثر من 54 في المئة من قيمته الحقيقية. وفق تقارير معهد الاقتصاديات والسلام الدولي. وإثر ارتفاع حجم الإنفاق العسكري، الذي وصل إلى 49.1 في المئة، تأثر الاقتصاد بنسبة 300 في المئة.

كما انخفضت قيمة متوسط راتب الموظف، من 600 دولار، إلى 50 دولار، في الشهر.

وتصف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أوضاعَ الناس داخل البلاد وخارجها، بأكبر كارثة إنسانية يواجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية؛ ففي الوقت الذي تسعى المنظمات الإغاثية لإعانة أكثر من 8 ملايين نازح من سكان المحافظات المنكوبة، يحصلون اليوم على مساعدات، أسوأ مما يحصل عليها نظراؤهم خارج سورية، لأنهم يواجهون القتال مباشرة. يوجد نحو 5 ملايين لاجئ تقريبًا، في دول الجوار، يواجهون الجوع بلا حماية.

ويعتبر البنك الدولي أن تسعةً من بين كل عشرة لاجئين في الأردن ولبنان -استنادًا إلى مستوى المساعدة الذي حددته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين- هم فقراء، إذا ما استُخدمت خطوط الفقر المطبقة في كلا البلدين المضيفين.

فيما تؤكد المفوضية وجود عوامل ـ غير الحرب والعنف ـ تقف وراء اندفاع الناس أيضًا للهرب، واللجوء. منها فقدان الأمل بالمستقبل، والفقر، وعدم وجود فرص لكسب الرزق، ونقص المساعدات، وغياب فرص التعليم. وإذا ما أضيفت هذه العوامل، إلى تدهور الاقتصاد؛ فإن صورة سورية، في ظل الحرب التي يفرضها نظام الاسد على البلاد، أصبحت تكشف عن نفسها بكل وضوح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق