هموم ثقافية

ما أبشع هذا الواحد

يمكن القول في واحدة من تعاريف اللغة، بأنّها محاولة ناجحة لإدخال المعنى إلى الصّوت البرّي السّديمي الأهوج. بهذه النظرة تكون اللغة استطاعت أن تحضّر الصّوت المتوحّش، الفوضوي، الصّوت البكر.

ويمكن القول إنّه إلى الآن –على الرغم من آلاف السّنين على هذا التّحضّر الناجح– قد يعود الإنسان، في لحظة منفلتة من عقالها أو لحظة مفاجئة من غضب أو خوف أو فرح، ليعبّر بالصّوت المتوحّش القديم القديم، في حالةٍ يشعر فيها أنه ليس لديه الوقت الكافي أو المجال أو الصّبر، لاستعمال اللغة التي حضّرها وتحضّر معها؛ فيطلق صوته الوحشي، هادرًا أو صارخًا، تعبيرًا مباشرًا عن أمر، بدا له عجز اللغة الحضريّة أمام سطوته.

أي أنّ اللغة المتوحّشة البدائيّة لا تزال نائمة فيه -الإنسان- وهي على استعداد أن تظهر قليلًا أو كثيرًا هنا أو هناك، وإنْ حلّت محلّها وحضّرتها اللغة الرّاقية الفصيحة المليحة! لكنّ هذا الاستعمال نفسه، سينبئ من طرف آخر، أنّ الإنسان نفسه، على الرغم من تحضّره مع اللغة وبها، ومع ملحقاتها ومستلزماتها، لا تزال هذه اللغة الوحشية أو التوحّش البدائي، ينام ويقوم فيه، وها هو يعبّر عن نفسه بهذا الظّهور العارض. والإنسان “المتحضّر” لم يستطع بعد، أن يقتل هذا الوحش القابع فيه.

من يدري قد يكون من حسن حظّه أنّ هذا الوحش البدائي لم يمت بعد، ولم ينجح هو في إعدامه أو التّخلّص منه؛ لأنّه عندما يموت وتموت البرية فيه، سيتحوّل هذا الإنسان بالتّأكيد إلى ملاك يمشي على قدمين! والحياة نفسها لا تصلح للملائكة، وليست مفصّلة على مقاسهـا، ولا هي موطنها المفضّل. الأرض للإنسان ابن آدم وحوّاء، كما اتّفق على مجيئهما؛ حتّى لو جاءت الأخيرة من ضلع الأوّل أو جاء الأول من نافخ مجهول، بكل ما في هذا الابن من عيوب “وخطيئة”، وكما هو؛ بما فيه من أخطاء وفوضى وجمال وبشاعة، وسوى ذلك مما نعرف عن طريق الممارسة العملية والنظرية.

جمال الإنسان وخصوصيّته يكمنان في هذا التّناقض، كما يكمنان في هذا الصّراع الدّائم لتلافيه، بهذا الفشل لمقاربة النّجاح، بهذا الصّراع للتّغلّب على الفوضى والعشواء، لأجل النّظام ثم العدالة ثم السّعادة! بهذا اليأس، وهذا الأمل الدّائم في إمكان مواجهة العقبات والظّروف، مع أخيه في الآدميّة على أخيه في الوحشيّة.

نحن -البشر- محكومون بالصّراع والبحث والتّنوّع، ومحكومون بالبقاء في حضن أمّنا الأرض، لأنّنا لم نكتشف بعد أي مكان آخر نستطيع أن نهرب إليه؛ حينما تضيق علينا، رغم سعتها، وعلينا أن نتعلّم –من أمّنا أيضًا- كيف نستنبت جمال الحياة من قلب التراب والوحل والطّين، وبأدوات الحفر والزرع والتّعشيب، والتّنوّع والاختلاف والتّعدد.

أنا لست متأكّدًا –مثلًا– من قدرتنا على احتمال الحياة؛ فيما لو تحوّلنا جميعًا إلى ملائكة بأجنحة بيضاء ملساء ملوّنة! وتحوّلت الأرض بدورها إلى جنّة من جنان الخلد، أو نزلت جنان الخلد نفسها إلى أحضان الأرض!

تصّور مثلًا أنّني –كواحد من ذريّة آدم- أو أنت أو أي أحد آخر من هذه السّلالة، بكل ما فيّ من صفات بشريّة وعقد آدميّة، وما فيّ من نزوع وطموح ورغبات وانكسارات وأشواك، وصور مكبّرة ومصّغرة ومشوّهة، بفعل ضبابيّة الرؤية ومحدوديّة البصيرة والبصر. تصوّر أنني سكنت الجنّة مع ملائكة كرام، لا يأتيهم الوسواس الخنّاس لا من خلف ولا من قدام، كلّهم من الجنس نفسه واللون نفسه والطّعم نفسه والجمال نفسه والأجنحة نفسها… تصوّر ماذا سيكون؟

هل سينظرون هم إليّ هناك، بأقل مما أنظر أنا نفسي هنا، إلى أي حيوان فوق هذه الأرض؟ وبالمقابل –وهذا هو الأهم– هل سأهنأ أنا مع تلك الأنماط من المخلوقات التي لا تشبهني في شيء، ولا أشبهها في شيء؛ فلا رأسها رأسي ولا دمها دمي ولا عودها عودي. لا همّها همي ولا كمّها كمّي ولا فمّها فمّي، ولا فرحها ولا حزنها ولا ممشاها ولا مسراها.. ولا مسعاها! أليس من المرجّح أنني سأركض عائدًا أدراجي من حيث أتيت، باتّجاه هذه الأرض المليئة بالشّرور؟ محمّلًا بأكداس الحنين إلى التناقض والتنوّع والاختلاف، وربّما الصّراع؟ فإن لم أستطع أن أعود! فماذا تراني سأفعل؟ ألا تبدأ رحلة الوجع المعاكس؟ ألا تصبح الأرض المليئة بالبراكين والزّلازل والسّوناميات والحكام الذين تأكل القطط وجباتهم، بكلّ عيوبها ونقصها وجحيم أهلها، هي الجنّة المأمولة المنتظرة المشتهاة؟ والجنّة أرض الملائكة بكلّ كمالها واكتمالها وملائكتها وأجنحتها هي الجغرافيا -أو الجحيم- التي أودّ أن أفرّ منها؟ ألم يقل ذلك الفيلسوف المجهول ابن الشّوارع الوسخة والأفئدة الصّافية كقطر النّدى، ألم يقل ذات يوم من أيّامه الكالحة، بفعل عبوس أخوته وليل أبناء عمومته وجحيم أولاد جلدته: “الجنّة بلا ناس ما بتنداس”؟ والنّاس هم النّاس من كلّ الأجناس، فيهم الطّويل وفيهم القصير وفيهم المقمّط بالسّرير. فيهم الباصر وفيهم البصير وفيهم الأعمى وفيهم الأعمش وفيهم الأبلق وفيهم الأرقش وفيهم الأبرش، وفيهم من ليس منهم، وإن كان فيهم!!

الحياة هي الحياة! والأرض هي الأرض! وهذه البلاد هي هذه البلاد، جميلة بقبحها وجمالها، كثيرة بخيرها وشحّها وشرّها، حلوة بليلها وصبحها وعصرها! غالية طيّبة مشتهاة بحلوها ومرّها وملحها ومزّها وقبطها، وسينها وواوها ورائها ويائها والفها الطويلة الممدودة الشّامخة كبرج خليفة. لكنّها قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء، أجمل وأحلى وأغلى بطاقة السّعي الآدمي المستدام، لحرائر عقول أهلها، لتحسين شروطها وظروفها وعيشها وتطويرها، والمشي بها ومعها إلى أمام، وليس إلى وراء، في برّها وبحرها وسماها. لأنّ اجترار الحال والمراوحة في المكان، أينما كان، أمر خارج الاحتمال والتّحمّل؛ حتّى لو كان مراوحة في جنان الفردوس وممالك السّماء! فما بالك بالمراوحة في غير مكان، وغير أوان، وغير عنان؟

إنّ الطّعم الواحد واللون الواحد والفكر الواحد والحزب الواحد والأبّ الواحد.. وكلّ ما هو واحد.. طالما دفعنا لقول واحد!

ما أبشع هذا الواحد!

مقالات ذات صلة

إغلاق