ترجمات

صحيفة كومرسانت: العودة من الجهاد

أبقت المحكمة العليا الروسية قرارَها ساريًا بحقَّ “فارفارا كارا أولوفا” الطالبة في كلية الفلسفة/ جامعة موسكو، بعد أن ألقيَ القبض عليها على الحدود التركية، في أثناء محاولتها العبور إلى سورية للالتحاق بالحرب. تحاول “السلطة” من خلال هذه القضية، مرَّةً أُخرى، فهمَ كيف ولماذا يتوجَّه المواطنون الروس إلى مسرح العمليات القتالية في الشرق الأوسط، وفي أيِّ مصيدةٍ يقع حتى أولئك الذين تصيبهم فكرة الجهاد المسلَّح بخيبة أملٍ.

تقع قرية “كاباتا” في جبال القوقاز الشمالية-الجنوبية، على الحدود بين داغستان وجمهورية الشيشان، ويبلغ عدد سكانها قرابة 4 آلاف نسمة، ويتكلم سكانها لهجةً خاصَّةً بهم.

صباح 27 كانون الثاني، دخلت القرية سيارات كاماز تقلّ جنودًا يحملون الرشاشات؛ وفهِم السكان أنَّ الجنود جاؤوا للبحث عن المتقاعد كاظم نورماحميدموف ليتقصّوا عن ابنه الأصغر “مراد” الذي سافر للجهاد في سورية عام 2013. كان الوالد يحاول جاهدًا، على مدار سنتين، استرجاع ابنه وإعادته إلى الوطن. طلب الجنود تفتيش المنزل، وأدرك الوالد أن الأمر يتعلق بابنه.

يقول الوالد إن المنزل كان هادئًا حتى عام 2012 حيث كان كاظم يعيش مع زوجته وولديه شامل ومراد في موسكو. انتسب ابنه مراد إلى كلية الرياضيات في جامعة “محجَّة قلعة”، ولكن سرعان ما تركها لينصبَّ اهتمامه على الكمبيوتر وتقنياته؛ من ثمَّ غادر إلى موسكو ليلتحق بعملٍ، يتعلَّق بالإنترنيت لا يتطلَّب شهادات جامعية. ترقَّى في عمله، وأصبح مديرَ نظامٍ في إحدى كبريات الشركات، براتبٍ شهري يقارب 2000 $. بمعنى آخر، لم يكن الفتى يعاني مشاكلَ ماديَّةً على الإطلاق. يتصف مراد بأنَّه شاب اجتماعي يتقن لغةً أجنبية، لا يشرب الخمر ولا يدخِّن السجائر. يقول كاظم: تربى أولادي مسلمين عاديين، من دون أي ميولٍ للتطرف، وكانوا يؤدون الصلاة ويترددون إلى المسجد في موسكو، ولم يعانوا من أيِّ مشكلةٍ بسبب إقامتهم في موسكو.

في عام 2012، توجَّه مراد إلى مدينة “محجَّة قلعة” بغرض الزواج؛ وتزوج وسكن الزوجان في شقة صغيرة يملكها الأب. يقول الوالد: قلت في نفسي، بعد الزواج سيعود مراد إلى عمله في موسكو في غضون شهرين، أو ثلاثة على الأكثر، فقد كان عمله يدرُّ عليه مالًا أكثر من كافٍ؛ ولكنَّه راح يماطل، ويؤجِّل العودة. علمتُ، في آب عام 2013، أنَّ مراد قد سافر إلى سورية تاركًا زوجته الحامل وراءه، وأنه طلب من إخوته ألا يخبروني، قبل إقلاع الطائرة التي ستنقله. بعدما تيقنا أنَّه في سورية، بدا منزلنا كبيتٍ للمجانين، ولم أعرف ما العمل. اتَّصل بنا عدة مراتٍ؛ وكنَّا نحاول فهم كيف حدث الأمر ولماذا، لكن بلا جدوى. عندئذٍ قررتُ السفر إلى سورية.

يقول الأب: تمكنتُ من الوصول إلى مكان تواجد مراد في سورية في مدينة حلب، وبعد معاناةٍ صعبةٍ وطويلةٍ، تمكنت من إقناعه بالعودة؛ قام مراد بعدة محاولاتٍ فاشلة لعبور الحدود التركية، ونجح أخيرًا، في بداية أيلول 2015. نصحنا البعض باستخراج وثائق سفرٍ لمراد، كي يتمكَّن من مغادرة تركيا إلى دولة ثالثة لقاء مبلغٍ من المال. في نهاية الأمر، وقع الخيار على أوكرانيا لتكون الوجهة التي سيقصدها مراد؛ ولو سافر مراد إلى روسيا لألقي عليه القبض وأودع السجن مباشرةً، وإن أودع السجن في داغستان، فإنَّهم قد “يفقدونه” إنْ لم يكن الشخص موجودًا لن تكون هناك مشكلة، وإنْ لم (يفقدوه) فسينال 5 سنواتٍ من السجن، لا محالة.

يقول أحمد يارليكابوف، الباحث في مركز مشاكل القوقاز: “أسباب السفر تختلف من منطقةٍ إلى أُخرى، والمعلومات حول أعدادهم غير دقيقة”. وتقول التقديرات الرسمية الروسية التي أوردها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنّ نحو 4 آلاف مواطن روسي موجودون في سورية. في حين تشير التقديرات غير الرسمية إلى وجود 7 آلاف، بما فيهم مهاجرون من دول آسيا الوسطى، غادروا عبر الأراضي الروسية.

كان عدد المقاتلين في “إمارة القوقاز” التي أعلنت عام 2007 من قبل زعيمها الشيشاني “دوك عمروف” تمتلك، في أوج ازدهارها، بضعة مئاتٍ فقط. وحتى عام 2014 شكَّل مقاتلوها الدفعة الأولى من المواطنين الروس الذين التحقوا بالحرب في سورية، ولم يزدْ تعدادهم عن ألفيْ مقاتل. بعد إعلان البغدادي وانطلاق الحملة الدعائية الشاملة التي دعت المسلمين إلى الالتحاق بالشام (وفق تسمية سورية من قبل دولة البغدادي)، التحق بالحرب شبَّانٌ من الجيل الثاني من المهاجرين المسلمين المتواجدين في المدن الروسية الكبرى كموسكو، محجة قلعة، تومين وغيرها. إضافةً إلى نحو ألفين من الشيشان توجهوا إلى سورية عبر تركيا أو الدول الأوروبية.

يعتقد الخبراء أن السبب الرئيس الذي دفع المواطنين الروس للانضمام إلى الحرب في سورية، لا يرتبط باحتراف بعض المقاتلين؛ اتَّضح أنَّ إقدامهم على الانضمام إلى تنظيم (داعش) أو القاعدة، يتعلَّق بالرغبة في التعبير عن الاحتجاج. يقول يارليكابوف: “هم يبحثون عن العدالة في الشرق الأوسط. وإذا كنَّا نتحدث عن داغستان؛ فسفر هؤلاء مرتبطٌ بأزمة النظام المستحكمة هناك، حيث لا يستطيع المواطن مزاولة أي عمل من دون دفع رِشًا، أو الانضمام إلى إحدى المجموعات النافذة. ليس صحيحًا القول إنَّ الفقراء والمعدمين وحدهم من يلتحق بالتنظيمات الإرهابية، فهناك، أيضًا، أناسٌ ناجحون من مختلف الفئات الاجتماعية؛ وهذا بحدِّ ذاته يمثِّل جرس إنذارٍ، ويعني أنَّ الوقت قد حان للقيام بشيءٍ ما لتصحيح الأوضاع”.

بحسب الخبراء، كانت ذروة مغادرة المواطنين الروس في عامي 2013-2014. يقول دينس سوكولوف: “الأسباب متعددة. تعود بعض الأسباب إلى الطموح، ومنها ما يعود إلى الرغبة بالتعبير عن الغضب والاحتجاج، لدى الشباب المسلم القاطنين في المدن، وهناك سببٌ آخر يتعلَّق بالدعاية المؤثرة والفعّالة التي قام بها “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأخيرًا، بسبب الضغط الذي مارسته أجهزة الأمن الروسية الراغبة بالتخلص ليس من الجهاديين فحسب، بل من الناشطين المسلمين السلميين أيضًا”.

يعتقد دينيس سوكولوف أنَّ كلَّ الروس الذين يتعاطون في شأن الشرق الأوسط يقعون في دائرة الخطر”. ولا يميِّز النظام القضائي الروسي بين الحدود التي تفصل أولئك الذين ذهبوا إلى سورية للقتال، وأولئك الذين غيَّروا رأيهم وهم في الطريق إلى هناك فبقي في تركيا. وكذلك لا يُراعى الفرق بين من غادر وهو لا يفكر في القتال، وبين من غادر بقصد الدراسة، أو خوفًا على حياته وحريته في روسيا. يعتبر النظام في روسيا أنَّ أيّ تماس لشخصٍ روسيٍّ مع قضية الشرق الأوسط يضعه خارج الخطوط الحمراء، بما في ذلك، أولئك الذين تمكنوا، بصعوبةٍ بالغة، من الخروج من ساحة النزاع، بعد إدراكهم الخطأ الذي ارتكبوه، أو أولئك الذين مدّوا يد المساعدة للآخرين ليخرجوا من ذلك الجحيم. بإمكان هؤلاء العودة فقط، إمَّا إلى السجن، أو الاختباء. غالبية هؤلاء لا يشكلون خطرًا بأنفسهم، ولكنهم يجدون أنفسهم، وكثيرًا من أقربائهم في دائرة الخطوط الحمراء. لا يقتصر الأمر على من أسلفنا؛ ففي المحصلة أصبح جزءٌ متعاظمٌ من مسلمي دول ما بعد الاتحاد السوفيتي وبلدان الشتات، في الدائرة الحمراء التي رسمها النظام في روسيا”.

 

اسم المقالة الأصلي Вернуться с джихада
اسم الكاتب إيفان سوخوف
مكان النشر صحيفة كومرسانت
تاريخ النشر 26-03-2017
رابط المقالة http://www.kommersant.ru/doc/3250133?utm_source=kommersant&utm_medium=mir&utm_campaign=four
المترجم سمير رمان

مقالات ذات صلة

إغلاق