تحقيقات وتقارير سياسية

جنيف 6: جولة أخرى في محادثات عقيمة

يأتي انعقاد جولة جديدة من المفاوضات، في جنيف، بين المعارضة السورية والنظام، وسط تضاؤل التوقعات بتحقيق أي تقدم أو اختراق، يمكن أن ينهي المأساة السورية، ويحقق انتقالًا سياسيًا، وفق بيان جنيف 1 الذي انطلقت المفاوضات على أساسه أصلًا وتم الالتفاف عليه مرات عدة وتحوير مضامينه؛ لتتغير الأولويات والأهداف المرجوة منه لمختلف الأطراف.

سبقت الجولة الجديدة من جنيف، تطورات عديدة سياسية وميدانية وتصريحات ومواقف، تحمل على تأكيد الاعتقاد بأن جنيف الحالي ليس أكثر من طقس سياسي -على حد تعبير أحد المحللين السياسيين- مملٍ وعديم المعنى، لاستجرار الوقت واستهلاك معظم الأطراف بانتظار إنجاز نجاحات لكل أطراف الصراع.

وأهم التطورات التي سبقت جنيف 6 إعلان أستانا إنشاء (المناطق الأربعة لتخفيض مستوى العنف) التي لم يستبشر بها كثيرون خيرًا، وأصبحت مسارًا مستقلًا ومنفصلًا بذاته بعيدًا عن العملية السياسية الأممية برعاية الأمم المتحدة، وفي ظل بدعات ديمستورا عن السلال الأربعة التي طرحها في الجولة السابقة.

والأخطر من ذلك استمرار سياسات التغيير الديمغرافي الجارية، باقتلاع سكان عدة مناطق ونقلهم إلى الشمال (الوعر في حمص، وبرزة والقابون في العاصمة دمشق)، وميدانيًا بفصل الشمال والشرق عن الوسط والغرب والجنوب، من خلال الوجود العسكري المباشر للقوات الأميركية، وقوات التحالف مع الروس في تحضيرات المعارك المرتقبة ضد (داعش) في الرقة ودير الزور، وتعاظم النفوذ الكردي ممثلًا بـ”وحدات الحماية” التي أعلنت أميركا في الأيام الماضية عن تسليحها، وتتهيأ لدخول بعض مناطق ريف إدلب، وسط مخاوف واعتراضات تركية.

يأتي جنيف 6 في ظل عدم إفصاح الإدارة الأميركية عن توجهاتها البديلة للتوجهات الروسية التي فشل وزير الخارجية لافروف بإقناع الرئيس ترامب ووزير خارجيته تيلرسون بها، وتركته يعقد مؤتمره الصحفي منفردًا في سفارة بلاده في واشنطن؛ ما يؤكد افتراق السياستين واختلاف توجهاتهما، مع تواتر معلومات عن حشود أميركية – أردنية، على الحدود الأردنية – السورية، جاهزة للتدخل “دفاعًا عن أمنها”.

في نص الدعوة المقتضبة التي وجهها ديمستورا إلى أطراف المعارضة بند وحيد، هو مناقشة السلال الأربع (الحكم، الدستور، الانتخابات، الإرهاب) وهي نقاط تختلف عليها، وعلى تفاصيلها بعمق، منصات المعارضة السورية، قبل الحديث عن مضامينها، وقبل تحديد النظام مواقفه منها قبولًا أو رفضًا، وأولوية أي من السلال التي أصرت المعارضة في الجولة الماضية على تزامنها. قاسم الخطيب عضو وفد منصة القاهرة توقع، في تصريح خاص لـ (جيرون) أن تكون الجولة الجديدة كسابقاتها، وألا تحقق أي تقدم مرتجى منها، خصوصًا أن النظام والأطراف الداعمة له لم يظهرا حتى الآن ما يشير إلى رغبة جادة في وقف سياسات القتل والتهجير المستمرتين منذ سنوات، وفشل المعارضة بتسويق بديل مقبول، يراعي مصالح مختلف الأطراف المتدخلة.

الجولة الحالية، وإن كانت تأتي بعد العودة الأميركية للتعاطي مع “الأزمة” السورية ووقف سياسة الإنكفاء التي سادت في عهد أوباما، تأتي في ظل فقدان المعارضة لكثير من وزنها الميداني وتراجعها في مواقع عديدة، آخرها ريف حماة الشمالي والغربي. وتجدر مقارنة هذه الحالة بنقيضها في جولة جنيف السابقة، بفضل ما حققته معاركها في جوبر وخسائر النظام الكبيرة؛ إذ عززت موقف المفاوض المعارض، وأضعفت مواقف النظام واستقراره المزعوم في حصنه القوي في العاصمة دمشق.

الحقوقي تامر الجهماني العضو الاستشاري السابق لمفاوضات جنيف، رأى من جهته في تصريحات خاصة لـ (جيرون): أن زج العسكر في لعبة مفاوضات أستانا محاولة لتشتيت القوى وسحب الشرعية البسيطة للهيئة العليا للمفاوضات، ورأى أن أستانا مطبخ العمليات الكبرى للنظام وحلفائه والقوى العظمى، ولم يتوقع، بخصوص هذه الجولة من محادثات جنيف، حصولَ أي تقدم، وأضاف: النظام يلعب على عامل الزمن وتعويم المصطلحات وإغراق الوفود بالتفاصيل؛ ولهذا فهو يرى أن هذه الجولة سلبية جدًا كسابقاتها.

تذهب مختلف الأطراف إلى جنيف، وهي توقن أن توافقًا دوليًا على حل مقبول ما زال بعيد المنال، ودونه جولات وجولات من الصراع العنيف، واتفاقات وتفاهمات لم تنجز، ولم تتبلور بعد، ولكنها لا تملك إلا أن تذهب وتستمتع ببداية صيف لطيف، مقابل صيف حار منتظر، في مناطق سورية عدة، يحدد معالم الجولات الأخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق