قضايا المجتمع

استفتاء تركيا ومستقبل أشكال الحكم في سورية

لعل الجدل الذي حصل على الاستفتاء الذي جرى في تركيا، منذ أسابيع، يدفعنا لتبيان الفروق الأساسية بين مختلف أشكال الحكم وذكر سلبيات وإيجابيات كل منها، كون هذه القضية تمس جميع شعوب الدول التي تخوض مخاض التحوّل الديمقراطي في المنطقة والعالم، وليس في تركيا فحسب. فهل ما جرى هو خطوة سلبية نحو ترسيخ الديكتاتورية، بقرار من رئيس الدولة، كما يصوره البعض أم هو قرار إيجابي اتخذه الشعب بهدف تعزيز دولته من خلال الانتقال من أحد أشكال الحكم الديمقراطي إلى آخر؟

من خلال نظرة قانونية صرفة على النظام البرلماني نجد أنه يعتمد على حصر الانتخابات باختيار مجلس النواب فقط وإعطائه السلطة والصلاحية لتعيين رئيس الحكومة وتشكيلها وإدارة السلطة التنفيذية في البلاد، بينما يعطي لرئيس الجمهورية دورًا شكليًا لا يتعدى تنفيذ بعض المهام الدبلوماسية من دون أي تأثير على النظام السياسي أو التنفيذي.

أمّا بالنسبة إلى النظام الرئاسي، فنجد أنه يعيّن رئيس الجمهورية المُنتخب من الشعب بطريقة مباشرة رئيسًا للسلطة التنفيذية؛ وبهذا يمنحه الاستقلال عن مجلس النواب الذي يُنتخب بدوره أيضًا من الشعب بطريقة مباشرة، لكن مع إعطاء كلّ من الرئيس ومجلس النواب سلطات مختلفة، وتأتي الاختلافات بين مختلف الأنظمة في العالم حسب شكل كل دولة أولًا من حيث إنها دولة واحدة كفرنسا أو اتحادية كألمانيا، أو جمهورية أو ملكية، ومن حيث الصلاحيات المعطاة لكل سلطة، ومدى الرقابة التي تمارسها كل سلطة على الأخرى، وهذا هو العامل الأهم.

مشاكل النظام البرلماني تبدأ من أنه لا يحترم مبدأ فصل السلطات في الدولة، حيث تندمج من خلاله السلطة التشريعية مع التنفيذية، وتجتمعان بيد الحزب الفائز بالانتخابات في البرلمان الذي يرأس الحكومة، ويشكلها ويدير السلطة التنفيذية؛ وبالتالي تذوب الفواصل بين السلطات وهذا الأمر لا يُؤسس نظريًا للديكتاتورية فحسب، بل يمهد لها فعليًا وإن كانت بشكلها الحزبي لا الشخصي. كما أن تواطؤ البرلمان والحكومة المهيمَن عليهما من حزب الأغلبية يشجع عمليًا الفساد ويغطي عليها. ويُعيق النظام البرلماني أيضًا تنفيذَ البرامج السياسية للأحزاب في حال كانت السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في النظام البرلماني مكوّنة من ائتلاف يجمع أحزابًا مختلفة وغير متفقة سياسيًا، وهذا ما قد يجعل السلطة التنفيذية، في هذا النظام الرئاسي، عاجزةً عن تطبيق برنامجها الذي طرحته؛ مما يقود إلى إعاقة عمل الإدارات والخدمات وأحيانًا إلى جمود تشريعي. لبنان وإيطاليا مثلًا.

إن النظم البرلمانية غير مستقرة سياسيًا، فعندما لا يملك الحزب الحاكم الأغلبية المطلقة في البرلمان، يضطر إلى عقد تحالفات من أجل تأليف الحكومة، وإن أي تغيير بالمواقف يلغي التحالفات فتسقط الحكومة وتجري انتخابات جديدة, وقد تطالب أحزاب الأقلية باقتراع حجب الثقة عن الحكومة أو تعيق إصدار بعض التشريعات؛ مما يؤدي إلى عدم انتظام العملية الانتخابية في النظام البرلماني حيث إنها قد تجرى في أي وقت، وبالتالي غياب أي تقويم انتخابي محدد؛ مما يتيح فرصة إساءة استخدام العملية الانتخابية، بمعنى آخر، يستطيع الحزب الحاكم اختيار موعد إجراء الاختبارات، عندما تكون شعبيته في أحسن مستوياتها وقد يرفض إجراء الانتخابات في وقت تراجعها. إسرائيل بريطانيا مثلًا.

النظام البرلماني ينتج بعض المناقشات الجادة، وقد يتباين أثر هذه المناقشات على الدولة بحسب الثقافة السياسة للمجتمع، وتنعكس في الثقافة السياسية للأفراد مما قد يزيد من حدة الانقسامات بالمجتمع.

بينما في النظام الرئاسي -فرنسا وأميركا مثلًا- يكون مبدأ فصل السلطات محترمًا بالشكل العام، وهناك رقابة جدية من السلطة التشريعية والقضائية على السلطة التنفيذية، ويخف مستوى الفساد، ويكون هناك استقرار سياسي، ويؤسس لتقارب بين مكونات المجتمع، إلا أن المشكلة الرئيسة في النظام الرئاسي هي مستوى الصلاحيات الممنوحة للرئيس التي طالما تُلوعب بها سابقًا من رؤساء بعض الجمهوريات، وبخاصة ضمن دول العالم الثالث، حيث جمعوا كل الصلاحيات في يدهم وبسطوا سيطرتهم على كل مفاصل السلطات؛ ليحولوا هذه الدول إلى ديكتاتوريات دموية بشعة؛ ولّدت شعورًا معاديًا للنظام الرئاسي وتأييدًا للنظام البرلماني من دون فهم دقيق لآليات العمل والفروق والخصائص في كل منهما وكيفية معالجة كل الثغرات فيها وهذا هو الخطر الأكبر من النظام الرئاسي، وهو الذي جعل العديد من الدول تميل إلى اعتماد النظام المختلط الذي يحدد صلاحيات رئيس الجمهورية، ويمنع من استخدامها لزيادة قدراته على التحكم بالسلطة التشريعية أو القضائية، ويمكن تحديد الفروقات بين النظام الرئاسي الصرف والمختلط على الرغم من أن النظامين يندرجان تحت مسمى النظام الرئاسي عبر بيان مدى الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية، والأسئلة الأكثر أهمية حول هذا الموضوع هي:

1 – مدى صلاحيات الرئيس في إصدار التشريعات القانونية من دون الحاجة للرجوع إلى مجلس النواب.

2 – مدى الحصانة التي تتمتع بها قراراته من الطعن أمام مجلس النواب أو القضاء.

3 – مدى الحصانة التي يتمتع بها أمام الملاحقة القانونية عن الجرائم التي يرتكبها سواء كانت شخصية أو فساد أو استغلال السلطة.

4 – مدى الرقابة المتاحة لمجلس النواب لمحاسبته على أعماله وقراراته كسلطة تنفيذية.

5 – مدى تحكمه وسيطرته على السلطة القضائية.

6 – مدى تحكمه بسير العمليات الانتخابية.

7 – حدود سلطته التنفيذية باتخاذ قرارات تمس مستقبل البلد “إعلان الحرب، السلم، حالة الطوارئ، تعديل الدستور، تعيينات السلطة القضائية والمحكمة الدستورية والتقسيمات الإدارية. استثمار ثروات البلاد”.

8 – مدة الرئاسة وعدد مرات الترشح.

الإجابة عن هذه الأسئلة تبين لنا بوضوح إن كان النظام المتبع هو نظام جمهوري مختلط مستقر أو يمكن أن يتحول بسهولة إلى ديكتاتورية أم هو نظام ديكتاتوري حقيقة يتغطى بشكل رئاسي.

وما جرى من تعديل في تركيا -حسب رأيي وحسب الإجابة عن الأسئلة السابقة- لا يُعَدّ تحولًا نحو ديكتاتورية بل تحولًا نحو نظامٍ سياسي أكثر استقرارًا، وإن كان من الأفضل أن تُفصَل الانتخابات النيابية عن الانتخابات الرئاسية، من حيث موعد إجرائها لتفعيل المشاركة السياسية للشعب  تفعيلًا مستمرًا.

كما أعتقد –برأيي- أن الأفضلَ، في مستقبل سورية، أن يكون النظامُ رئاسيًا مختلطًا مع تحديد صارم لسلطة الرئيس، يجعلها تقتصر على إدارة السلطة التنفيذية مع وضع قيود برلمانية على ممارستها، ورقابة مستمرة عليها، وسلطة مطلقة للقضاء المستقل من دون حدود للرقابة والمحاسبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق