كلمة جيرون

جنيف والتنازلات المتتالية

من جديدٍ، يلتئم شمل المعارضة السورية والنظام في جنيف، يُشاركهم ممثلون عن القوى العربية والإقليمية والدولية، في اجتماع هو السادس من “مسلسل جنيف” ذائع الصيت، الذي يُخشى أن يضارعَ المسلسلات التركية المعاصرة، فيكون مثلها طويلًا وبلا نهاية.

تحضر المعارضة السورية هذا المؤتمرَ بحماس، وتصحب معها مجموعة، ليست قليلة، من المستشارين والحقوقيين والإعلاميين، وهي تعتقد أنها تتأهب لخوض منازلة سياسية جديدة، فيما يؤكد الواقع على أن كل اجتماع جديد -إقليمي أو دولي- تحضره المعارضة السورية، يؤدي إلى تنازلات جديدة، وخسارات كبيرة، بل وكارثية أحيانًا، تحاول المعارضة إخفاءها دائمًا عن أعين السوريين.

في جنيف 1 كانت النتيجة “هيئة حاكمة انتقالية ذات صلاحيات كاملة”، لم يستطع أحد تمريرها أو فرضها، ثم في جنيفٍ آخر صارت النتيجة “إجراءات تمهيدية إلزامية لبناء الثقة”، تشمل وقف إطلاق نار شامل وتحرير المعتقلين وفك الحصار، وفي آخر، صار مصير الأسد موضع شك، وباتت مشاركته في المرحلة الانتقالية شبه مؤكدة، وصولًا إلى نتائج أخرى، تفرض مفاوضات غير مشروطة.

عُقدت مؤتمرات كثيرة -طارئة ودورية- في جنيف، وبروكسل، وأستانا، وعواصم أوروبية وعربية، وفي كل اجتماع كانت النتائج تتقلص، والانتكاسات تزداد، والآمال تغور أكثر، حتى وصلت الحال، في أستانا، إلى الحديث عن وقف إطلاق نار في بقع محددة، ومشاركة النظام في محاربة الإرهاب.

تُشارك المعارضة السورية في جنيف الأجدّ، وهي تُدرك تمامًا أن الولايات المتحدة وروسيا لم تتفقا بعد على التفاصيل، وأن المجتمع الدولي ما زال غير مبالٍ إن توقفت المذبحة السورية أم لا، وأن إيران الخامنئي لم ولن تتراجع عن غزوها، وروسيا بوتين لن تقبل بغير النظام، وأمريكا ترامب لا تنسجم إلا مع أهداف إسرائيل والأكراد، وأن التوافق التركي الإيراني محض شائعة، وأن سورية تتقاسمها، بشراسة، أجندات إقليمية ودولية، لا علاقة لها بسورية شعبها وأرضها.

تُشارك المعارضة السورية في جنيف الأجدّ، وهي تُدرك تمامًا أن أوضاعها مزرية، مهلهلة، فاقدة التأييد الشعبي، ولا تستطيع التأثير على المعارضة المسلحة وأمرائها، وأن حلفاءها انفضوا من حولها؛ بسبب تشرذمها وعبثها وفساد بعضها، وأن هموم من هم في الداخل باتت تختلف عن همومهم وآمالهم وأحلامهم.

واقع الحال، ونتائجه المتراجعة دائمًا، يُرجّحان قيام المعارضة بتنازل جديد في جنيف، لا يُعرف حجمه ونوعه وخطره، وسيكون تنازلًا إلزاميًا وليس طوعيًا. وليس هذا تشكيكًا في نواياها، بل لأن كل من حولها -بجهودها- بات ضدها.

يعتقد كثير من المعارضين السوريين أن من حقّهم “التجريب”، خاصة بعد خمسة عقود من القمع والخواء السياسي الذي عاشوه في سورية، وأن “في كل حركة بركة”، وأن “من لا يحضر ولادة عنزته تلد له جروًا”، وأن “من يحضر العرس يحظى بقرص”، ويتعاملون مع كل المؤتمرات من هذا المنطلق، ويُصرون على المشاركة من دون أن يُفكّروا في بدائل، تُقلّهم إلى غايتهم.

لا شك أن مشاركة المعارضة، في أي مؤتمر حول سورية، هو أمرٌ ضروري، تُثبت من خلاله تواجدَها، وتُفيد منه منبرًا للتأكيد على مطالبها، ولفضح إجرام نظام قاتل، وللتشهير بغزاة شرسين، لكن حين تكون نتائج هذه المشاركة المزيدَ من التنازلات، فعندئذٍ تكون المقاطعة وجهة نظر جديرة بالاحترام.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق