تحقيقات وتقارير سياسية

الخدعة الروسية (أستانا)

لم تكتفِ موسكو بالاتفاق الثلاثي الذي وقعته مع كل من تركيا وإيران بعيدًا عن المعارضة والنظام، وبدأت شكليًا، وبشكل منفرد، في تنفيذ وقف التصعيد، بل ذهبت إلى مجلس الأمن حاملةً الاتفاق الثلاثي من أجل تسويقه أمميًا، مُحاولةً الحصول على موافقة مجلس الأمن عليه، في خطوةٍ من (التذاكي) المفضوح، إذ إن إضفاء الشرعية الأممية على اتفاق أستانا يجعل منه ندًا بديلًا للقرارات الأممية السابقة، ويُفرغها من مضمونها.

ما تسعى إليه موسكو، في أستانا على وجه الدقة، هو القضاء التام والكامل على كل ما يخص جنيف، ابتداءً من القرار الدولي المُنشئ لآلية جنيف، وانتهاءً بالتخلص من المعارضة السياسية الحقيقة، والذهاب بالقضية السورية كُليةً إلى أستانا، وإعادة تأهيل النظام هناك، عن طريق الضغط على بعض الفصائل العسكرية من طرف، وعن طريق التفاوض الشكلي مع المعارضة المُصنعة في موسكو، سواء مع قدري جميل أو منصة أستانا وغيرهما، ممن لا مشكلة لهم مع بقاء الأسد للأبد، ويشبه ذلك إلى حد كبير ترشّح أحد “جلاوزة” النظام بوجه الأسد في آخر انتخابات رئاسية في سورية، إذ كان برنامج المرشح المنافس هو استمرار قيادة الأسد.

تصريحات رأس النظام “الفاشي” في دمشق قبل أيام، وأعلن فيها أنه لن يتنحى وليس مُتعبًا، معطوفةً على كلام وزير خارجيته بأن الحل السياسي -بمفهوم النظام- هو ما يسمى بـ “المصالحات” وليس أي حل آخر، يؤكد على أن المُراد من الخطة الأستانية هو حصار المناطق الثائرة وقضمها عن طريق الترهيب والترغيب، وإعادتها إلى سيطرة الأسد، وبعدها سيقول الأسد، لدي مستورا والأمم المتحدة: عن أي مشكله تتحدثون؟!

الخطوات الفعلية التي اتُّخذت في أستانا، وهي تؤدي حتمًا إلى إفراغ جنيف من المحتوى، وتُحول اجتماعات جنيف إلى مجرد كرنفالات للتهريج هي:

– فصل المعارضة المسلحة عن السياسية بعد أن توحدت في الهيئة العليا للتفاوض في الرياض.

– نقل ملف النقاش في الدستور من جنيف إلى أستانا.

– نقل ملف المعتقلين من جنيف إلى أستانا، وجعله على شكل تبادل أسرى حرب بين النظام والفصائل، وهذا أمر خطير؛ حيث يبقي سجناء الرأي في المعتقل كون الفصائل تُطالب بمعتقليها حصرًا، وأول أمس تم إفراغ السجن الأحمر من معتقلي الرأي ونقلهم إلى سجون أخرى إمعانًا من النظام في إخفاء معتقلي الرأي.

إن محاولات روسيا المستميتة للقضاء على مسار جنيف التفاوضي ينطوي على أخطار أبعد من المذكورة أعلاه على المديين المنظور والبعيد.

على المدى المنظور، ومن حيث لا يدري قادة الفصائل، سيكونون شركاء للنظام في حصار حاضنتهم الشعبية؛ ما سيؤدي حتمًا إلى اقتتال أهلي بعد أن تُحولهم اتفاقية أستانا، من قادة فصائل ثورية إلى مجرد أمراء حرب مرتزقة، يُحاربون حاضنتهم الشعبية وفاءً لالتزاماتهم مع النظام، وقد حصل هذا سابقًا في الشيشان، وهنا ستكون استدارة البندقية 180 درجة، وحينئذٍ سيُقدّم النظام عرضه من خلال وسطائه للأهالي كي يعودوا إلى “حضن الوطن”.

أما الخطر على المدى المتوسط والبعيد، فسيكون بإقرار دورٍ لإيران في الشأن السوري، فيما لو حصل اتفاق أستانا على موافقة أممية، فعلى الرغم من رفض المعارضتين السياسية والعسكرية لأي دور إيراني في حاضر سورية ومستقبلها، إلا أن حاجة روسيا إلى إيران على الأرض يجعلها تستميت من أجل جعل إيران شريكًا في القرار حول سورية، ومن المرجّح أن الإدارة الأميركية واعية لذلك جيدًا؛ لذلك بدأت، بخطوات بطيئة، محاولتها قطع خطوط الإمداد بين طهران ودمشق، من خلال الرفع التدريجي لتواجدها على الحدود العراقية – الإيرانية، وكذلك الحدود السورية – العراقية، ولاحقًا السيطرة على أجواء العراق لقطع خطوط الإمداد جوًا، وبالطبع ليس خدمةً للثورة السورية بمقدار ما هو مطلب أمني إسرائيلي، وهدف جيوسياسي لأميركا، وتنفيذًا لرغبة الحلفاء في المنطقة.

في مثل هذه اللحظة الحرجة، واقتراب المسار التفاوضي في جنيف، يُفترض على أطياف المعارضة السورية (الحقيقية) شحذ الهمم، والتوحد خلف فريق مفاوض واحد، يستطيع استعادة كافة الملفات من أستانا إلى جنيف، والثبات على مطالب الثورة، ويدعو قادةَ الفصائل إلى وقف مسار أستانا فورًا، وإصدار بيان واضح بانسحابها من كل مفاعيل الاجتماعات السابقة، وصولًا إلى إعدام كافة القرارات والتفاهمات، وعليهم أن يعوا خطورتها وأنهم سيكونون أول الضحايا، وقد جرّبوا سابقًا كل أنواع الضمانات التركية والروسية والإيرانية، ففي ظل أستانا تم تهجير وادي بردى على مرأى ومسمع الدول الثلاث التي أغمضت عيونها وابتلعت ألسنتها، وبعد آخر اجتماع في أستانا سارت عمليات التهجير والتغيير الديموغرافي على قدم وساق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق