تحقيقات وتقارير سياسية

التطهير العرقي في الجولان السوري المحتل

يهدف التطهير العرقي إلى إيجاد تجانس عرقي في إقليم متعدد الأعراق، ذلك باستخدام أساليب متعددة (إدارية، عسكرية، ترهيبية، إعلامية) لطرد المجموعات العرقية غير المرغوب فيها، وجعل عودتهم مستحيلة، بدعوى وجوب اقتصار الإقليم على عرق أساسي محدد. والتطهير العرقي ركن أساس في المشروع الصهيوني الذي يقوم على سياسة الاستعمار الاستيطاني الاحتلالي المتمثلة باحتلال أراض الآخرين، وتطهيرها من سكانها الأصليين، وسرقة أراضيهم وممتلكاتهم، وتدمير مناطقهم السكنية، وتشييد المستوطنات على أنقاضها، وجلب المستوطنين اليهود وتوطينهم فيها. ولذلك مارست الحركة الصهيونية سياسة تطهير عرقي واسعة النطاق في المناطق التي احتلتها.

تُظهر مراسلات المؤسسين الأوائل للحركة الصهيونية مدى إصرارهم على السيطرة على الجولان؛ إذ عبروا عن أطماعهم في جعل الجولان ضمن حدود الدولة العبرية المزمع على إقامتها على أرض فلسطين. وقد طالب حاييم وايزمن بين 1918 – 1920 الحكومة البريطانية في إبان المفاوضات مع حكومة فرنسا، حول تقاسم السيطرة على المنطقة، بإدراج مناطق حوران والجولان الواقعة شمالي فلسطين ضمن دائرة النفوذ البريطاني. وفي شباط /فبراير 1919، وجهت المنظمة الصهيونية للمجلس الأعلى لمؤتمر السلام المنعقد في باريس مذكرةً، طالبت فيها أن يكون الجولان وحوران وشرقي الأردن وجبل الشيخ ضمن حدود الدولة العبرية؛ كونها مناطق خصبة وغنية بالمياه.

باشرت إسرائيل بتهيئة الظروف الكفيلة بتحقيق الأطماع التاريخية للحركة الصهيونية في الجولان؛ فكانت تتعمد خرق اتفاقيات الهدنة الموقعة مع سورية في 20 تموز/ يوليو 1949 وتعتدي باستمرار على المناطق منزوعة السلاح. وفي الخامس من حزيران/ يونيو 1967 هاجمت القوات الإسرائيلية سورية ومصر والأردن، فاستولت، في خمسة أيام، على شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان.

أسفر عدوان 1967 عن احتلال إسرائيل 1230 كم مربع، من الجولان وقيام قوات الاحتلال بأعمال تطهير عرقي واسعة النطاق بحق السكان السوريين، فهجّرت نحو 131 ألف شخص، من المناطق التي احتلتها قسرًا، وحظرت عودتهم إلى أماكن سكناهم. وقد قامت سلطة الاحتلال لاحقًا بتدمير 340 قرية ومزرعة يقطنها سوريون رُحّلوا قسرًا، وشيدت على أنقاضها 34 مستوطنة غير شرعية، يقيم فيها اليوم نحو 23 ألف مستوطن يهودي.

وتشير المعطيات الموثقة عام 2008 إلى أن عدد السوريين الذين هُجّروا من الجولان عام 1967 يفوق 400 ألف شخص. يشار إلى أنه بقيت في الجولان المحتل خمسة قرى سورية، تقع على سفوح جبل الشيخ في أقصى الشمال، ويقطنها نحو 25 ألف مواطن سوري.

بعد توقف العمليات القتالية، وإحكام السيطرة العسكرية على الجولان، واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة التطهير العرقي بحق من تبقى من المواطنين السوريين، فاقتلعت الغالبية العظمى منهم تمهيدًا للسيطرة على الأرض، والشروع بإقامة المستوطنات، ونقل المستوطنين اليهود للعيش فيها. وقد اتخذت قوات الاحتلال إجراءات، تمنع عودة السكان الذين أُجبروا على الانتقال القسري إلى مناطق دمشق وضواحيها إلى أماكن سكناهم. وكانت الأوامر العسكرية الأداةَ الرئيسة لتطبيق سياسة منع العودة. وقد أصدر القائد العسكري أمرًا عسكريًا (أمر رقم 1)، أعلن بموجبه أن كل الجزء المحتل من الجولان مساحاتٌ مغلقة، وحظر على الأشخاص الدخول إليها أو الخروج منها من دون الحصول على تصريح مسبق من القيادة العسكرية.

وينص الأمر العسكري (رقم 1) “بشأن مساحات مغلقة” الصادر في 18 حزيران/ يونيو 1967على ما يلي:

المادة 1: يعلن بهذا عن مساحة هضبة الجولان مساحة مغلقة.

المادة 2: لا يجوز لأي شخص الدخول إلى منطقة هضبة الجولان من منطقة تقع خارجها إلا بتصريح، يصدر من قِبلي (أي: الحاكم العسكري) أو من قبل القائد العسكري لمنطقة هضبة الجولان.

المادة 3: يُعاقب مَن خالف حكم المادة 2 بالحبس مدة خمس سنوات.

وكانت مدينة القنيطرة في ذلك الوقت تعد أكبر تجمع سكاني في الجولان، يقطنه نحو 40 ألف شخص، وكانت بمنزلة مركز للجولان. ولمنع عودة سكان القنيطرة إلى مساكنهم، أصدر القائد العسكري في 4 تموز/ يوليو 1967 الأمرَ العسكري 13 وأعلن بموجبه عن المساكن التابعة لسكان مدينة القنيطرة التي أضحت خالية تمامًا من السكان بعد احتلال مساحات عسكرية مغلقة، لا يسمح بدخول وخروج السكان منها وإليها إلا بموجب تصريح خطي صادرة عنه.

ومن ضمن الأوامر العسكرية التي حالت دون عودة السكان المدنيين إلى الجولان، الأمر 39 المتعلق بإغلاق القرى التي أجبر سكانها على مغادرتها، وأُعلنت بموجبه جميع القرى التي أجبر سكانها تركها بحكم “قرى متروكة”، حيث حظر عليهم العودة أو الدخول إليها، ونص على معاقبة كل من يخالف هذا الأمر بالسجن مدة خمس سنوات أو بغرامة مالية كبيرة. وفي 17 أيلول/ سبتمبر1967 صدر الأمر العسكري 57 القاضي بمنع التسلل، حيث حظر بموجبه عودة السكان لأماكن سكناهم ومنازلهم الكائنة في الجولان.

تنفي دولة الاحتلال حدوث أعمال تطهير عرقي ضد سكان الجولان، وتدعي أنهم غادروا المنطقة هربًا من العمليات القتالية. لكن لا صحة لهذا الادعاء؛ إذ إن سياسة الاستيلاء على الأرض وتطهيرها من سكانها العرب تشكل أحد ركائز الفكر الصهيوني. كما أنه ليس لهذا الادعاء ما يسنده في القانون؛ لأن اتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 تحظر النقل الجبري – الجماعي أو الفردي – للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أيًا كانت دواعيه. هذا الحظر يعدّ مطلقًا ولا يجوز الانتقاص منه تحت أي ظرف. إلا أنه يجوز لدولة الاحتلال أن تقوم بإخلاء كلي أو جزئي لمنطقة محتلة معينة، إذا اقتضى ذلك أمن السكان أو لأسباب عسكرية قهرية. ولا يجوز أن يترتب على عمليات الإخلاء نزوح الأشخاص المحميين إلا في إطار حدود الأراضي المحتلة، ما لم يتعذر ذلك من الناحية المادية. ويجب إعادة السكان المنقولين على هذا النحو إلى مواطنهم، بمجرد توقف الأعمال العدائية في هذا القطاع.

إن التهجير القسري لسكان الجولان السوريين يرتقي إلى مستوى جريمة الحرب. وأحكام القانون الدولي واضحة بهذا الشأن، حيث إنها تُدرج إخراجَ الأشخاص قسرًا، من المنطقة التي يوجدون فيها، بصفة مشروعة -بالطرد أو بأي فعل قسري آخر- من دون مبررات يسمح بها القانون الدولي ضمن الانتهاكات الجسيمة التي ترتقي لمستوى جريمة الحرب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق